فهرست

برای مشاهده فهرست موضوعی اصول از دكمه سمت راست استفاده كنيد

الأمر الأوّل: إنّ مبحث القطع هل يُعَدُّ من مسائل علم الأُصول؟

فيه ثلاثة أقوال:

القول الأوّل: أنّه من المسائل الأُصولية

و اختاره بعض الأعاظم!([1]) و بعض الأجلّاء من أساتيذنا!([2]).

القول الثاني: أنّه من المسائل الكلامية

قال في منتهى الدراية: أنّه مسألة كلامية من جهة و مسألة أصولية من جهة أخرى، فصحّ إدراجه في علم الأصول.([3])

القول الثالث: أنّه ليس مسألة أُصولية و لا كلامية، بل أشبه بالكلامية

و هذا مختار صاحب الكفاية و المحقّق الإصفهاني([4]) و المحقّق الخوئي#([5]).

و قال بعض الأساطين>: يلزم ذلك من تعريف بعض الأعلام! لعلم الأصول.([6])

و أيضاً اختار بعض المحقّقين! خروج البحث في حجيّة القطع عن علم الأصول([7]).

و لهذا القول بيانان:

البيان الأوّل من صاحب الكفاية!

إنّ مبحث القطع لايقع في طريق استنباط الأحكام و ليس ممّا ينتهى إليه في مقام العمل.

قال صاحب الكفاية! في تعليقته على الرسائل:([8]) «إنّ القطع لمّا كان بنفسه يكشف عن متعلّقه تمام الانكشاف كان متعلّقه بمجرد تعلّقه به ثابتاً لدى القاطع من دون مؤونة تأليف قياس يقع في وسطه و هذا أوضح من أن يخفى.»([9])

قال المحقّق الإصفهاني! في التعليقة على قوله في الكفاية: «و إن كان خارجا عن مسائل الفن»: حتّى بناء على تعميم الغرض الباعث على تدوين فن الأصول لما ينتهي إليه أمر الفقيه في مقام العمل، فإن هذه المباحث ليست مما ينتهي إليه أمر الفقيه في مقام العمل. ([10])

البيان الثاني من المحقّق الإصفهاني!([11])

إنّ المحقّق الإصفهاني! يرى أنّ الغاية المطلوبة من الأُصول «إقامة الحجّة على حكم العمل»، و الغرض منه التمكن من إقامة الحجّة([12]) ، و يقول في تعريف علم الأُصول: «علم الأُصول ما يبحث فيه عن القواعد الممهّدة لتحصيل الحجّة على الحكم الشرعي»([13]) و هكذا عرّفه بأنّه: «فنٌّ يعرف به ما يفيد في إقامة الحجّة على حكم العمل»([14]).

و هو عرّف الحجّة تارةً بإنشاء الحكم المماثل و أُخرى بتنجيز الواقع.

و لا شكّ في أنّ القطع منجّز و معذّر بنفسه فيكون حجّةً بهذا المعنى، و لكن مع ذلك يقول بخروج بحث القطع عن الأُصول، و وجه ذلك هو أنّ منجزية القطع بأقسامه لاتكون واسطة في استنباط الحكم الشرعي و مباحث القطع ليست ممّا ينتهي إليه أمر الفقيه في مقام العمل كمباحث الأُصول العملية التي ينتهي إليها أمر الفقيه في مقام العمل بعد الفحص و البحث عن الأدلّة و الأمارات.

لايقال: إنّ البحث عن منجزية القطع بأقسامه كالبحث عن منجزية الأمارات و كلاهما يفيدان في مقام إقامة الحجّة على حكم العمل في الفقه.

لأنّا نقول: القطع بالحكم عين وصوله حقيقةً إلى المكلّف و لايتوقّف علم الفقه على منجّزية القطع ليكون نتيجة البحث مفيدة في الفقه.

بخلاف ما عدا القطع من أقسام الحجّة، فإنّه ليس وصولاً حقيقياً للحكم، فلابدّ من كونه وصولاً تنزيلياً أو وصولاً من حيث الأثر و هو المنجّزية، فيتوقف وصول الحكم إلى المكلّف على ثبوت وصوله تنزيلاً أو من حيث الأثر و هو المبحوث عنه في علم الأُصول.

فظهر بذلك أنّ مبحث القطع ليس من المسائل الأُصولية، و الوجه في البحث عنه في علم الأُصول استطراداً هو أنّه حجّة و منجّز مثل منجّزية الأمارات و حجيتها.([15])

تذكرة: الوجه في شباهته بالمسائل الكلامية

قال في الكفاية: «المقصد السادس في بيان الأمارات المعتبرة شرعا أو عقلا و قبل الخوض في ذلك لا بأس بصرف الكلام إلى بيان بعض ما للقطع من الأحكام و إن كان خارجا من مسائل الفن و كان‏ أشبه‏ بمسائل‏ الكلام لشدة مناسبته مع المقام».([16])

و قال المحقّق الإصفهاني! في التعليقة على قوله: «و كان أشبه بمسائل الكلام»: حيث إن المسائل الكلامية ليست مطلق المسائل العقلية، بل ما له مساس بالدينيات و العقائد، فلذا لم يجعلها من مسائل الكلام، لكنه حيث إن مرجع البحث إلى حسن معاقبة الشارع على مخالفة المقطوع به صحت دعوى أنها أشبه بمسائل الكلام، فتدبّر. ([17])

التحقیق: إنّ حجّية القطع توجب استحقاق العقاب على مخالفته و البحث عن استحقاق المكلّف للعقاب بحث كلامي.

ولكن الجهة المبحوث عنها في القطع ليست هي استحقاق العقاب بل هو من لوازم القطع و آثاره، بل يبحث عن القطع من جهة منجّزيته للواقع و كونه وصولاً حقيقياً للحكم الشرعي المقطوع به.

هذا كلّه في القطع الطريقي، فالبحث عنه ليس من المسائل الأُصولية.

تنبيه في خروج البحث في القطع الموضوعي عن المسائل الأُصولية

إنّ القطع الموضوعي بالنسبة إلى الحكم الشرعي مثل سائر موضوعات الأحكام، فإنّ الحكم لايستنبط من موضوعه بل الحكم يستنبط من الأدلة الدالة عليه، فالبحث عن القطع الموضوعي خارج عن المسائل الأُصولية([18]).

 

الأمر الثاني: إنّ طريقيّة القطع ذاتية أو جعلية؟

فهنا نشير إلى مطلبين:

الأوّل: بيان الأعلام حول ذاتية الطريقية للقطع، الثاني: بيانهم حول عدم إمكان جعل الطریقیة للقطع.

المطلب الأوّل: بیان الأعلام حول ذاتية الطريقة للقطع

إنّ الأعلام قالوا: بذاتية الطريقية للقطع، ولكلٍّ منهم بياناً لتوضيح ذلك:

بيان المحقّق النائيني!

الطريقية التكوينية من لوازم ذات القطع كزوجية الأربعة بل بوجهٍ يصحّ أن يقال: إنّها عين القطع.([19])

بيان المحقّق العراقي!

إنّ القطع بذاته و حقيقته عين انكشاف الواقع بالكشف التامّ و الوصول إليه، بحيث يرى القاطع نفسه وأصلاً إلى الواقع. ([20])

بيان المحقّق الإصفهاني!

إنّ القطع حقيقةٌ نوريةٌ محضة، بل حقيقته حقيقة الطريقية و المرآتية، لا أنّه شيء لازمه العقلي الطريقية و الانكشاف، بداهة أنّ كلّ وصف اشتقاقي ينتزع عن مرتبة ذات شيء فمبدأه ينتزع عن ذلك الشيء قهراً، و إلّا لزم الخلف بل ذات القطع نفس الانكشاف، و انتزاع الكاشف عنه باعتبار وجدانه لنفسه، و لا معنى للطريقية إلّا وصول الشيء بعين حضوره للنفس.

فالطريقية عين ذاته لا من ذاتياته، فلذا لا حالة منتظرة في الإذعان بانطباق الكبرى العقلية على المورد، فيتحقّق بسببه ما هو السبب التام لاستحقاق العقاب بلا كلام.([21])

ملاحظتنا على كلام المحقّق الإصفهاني!

إنّ القطع غير العلم فإنّ العلم عين انكشاف الواقع دون القطع فإنّه قد يكون انكشافاً للواقع و قد يكون جهلاً مركباً، فليس القطع بإطلاقه حقيقة نوريّة محضة، خلافاً للمحقق الإصفهاني! بل القطع حالة نفسانية و هو جزم النفس بأمر، و القاطع يرى نفسه عالماً، فيرى القطع عين الانكشاف.

نعم الطريقية ذاتية له، لأنّ القاطع يرى قطعه عين العلم و حيث إنّ العلم عين الانكشاف فيرى قطعه أيضاً عين الانكشاف و من هذه الجهة يصحّ أن نقول: بأنّ القطع عين الطريقية، و حقيقته حقيقة الطريقية و المرآتية، كما قاله المحقّق الإصفهاني! و الطريقية ذاتية له، لا بمعنى ذاتي باب إيساغوجي([22]) (الكليات الخمس) بل ذاتي باب البرهان([23]).

المطلب الثاني: بیانهم حول عدم امكان جعل الطریقیة للقطع

بيان المحقّق الإصفهاني!

قال!([24]): إنّ جعل الطريقية للقطع من الشارع غير معقول، لا بما هو جاعل الممكنات و لا بما هو شارع الشرائع و الأحكام.

أمّا عدم قابليته للجعل بما هو جاعل الممكنات:

فلأنّ المعقول من الجعل نحوان: بسيط و مركّب، و القطع بما هو قطع في مرحلة ذاته و ماهيته غير قابلة للجعل بنحويه على ما هو التحقيق من تعلّق الجعل بالوجود فالماهية ليست مجعولة بالجعل المركّب و لا مجعولة بالجعل البسيط.

كما أنّ الجعل التركيبي بين الشيء و نفسه غير معقول، لأنّ وجدان الشيء لذاته و ذاتياته ضروري، و قد فرضنا أنّ القطع حقيقته عين الانكشاف و النورية.

بل لو فرضنا أنّه أمر لازمه النورية و المرآتية فهو من لوازمه غيرِ المفارقة و الجعل بين الشيء و لوازمه غيرِ المفارقة أيضاً محال.

أمّا في مرحلة وجوده فالجعل البسيط له عبارة عن إبداعه و تكوينه و إيجاده و هو أمر معقول و لا دخل له بمورد البحث، إذ إيجاد القطع إيجاد الطريق و كل قطع وجد في الخارج فهو بعلله مستند إلى جاعل هويّات الممكنات، فجعل القطع جعل الطريق، لا جعل ما ليس بطريق بذاته طريقاً كما هو محلّ البحث.

أمّا جعله طريقاً بمعنى تعلّق الجعل بوجوده الرابطي فهو محال بعد ما عرفت أنّ حقيقة القطع حقيقة الطريقية و المرآتية فوجود الطريقية له وجود نفسي له لا رابطي.

أمّا عدم القابلية للجعل منه تعالى بما هو شارع:

فالجعل المعقول منه من حيث هو شارعٌ هو التصرّف في الحكم، حيث إنّ حيثية الشارعية غير حيثية الجاعلية.

 فالحكم المجعول ثانياً إن كان موافقاً لما تعلق به القطع يوجب اجتماع المثلين في نظر القاطع و إن كان مخالفاً له يوجب اجتماع الضدين أو المتناقضين في نظر القاطع و إن لم يوجبهما في الواقع و كفى به مانعاً لعدم تمكّن المكلّف من تصديقه بعد تصديقه بمثله أو ضدّه أو نقضيه.

فلايعقل من المولى حينئذٍ البعث و الزجر، لأنّهما لجعل الداعي و المفروض استحالته في نظر المكلّف.

مضافاً إلى أنّه إذن في التجرّي في صورة المخالفة و هو كالإذن في المعصية الواقعية قبيح عقلاً.

ثمّ إنّ المحقّق الإصفهاني! استدرك عن إشكال اجتماع المثلين و اجتماع الضدّين فقال([25]): «بل التحقيق أنّ حديث التضادّ و التماثل أجنبي عمّا نحن فيه لما فصّلناه في مسالة اجتماع الأمر و النهي من أنّ الحكم سواء كان بمعنى الإرادة و الكراهة أو البعث و الزجر الاعتباريين ليس فيه تضادّ و تماثل، فإنّهما من صفات الأحوال الخارجية للموجودات الخارجية فراجع.

بل المانع من اجتماع البعثين [ليس هو اجتماع المثلين بل المانع] إمّا صدور الكثير عن الواحد لو انبعث البعثان المستقلان عن داعٍ واحد أو صدور الواحد عن الكثير لو انبعثا عن داعيين، فإنّ الفعل الواحد عند انقياد المكلف لمولاه لو صدر عن بعثين مستقلّين لزم صدور الواحد عن الكثير، كما أنّ صدور مقتضَى البعث و الزجر لازمه اجتماع المتناقضين فيلغو البعث بداعي إيجاد الفعل و الزجر بداعي تركه.» ([26])

 

الأمر الثالث: آثار القطع

هنا مطلبان بين الأعلام نشير إليهما: المطلب الأوّل: ما هي الآثار العقلية للقطع؟، و المطلب الثاني: أنّ هذه الآثار ذاتية أو جعلية أو غيرهما.

المطلب الأوّل: ما هي الآثار العقلية للقطع؟

إنّ للقطع آثار عقليّة:

الأثر الأوّل: منجّزيّته

في أساس البلاغة: «أنجز وعده‏ إنجازاً، و نجزَ الوَعدُ، و هو ناجز إذا حصل‏ و تمّ، و منه‏ نَجَزَ الكتابُ. و نَجَزَتْ‏ حاجتُه، و أنت على نَجَزِ حاجتك و نُجْزِها.»([27]) و هنا بمعنى تمامية وصول الواقع إلى القاطع.

و أستاذنا المحقّق الشيخ البهجة! استدلّ على حجية القطع بمعنى منجزيته بأنّها من الأحكام العقلائية المندرجة في الحسن و القبح العقليين.([28])

الأثر الثاني: استحقاق العقاب على مخالفته

و هو أثر مهمّ في علم الكلام و إنّه لازم الأثر الأوّل، لأنّ الواقع إذا وصل إلى القاطع، و ترك العمل على وفقه فهو مستحقّ للعقاب عند العقلاء، فإنّ العقلاء يلتزمون باستحقاق العقاب لمن خالف مولاه في قطعه، كما أنّ نفس العقاب من الشارع من لوازم مخالفة الواجب الشرعي.

الأثر الثالث: وجوب متابعة القطع 

و وجوب متابعة القطع من الضروريات.([29])  

و قد اختلف الأعلام في أنّ الوجوب هنا يعمّ الوجوب الشرعي أم لا؟

و هنا نظريتان مهمّتان:

النظرية الأولى: عدم تعميم الوجوب للشرعي

إنّ المحقّق النائيني! يعتقد بأنّ هذا الوجوب ليس وجوباً شرعياً و قال:

«و المراد من وجوب متابعة القطع وجوبُ متابعة المقطوع من الواقع المرئي بالقطع و لزوم العمل بما أدّى إليه قطعه و الجري على وفق علمه، و هذا الوجوب ليس وجوبا شرعيّاً، لأنّ طريقية القطع ذاتية له لا تنالها يد التشريع، إذ لا معنى لتشريع ما هو حاصل بذاته و منجعل بنفسه، فإنّ الجعل التشريعي إنّما يتعلق بما يكون تكوينه عين تشريعه لا ما يكون متكوّنا بنفسه، و طريقية القطع تكون كذلك. و هذا من غير فرق بين أن نقول بصحة جعل الحجية و الطريقية -كما هو المختار- و بين أن نقول بعدم الصحة و أنّ المجعول هو منشأ الانتزاع -كما هو مختار الشيخ!- فإنّ الطريقية التي نقول بصحّة جعلها إنما هي في غير الطريقية التكوينية -كطريقية القطع- فإنّها من لوازم ذات القطع كزوجيّة الأربعة، بل بوجهٍ‏ يصحّ أن يقال: إنّها عين القطع، و ما يكون شأنه ذلك كيف يصح أن تناله يد الجعل التشريعي!».([30])

ملاحظتنا عليه

و مقتضى التحقيق هو أنّ الوجوب في هذا الأثر أعمّ من الوجوب الشرعي و العقلائي و العرفي، و لا نعني به جعل الطريقية حتّى يشكل علينا بما قاله المحقّق النائيني!: بأنّ طريقية القطع ذاتية له لا تنالها يد التشريع، إذ لا معنى لتشريع ما هو حاصل بذاته و منجعل بنفسه، بل نريد إيجاب متابعته من الشارع، و إذا قلنا إنّ هذا الوجوب يوجد داعياً شرعياً لمتابعة القطع، فإنّ وجود الداعي العقلي لا ينافي إيجاد الداعي الشرعي بما نراه من عدم ارتداع كثير من الناس بالداعي العقلي و ارتداعهم بالداعي الشرعي فحينئذ يتصوّر له معنىً.

و لابدّ من الالتفات إلى أنّ قواعد علم الأصول لا تختصّ بالأحكام الشرعية فقط.

النظرية الثانية: الوجوب يعمّ الشرعي

و هذه النظرية هي المختار في المقام و قد التزم بها بعض الأعلام، و مرادنا ليس جعل الطريقية بل تقوية الداعي في نفوس المكلفين.([31])

و قد استدلّ البعض على وجوب متابعة القطع بوجوه كثيرة، لايهمّنا ذكرها.([32])

المطلب الثاني: أن هذه الآثار ذاتية أو جعلية أو غيرهما

قبل الورود في هذا البحث، لابدّ من بيان معاني الحجّة والحجّية:

مقدمة في معنى الحجّة

إنّ الحجّة لها معنى لغوي و معنى مصطلح في علم المنطق و مصطلح آخر في علم الأُصول.([33])

المعنى الأوّل: الحجّة بالمعنى اللغوي

و هو ما يصلح أن يحتجّ به على الغير

و الاحتجاج على الغير قد يكون بإثبات ما يدعيه المحتجّ على الغير أو بإبطال ما يدّعيه الغير، و قد يكون بإتيان ما هو معذّر للمحتجّ عند الغير.

المعنى الثاني: الحجّة بالمعنى المنطقي

و هو يطلق على أمرين:

الأمر الأوّل: القضايا التي يتشكّل منها القياس و تنتج العلم بأمر و إثباته.

الأمر الثاني: الحدّ الوسط في القياس حيث إنّه واسطة في إثبات المطلوب.

المعنى الثالث: الحجّة بالمعنى الأُصولي

و فسّرت بوجوه خمسة:

الوجه الأوّل: و هو الحجّة بمعنى ما يثبت الحكم الشرعي.

و هذا هو المصطلح العام الأُصولي، و قد يعبر عن هذا المعنى ﺑ «ما يثبت الحكم الفعلي بعنوان أنّه الواقع» كما في نهاية الدراية([34]) و لكن ما عبّرنا عنه أولى من ذلك.

كما قد يعبر عن هذا المصطلح العامّ الأُصولي بأنّه «كل شيء يثبت متعلقه و لايبلغ درجة القطع» كما جاء ذلك في أُصول الفقه للعلامة المظفّر!([35]) و الحجّية بهذا المصطلح لاتطلق على القطع لأنّه عين وصول الحكم لا ما يثبت الحكم.

الوجه الثاني: و هو الحجّة بمعنى ما ينجز الواقع.

و بعبارة أُخرى: الحجّية هي «التنجيز و التعذير» و هذا هو المعنى المشهور في علم الأُصول بمعنى ما يوجب تنجيز الحكم الشرعي و وصوله إلى المكلف بحيث لو خالفه يستحق العقاب عليه كما أنّه في ما إذا لم‌يطابق الواقع يكون عذراً للمكلف و الحجّية بهذا المعنى تطلق على القطع و ذاتية له أو من اللّوازم الذاتية على ما سيأتي إن شاء الله و لذلك قد يفسّر هذا المعنى ﺑ «استحقاق العقاب على مخالفته».

الوجه الثالث: و هو الحجّية بمعنى إنشاء الحكم المماثل.

و هذا المعنى أيضاً مذكور في كلمات الأعلام.

الوجه الرابع: و هو الحجّية بمعنى تنزيل المؤدى منزلة الواقع.

و قد يدعى أنّ آية النبأ مثلاً تدلّ على تنزيل مؤدّى الخبر منزلة الواقع -كما في نهاية الدراية([36]) – و قد توهّم أنّها بمعنى «تنزيل المؤدّى منزلة الواقع الواصل»([37]) و هذا التفسير أيضاً من ملحقات هذا المعنى.

الوجه الخامس: و هو الحجّية بمعنى الطريقية.

و يعبّر عنه بالكشف التامّ أو بالكشف الناقص و الحجّية بهذا المعنى ذاتية للقطع.

إنّ آثار القطع جعلية أو لا؟

إنّ آثار القطع من المنجزية و استحقاق العقاب على مخالفته و وجوب متابعة القطع هل تكون جعلية أو لا؟

إنّ المحقّق الإصفهاني! قد بحث فيها بعنوان المنجزية و استحقاق العقاب، و المحقّق الخوئي! قد عمّم البحث فيها حتى يشمل وجوب متابعة القطع و عنونه بحجّية القطع حيث يرى أنّ حجية القطع قد تكون بمعنى منجزيته و قد يعبّر بها عن وجوب متابعته.

و هنا ثلاثة أقوال:

القول الأوّل: هو أنّها ثابتة بإلزام العقل و حكمه.

القول الثاني: هو أنّها من الآثار الذاتية و اللوازم العقلية للقطع.

القول الثالث: هو أنّها ثابتة ببناء العقلاء.

القول الأوّل: إلزام العقل و حكمه بهذه الآثار

توضيحه أنّ العقل يحكم بمنجزية القطع و استحقاق العقاب على مخالفته و وجوب متابعة القطع و ذلك بمعنى إلزام العقل بهذه الآثار.

إيرادان على القول الأوّل

أوّلاً: أنّ منجزية القطع و استحقاق العقاب على مخالفته لايقبلان الإلزام و البعث التشريعي لعدم كونهما فعلاً حتى يمكن البعث نحوهما و الإلزام بهما، نعم وجوب المتابعة قابل لذلك بأن يُلزم متابعة القطع و يحكم بوجوب المتابعة.

ثانياً: أنّ شأن العقل ليس إلا الإدراك و ليس له أن يُلزم و يبعث نحو شيء لأنّ الإلزام و البعث من شؤون المولوية و لا مولوية للعقل، و لذلك قال المحقّق الإصفهاني!: لا يذهب عليك أنّ المراد بوجوب العمل عقلاً ليس إلّا إذعان العقل‏ باستحقاق العقاب على مخالفة ما تعلّق به القطع، لا أنّ هناك بعثاً و تحريكاً من العقل أو العقلاء نحو ما تعلّق به و إن كان هو ظاهر تعليقة([38]) أستادنا العلّامة أدام الله أيّامه على الرسالة، ضرورة أنه لا بعث من القوة العاقلة و شأنها إدراك الأشياء، كما أنّه لا بعث و لا تحريك اعتباري من العقلاء. ([39])

القول الثاني: الآثار الذاتية و اللوازم العقلية

و هو مختار صاحب الكفاية! و كثير من الأعلام.

توضيح ذلك: إنّ حجّية القطع بمعنى تنجّزه و استحقاق العقاب على مخالفة القطع من الآثار القهرية و اللّوازم الذاتية و هي من الأُمور الواقعية الأزلية مثل جميع الاستلزامات العقلية.

بيان المحقّق الخوئي!([40])

إنّ حجّية القطع من لوازمه العقلية، و إنّ العقل يدرك حسن العمل به و قبح مخالفته و يدرك صحّة عقاب المولى عبده المخالف لقطعه وعدم صحّة عقاب العامل بقطعه و لو كان مخالفاً للواقع و إدراك العقل ذلك لايكون بجعل جاعل أو بناء من العقلاء لتكون الحجّية من الأُمور المجعولة أو من القضايا المشهورة بل من الأُمور الواقعية الأزلية كما هو الحال في جميع الاستلزامات العقلية.

بيان صاحب الكفاية!

إنّه! قد صرّح بذلك فقال: «لا شبهة في وجوب العمل على وفق القطع عقلاً و لزوم الحركة على طبقه جزماً و كونه موجباً لتنجّز التكليف الفعلي في ما أصاب باستحقاق الذّمّ و العقاب على مخالفته و عذراً فيما أخطأ قصوراً؛ و تأثيره في ذلك لازم و صريح الوجدان به شاهد و حاكم… .

و لايخفى أنّ ذلك لايكون بجعل جاعل لعدم جعل تأليفي حقيقة بين الشيء و لوازمه بل عرضاً بتبع جعله بسيطاً.»([41])

و قد يستفاد هذا ممّا أفاده المحقّقون من أنّ القطع بالحكم عين وصوله حيث إنّ التنجّز ليس إلّا بمعنى وصول الحكم.

فلازم مبنى المحقّق الإصفهاني! أيضاً ذلك، و لكنّه أنكر كونه من الآثار القهرية و اللّوازم الذاتية، و سيجيء التحقيق حول ما أفاده!.

و تحصّل من ذلك: أنّ الحقّ هو أنّ التنجّز من اللّوازم الذاتيه للقطع (أو هو ذاتي له) و إذا تبيّن ذلك فنقول:

إنّ وجوب متابعة القطع أيضاً يرجع إلى لزوم متابعة الواقع لأنّ القاطع يرى أنّ ما قطع به هو الواقع الخارجي و لذلك يعتقد بوصوله إلى الواقع و العقل يدرك الواقع بقطعه به، و لكن شأن العقل إدراك الواقعيات فقط لا الحكم المولوي، فالمراد من وجوب متابعة القطع هو إمّا وجوب شرعي و إمّا وجوب عقلائي و معنى ذلك أنّ الحاكم بالوجوب إمّا هو الشارع و إمّا هو العقلاء، و إذا فرضنا عدم حكم الشارع بمتابعة القطع حكماً شرعياً فلابدّ من أن نقول: إنّ الحاكم بوجوب متابعة القطع هم العقلاء.

و أمّا استحقاق العقاب فقبل التحقيق حوله لابدّ من تقديم أمر و هو أنّ العقاب لأحد هذه الأُمور:

الأوّل: لكفّ النفس و ردع الناس عن المعاصي و هذا يتصوّر في العقاب الدنيويّ.

الثاني: للتشفّي و هذا مستحيل في حقّه تعالى و في حقّ أوليائه المقرّبين.

الثالث: لأنّ باطن المعصية هو النّار و العقاب و هذا الباطن يظهر يوم القيامة.

الرابع: لتكميل النفوس لأنّ العقاب يوجب تطهير النفس من تبعة المعاصي.

الخامس: لمناسبة العقاب و القهر لعمل النفس أو صفته.

و أمّا استحقاق العقاب عند مخالفة القطع فلايكون بالنحو الأوّل و الثاني لما تقدّم و لايكون أيضاً بالنحو الثالث لأنّه لازم ذاتي للعمل، و أيضاً لايكون بالنحو الرابع لأنّ العقاب – بناء عليه – هو على وجه الامتنان.

و أمّا استحقاق العقاب على الوجه الخامس فهو أمر يدركه العقل.

فاستحقاق العقاب على مخالفة القطع من الآثار الذاتية و اللّوازم العقلية للقطع بالحكم الشرعي (فظهر بذلك ما في منتقى الأُصول) ([42]).

فتحصّل من ذلك: أنّ التنجّز و استحقاق العقاب على المخالفة من اللّوازم الذاتية العقلية للقطع أمّا وجوب متابعة القطع فلا، بل هو بحكم العقلاء كما سيأتي إن شاء الله تعالى.([43])



القول الثالث: هو أنّها ثابتة ببناء العقلاء

و هو مختار المحقّق الإصفهاني و تبعه العلّامة المظفّر”

بيان المحقّق الإصفهاني!([44])

إنّ استحقاق العقاب مترتّب على مخالفة المولى حيث إنّها هتك لحرمته، فالسبب لاستحقاق العقاب هي مخالفة التكليف إلّا أنّ مخالفة التكليف المجهول لمّا لم‌تكن موجبة لاستحقاق العقاب فللقطع به و انكشافه دخل بنحو الشرطية في تأثير المخالفة في استحقاق العقاب.

و لكن ليعلم أنّ استحقاق العقاب ليس من الآثار القهرية و اللّوازم الذاتية لمخالفة التكليف المعلوم قطعاً، بل من اللّوازم الجعلية من العقلاء، لما سيأتي عن قريب إن شاء الله تعالى.

التنبيه: إمكان الجعل لاستحقاق العقاب عند الشارع و العقلاء

و أمّا استحقاق العقاب على مخالفة القطع عند الشارع أو العقلاء (و هو حسن العقاب على مخالفة القطع بمعنى صحة المدح) فهو قابل للجعل، كما أنّ وجوب متابعة القطع أيضاً قابل للجعل.([45])



فائدة: في الحُسن و القبح العقليين

إنّ قضية «الحسن و القبح» من المسأئل المهمّة التي تضاربت فيها آراء المتكلمين و الأصوليين.([46])

أمّا البحث الكلامي:

فقد افترق المتكلّمون فيها على قولين:

أحدهما: قول الإمامية و المعتزلة و هو أنّ الحسن و القبح ذاتيان للأفعال و العقل مستقلّ بإدراكهما من غير رجوع إلى الشرع.

ثانيهما: قول الأشاعرة و هو أنّ الحسن و القبح شرعيان و لا يستقلّ العقل بإدراكهما دون الأخذ من الشارع.

فالأصوليون الإماميّون في غنىً عن هذا البحث، لاتّفاقهم على القول الأوّل و لأنه خارج عن مسائل علم الأصول فلا داعي لإتعاب النفس فيه.([47])

أمّا البحث الأصولي:

فإنّ أعاظم الأصوليين اختلفوا في مسألة الحسن و القبح العقليين، من جهة أنّ حكم العقل باستحقاق العقاب مندرج في القضايا البرهانية إمّا في الأوليّات و إمّا في الفطريات([48])، أو هو من قبيل القضايا المشهورة، أو أنّه من الصنفين معاً باختلاف الجهة، على ثلاث نظريّات.

و مشهور الأصوليين ذهبوا إلى الأوّل و عارضوا فكرة كونها من القضايا المشهورة، و هذا لأنهم لم يلتفتوا إلى جميع معاني الحسن و القبح.

و القسم الآخر من الأصوليين تبعاً لبعض الحكماء سلكوا الثاني و قالوا بأنّها من القضايا المشهورة التي تطابقت عليها آراء العقلاء لعموم مصالحهم، و مخالفة أمر المولى هتك لحرمته و هو من الظلم القبيح أي ممّا يوجب الذّمّ و العقاب عند العقلاء.

و نحن اخترنا الثالث، فالتزمنا بأنّ الحسن و القبح العقليين من القضايا الضرورية من جهةٍ و من القضايا المشهورة من جهةٍ أُخرى، بعد ملاحظة معاني الحسن و القبح و ما يلزم منها.

مقتضى التحقيق:

قد وقع الخلط هنا في اندراج قضية حسن العدل و قبح الظلم في القضايا الضرورية أو المشهورة من جهة عدم التفريق في البحث عن كلّ من المعاني المذكورة للحسن و القبح.

و سيأتي([49]) أنّ قضية حسن العدل و قبح الظلم بالمعنى الأوّل أعني الكمال و النقص مندرجة في اليقينيات و المُدرِك لها العقل النظري و هي بهذا المعنى من الأمور الواقعية الخارجية و ليست أمراً اعتبارياً و هذا ممّا لا شبهة فيه، و كذا بالمعنى الثاني لهما أي المصلحة و المفسدة العامّتين، فهما أيضاً من اليقينيات.

و المحقّق الإصفهاني! أيضاً لم يخالف ذلك و ما في كلماته من اعتبارية الحسن و القبح و كونهما من القضايا المشهورة، راجع إلى المعنى الرابع و قد صرّح بأنّ سبب الحسن و القبح بالمعنى الرابع هو المصلحة و المفسدة العامّتان.

و أمّا قضية حسن العدل و قبح الظلم بالمعنى الرابع فمندرجة في القضايا المشهورة، و المُدرِك لها العقل العملي.

و بهذا يمكن الجمع بين مباني أكثر الأعلام، حيث إنّ من ذهب إلى أنّهما من اليقينيات يتصوّر كمال العدل و مصلحته و نقص الظلم و مفسدته و ينتقش في صفحة خاطره و يختلج في أعماق ذهنه المعنى الأوّل و المعنى الثاني للحسن و القبح، و لا يلتفت إلى أنّ بحثهم هنا في علم الأصول في المعنى الرابع.

 

التنبيه على أمور

ثمّ إنّ هنا لابدّ من التنبيه على أُمور، لتوضيح المقصود من كلام المحقّق الإصفهاني! و ما اخترناه من النظرية الثالثة:

الأمر الأوّل

إنّ مبادئ الأقيسة ثمانية:

1- اليقينيات 2- المشهورات 3- المقبولات 4- المسلّمات 5- المظنونات 6- الوهميّات 7- المشبهات 8- المخيّلات.

الأوّل: اليقينيات فهي ما يعتقد بها من غير تقليد و أخذ من الغير و لايحتمل نقيضه و تكون مطابقة للواقع، و هي على ستة أقسام: الأوّليّات، الحسيّات، الفطريّات، التجربيّات، المتواترات و الحدسيّات.

الثاني: المشهورات فهي ما اشتهرت عند جميع العقلاء أو طائفة خاصّة منهم، وهي إمّا بالمعنى الأعمّ فتشمل بعض اليقينيّات أيضاً و إمّا بالمعنى الأخصّ فتقابل اليقينيات.

الثالث: المقبولات فهي ما يؤخذ ممّن يوثق به مثل الوحي و كلمات الأنبياء و الأئمة( أو ما يؤخذ من الحكماء و العلماء.

الرابع: المسلّمات فهي ما يتسالم عليها و قد تكون صادقة في الواقع و في نظر المستدلّ بها مثل الأُصول الموضوعة و قد تكون كاذبة في الواقع أو مشكوكة في نظر المستدلّ و يؤخذ بها في مقام إقناع الخصم و المجادلة له.

الخامس: المظنونات فهي ما يظنّ بها و يعتقد بها من غير جزم و يقين مع ترجيح صدقها و إن احتمل عدم مطابقتها للواقع.

السادس: الوهميّات فهي ما لا واقعية لها إلّا الوهم الصرف و قد يبرهن على بطلانها و لكن النفس تتأثّر منها و قد تكون أقوى تأثيراً من البرهانيّات في النفس مثل الخوف من الجثّة الخامدة.

السابع: المشبهات فهي ما يعتقد بها لمشابهتها باليقينيات أو المشهورات في الظاهر لفظاً أو معنىً مع كونها كاذبة، و هي تستعمل في صنعة المغالطة؛ فإنّ مادة المغالطة إمّا هي مشبهات و إمّا وهميّات.

الثامن: المخيّلات فهي ما توجب تأثّر النفس و انفعالها من انبساط و سرور أو انقباض و حزن، و تعظيم لأمر أو تحقير له، شجاعة على أمر أو خوف منه، سواء كانت القضية صادقة أم  كاذبة بل قد يعلم المخاطب كذبها و غلوّها و لكن يتأثر منها و هذه أيضاً تكون مادة لصنعة المغالطة.

الأمر الثاني

إنّ للحسن و القبح معاني مختلفة:

المعنى الأوّل: الكمال و النقص مثل قولهم: العلم حسن و الجهل قبيح و أيضاً الكرم حسن و البخل قبيح.

المعنى الثاني: المصلحة و المفسدة العامّتان مثل قولهم: التودّد بين المؤمنين و ائتلافهم حسن و اختلافهم قبيح، فإنّ المراد من ذلك هو أنّ المصلحة العامّة تقتضي تودّد المؤمنين فيما بينهم و ائتلافهم في مسير الحقّ كما أنّ اختلافهم يوجب المفسدة العامّة.

و إرجاع هذا المعنى إلى ملائمة النفس و منافرتها لا وجه له، لأنّ شرب المسكرات ملائم للنفس و لا مصلحة فيه و قد تكون المصلحة العامّة غير ملائمة للنفس مثل إجراء الحدود فما أفاده المحقّق الإصفهاني! في نهاية الدراية([50]) من «كون كلّ مصلحة ملائمة للشخص» لايمكن المساعدة عليه، و بذلك يظهر وجه المناقشة فيما أفاده تلميذه العلّامة المظفّر! من إرجاع المصلحة و المفسدة إلى الملائمة و المنافرة([51]).

المعنى الثالث: الملائمة للنفس و المنافرة لها مثل قولهم: منظر الأشجار و الأنهار حسن و منظر بعض الحشرات و الحيوانات قبيح أو قولهم: هذا المأكول لذيذ أو مفيد للصحّة فهو حسنٌ و ذلك المأكول كريه أو مضرّ بالبدن فهو قبيح، و هذا المعنى يرجع إلى ذوق النفس و إدراكها أو لذة النفس و ألمها و مصاديق هذا المعنى قد تكون كمالاً للنفس و ملائمة لها مثل التحبّب إلى المؤمنين و قد تكون نقصاً لها و ملائمة لها مثل شرب المسكرات.

و بعضهم لا يعبّر بالملائمة للنفس و المنافرة لها، بل يجعلون مدار الملائمة و المنافرة القوّة العقلية التي هي من قوى النفس و يعتقدون بأنّ الحسن و القبح العقليين يرجعان إلى ملائمة القوة العاقلة و منافرتها([52]).

المعنى الرابع: ما استحقّ فاعله عليه المدح أو الذمّ من العقلاء أو صحّة المدح و صحة الذمّ و بتعبير آخر الحسن ما ينبغي فعله عند العقلاء بمعنى أنّ العقل عند الكلّ يدرك أنّه ينبغي فعله و القبيح ما ينبغي تركه عند العقلاء بمعنى أنّ العقل عند الكلّ يدرك أنّه ينبغي تركه.

تنبيه: إنّ المحقّق الصدر! ذكر هنا معنىً خامساً و هو أنّ الحَسن معناه ما ينبغي أن يقع و القبيح معناه ما لا ينبغي وقوعه، كأمرين واقعيين تكوينيين من دون جاعل، و هذا بتطبيق الحَسن و القبيح على فعل الإنسان نفسه، أمّا إذا أردنا تطبيقهما على فعل الآخرين، فمعنى الحسن و القبيح يرجع إلى المعنى الرابع.

و بهذا الكلام يظهر وجه صلة المعنى الرابع و الخامس و هو الينبغية و اللاينبغية([53]).

و هنا صلة أخرى بين المعنى الثاني و الخامس بحيث قد يوهم وحدة المعنيين، لأنّ كلّ ما فيه المصلحة العامّة ينبغي وقوعه و ما فيه المفسدة العامّة لا ينبغي وقوعه.

و لكن المعنيين متفاوتان، فإنّ ما ينبغي وقوعه أعمّ ممّا فيه المصلحة العامّة و هكذا ما لا ينبغي وقوعه أعمّ ممّا فيه المفسدة العامّة، فقد يكون فعلاً غير ملائم للنفس بحيث لا ينبغي فعله مع عدم مفسدة عامّة فيه.

الأمر الثالث

إنّ الحسن بالمعنى الأوّل و أيضاً بالمعنى الثاني لهما واقعية خارجية، فإنّ الكمال و النقص أمران واقعيان كما أنّ المصلحة العامّة و المفسدة العامّة أيضاً لهما واقعية خارجية.

و أمّا الملائمة للنفس و المنافرة لها فلا واقعية لهما كما أفاده العلّامة المظفّر! حيث قال: بأنّ الملائمة و المنافرة ليست لهما واقعية خارجية و أرجع المصلحة العامّة و المفسدة العامّة إليهما.

إنّ العلّامة المظفّر! قال:([54]) إنّ الحسن بمعنى الملائم ليس صفة واقعية للأشياء كالكمال و ليس واقعية هذه الصفة إلّا إدراك الإنسان و ذوقه، فلو لم‌يوجد إنسان يتذوّق و لا من يشبهه في ذوقه لم‌تكن للأشياء في حدّ أنفسها حسن بمعنى الملائمة، و إذا اختلفت الأذواق في شيء كان حسناً عند قوم قبيحاً عند آخرين ثمّ قال: إنّ نفس اللّذة و الألم أيضاً أمران واقعيان و لكن ليسا الحسن و القبح اللّذان هما من صفات الأشياء و اللّذة والألم من صفات النفس المدركة للحسن و القبح.

فبالنتيجة للإدراك و الذوق مثل اللّذة و الألم واقعية خارجية و لكن الحسن ليس بمعنى الإدراك و الذوق و لا بمعنى اللّذة و الألم بل الحسن صفة للمدرَك و المذوق الذي يوجب اللّذة أو الألم و هذه الصفة أمر اعتباري انتزاعي و منشأ انتزاعه هو الإدراك و الذوق و اللّذة و الألم و جميع تلك الأُمور الواقعية قائمة بالنفس و ينتزع باعتبارها صفة الحسن أو القبح للشيء.

أمّا الحسن بالمعنى الرابع أيضاً فلا واقعية له، بل هو عنوان انتزاعي و منشأ انتزاعه إدراك العقلاء أنّ هذا الفعل ممّا ينبغي فعله و هذا الإدراك و إن كان أمراً واقعياً و لكن الحسن صفة تنتزع عن هذا الإدراك و يطلق على الفعل الذي ينبغي أن يفعل.

فتحصّل إلى هنا:

أنّ الحسن بالمعنى الأوّل و الثاني واقعيّ خارجي و الحسن بالمعنى الثالث و الرابع اعتباري انتزاعي.([55])

الأمر الرابع

و هذا الأمر من أهمّ النكات التي لابدّ أن يلتفت إليه الباحث، حتّى لا يقع في الخلط، فإنّه إذا قلنا: «العدل حَسنٌ» و أردنا المعنى الأوّل أو الثاني، تكون القضية من اليقينيّات و صنّفها البعض من الأوّليات و عبّر عنها البعض الآخر بالفطريّات، و المدرِك لها العقل النظري، و كثيراً ما يقع للبعض الخلط هنا، فما نقول من أنّ هذه القضية من القضايا المشهورة لا نريد حسن العدل و قبح الظلم بهذين المعنيين.

و إنّما النزاع بين الأصوليين في المعنى الرابع للحسن و القبح، و لذا نقول: إنّ الحسن و القبح بالمعنى الرابع و هو استحقاق الفاعل المدح لايتحقّق من دون سبب و سبب ذلك قد يكون الحسن بالمعنى الأوّل أو الثاني أي الكمال و النقص أو المصلحة و المفسدة العامّتين و قد يكون سببه الحسن بالمعنى الثالث، أي الملائمة للنفس و لكن ذلك في ما إذا لم‌يكن الأمر الملائم للنفس ذا مفسدة و نقص و إلّا لم‌يحكم العقلاء – بما هم عقلاء – باستحقاق فاعله للمدح.([56])

و لذلك صرّح العلامة المظفّر! و قال بوجود خمسة أسباب لذلك، فلابدّ أن نشير إليها:

السبب الأوّل: الكمال للنفس أو النقص لها

إنّ العقل النظري يدرك أنّ هذا الشيء كمال للنفس فيدرك حسنه أو نقص لها فيدرك قبحه، و هذا الكمال و النقص أمران واقعيان خارجيان.([57])

السبب الثاني: الملائمة للنفس أو عدمها

إنّ النفس تدرك ملائمة الشيء لها أو عدم ملائمته لها، إمّا من جهة شؤون نفسها أو من جهة المنافع العامّة و الخاصّة التي تتوجّه إليها.([58])

السبب الثالث: الخلق الإنساني

ثمّ إنّه ذكر السبب الثالث و هو الخُلق الإنساني الموجود في كل إنسان على اختلافهم في أنواعه نحو الكرم و الشجاعة و قال: حكم العقل بالحسن بمعنى أنّه ممّا ينبغي فعله عند العقلاء لايكون من جهة المصلحة العامة أو المفسدة العامّة و لا من جهة الكمال للنفس أو النقص بل بدافع الخلق الموجود.([59])

يلاحظ عليه

إنّ العقلاء – بما هم عقلاء – لايمدحون فعلاً لوجود الصفة الحاصلة من تكرّر هذا الفعل في أنفسهم، بل لابدّ و أن تكون تلك الصفة كمالاً و صلاحاً و أمّا إذا كانت الخلق و الصفات المذكورة نقصاً و فساداً (مثل البخل) فلايمدحون فاعلها، بل يذمّونه، فهذا الوجه يرجع إلى الوجهين الأوّلين (الكمال و النقص و المصلحة و المفسدة العامّتين).

السبب الرابع: الانفعال النفساني

قال العلامة المظفّر!: و من أسباب الحكم بالحسن و القبح «الانفعال النفساني» نحو الرقّة و الرحمة و الشفقة و الحياء و الأنفة و الحميّة و الغيرة … إلى غير ذلك من انفعالات النفس الّتي لا يخلو منها إنسان غالباً.

فنرى الجمهور يحكم بقبح تعذيب الحيوان اتّباعاً لما في الغريزة من الرقّة و العطف، و الجمهور يمدح من يعين الضعفاء و المرضى و يعني برعاية الأيتام و المجانين بل الحيوانات، لأنّه مقتضى الرحمة و الشفقة. ويحكم بقبح كشف العورة و الكلام البذي‏ء، لأنّه مقتضى الحياء، و يمدح المُدافع عن الأهل و العشيرة و الوطن و الأمّة، لأنّه مقتضى الغيرة و الحميّة … إلى غير ذلك من أمثال هذه الأحكام العامّة بين الناس.

و لكن هذا الحسن و القبح لا يعدّان حسناً و قبحاً عقليين، بل ينبغي أن يُسمّيا عاطفيين أو انفعاليين. و تُسمّى القضايا هذه عند المنطقيين بـ «الانفعاليّات». و لأجل هذا لا يدخل هذا الحسن و القبح في محلّ النزاع مع الأشاعرة، و لا نقول نحن بلزوم متابعة الشرع للجمهور في هذه‏ الأحكام، لأنّه ليس للشارع هذه الانفعالات، بل يستحيل وجودها فيه، لأنّها من صفات الممكن. و إنّما نحن نقول بملازمة حكم الشارع لحكم العقل بالحسن و القبح في الآراء المحمودة و التأديبات الصلاحية- على ما سيأتي- فباعتبار أنّ الشارع من العقلاء بل رئيسهم، بل خالق العقل، فلابدّ أن يحكم بحكمهم بما هم عقلاء و لكن لا يجب أن يحكم بحكمهم بما هم عاطفيون. و لا نقول: إنّ الشارع يتابع الناس في أحكامهم متابعة مطلقة.

السبب الخامس: العادة

قال العلامة المظفّر!: و من الأسباب «العادة عند الناس» كاعتيادهم احترام القادم- مثلًا- بالقيام له، و احترام الضيف بالطعام، فيحكمون لأجل ذلك بحسن القيام للقادم و إطعام الضيف.

و العادات العامّة كثيرة و متنوّعة، فقد تكون العادة تختصّ بأهل بلد أو قُطر أو أمّة، و قد تعمّ جميع الناس في جميع العصور أو في عصر، فتختلف لأجل ذلك القضايا الّتي يحكم بها بحسب العادة، فتكون مشهورة عند القوم الّذين لهم تلك العادة دون غيرهم.

و كما يمدح الناس المحافظين على العادات العامّة يذمّون المستهينين بها، سواء كانت العادة حسنة من ناحية عقلية أو عاطفية أو شرعية، أو سيّئة قبيحة من إحدى هذه النواحي؛ فتراهم يذمّون من يرسل لحيته إذا اعتادوا حلقها و يذمّون الحليق إذا اعتادوا إرسالها و تراهم يذمّون من يلبس غير المألوف عندهم لمجرّد أنّهم لم يعتادوا لبسه، بل ربما يسخرون به أو يعدّونه مارقاً.

و هذا الحسن و القبح أيضاً ليسا عقليين، بل ينبغي أن يسمّيا «عاديين» لأنّ منشأهما العادة، و تُسمّى القضايا فيهما في عرف المناطقة «العاديّات».

و لذا لا يدخل أيضاً هذا الحسن و القبح في محلّ النزاع، و لا نقول نحن أيضاً بلزوم متابعة الشارع للناس في أحكامهم هذه، لأنّهم لم يحكموا فيها بما هم عقلاء بل بما هم معتادون، أي بدافع العادة.

نعم، بعض العادات قد تكون موضوعاً لحكم الشارع، مثل حكمه بحرمة لباس الشهرة  أي اللّباس غير المعتاد لبسه عند الناس، و لكن هذا الحكم لا لأجل المتابعة لحكم الناس، بل لأنّ مخالفة الناس في زيّهم على وجه يثير فيهم السخرية و الاشمئزاز فيه مفسدة موجبة لحرمة هذا اللّباس شرعاً. و هذا شي‏ء آخر غير ما نحن فيه. ([60])

الأمر الخامس

إنّ استحقاق العقاب على مخالفة حكم الشارع على قسمين:

أحدهما: الاستحقاق التكويني و قد تكلّمنا حوله و قلنا: إنّه من اللّوازم الذاتية و الآثار القهرية لمخالفة حكم الشارع.

ثانيهما: الاستحقاق التشريعي و العقلائي و هو المراد من قولهم: حسن العقاب على من خالف الحكم الشرعي، و المعنى الرابع للحسن و القبح يشير إلى هذا القسم.

و بعد أن اتّضحت تلك الأُمور الخمسة نقول:

 

الأقوال في كون قضية الحسن و القبح من أي قضايا

هنا نظريات نشير إليها:

النظرية الأولى: مشهور الأصوليين

ذهب المشهور إلى أن قضية حسن العدل و قبح الظلم من القضايا اليقينية كقضية الكلّ أعظم من الجزء لأنّ تصوّر الطرفين فيها كافٍ في ثبوت الحكم.

ملاحظتنا على النظرية الأولى

إن هذه النظرية مبتنية على ما هو مسلّم عند الكلّ من كون قضية حسن العدل و قبح الظلم بمعنى كمال النفس من الأمور الخارجية التكوينية و المدرِك لها العقل النظري فتكون من اليقينيات لأنها المدرَكة به و لها واقع خارجي لا القضية بمعنى استحقاق المدح و الذمّ التي هي محلّ النزاع فإنّها لا واقعية خارجية لها و المدرِك لها العقل العملي.

 

النظرية الثانية: المحقّق الإصفهاني! و من تبعه و بعض الحكماء

استدلّ المحقّق الإصفهاني! على عدم كون حسن العدل و قبح الظلم بالمعنى الرابع من القضايا اليقينية بأنّ اليقينيات منحصرة في الضروريات الستّ و قضية حسن العدل و قبح الظلم غير مندرجة تحت تلك الأقسام.

توضيح ذلك ببيان المحقّق الإصفهاني!:([61])

إنّ القضايا اليقينية الضرورية على ستة أقسام: الأوّليات، الحسيات، الفطريات، التجربيات، المتواترات و الحدسيات.

أمّا الأوّليات: فهي ما يتوقّف الحكم بثبوت النسبة فيها على تصوّر الطرفين ككون الكلّ أعظم من الجزء و كون النفي و الإثبات لايجتمعان.

و أمّا الحسيات: فهي على قسمين: المشاهدات و الوجدانيات.

فإنّ الحسيات إن كانت بالحواسّ الظاهرة تسمّى بالمشاهدات مثل هذا الجسم أبيض أو هذا الشيء حلو أو مُرّ، و إن كانت بالحواسّ الباطنة تسمّى بالوجدانيات و هي الأُمور الحاضرة بنفسها للنفس كحكمنا بأنّ لنا علماً و شوقاً و شجاعة.

و أمّا الفطريّات: فهي القضايا التي قياساتها معها ككون الأربعة زوجاً لأنّها منقسمة بالمتساويين و كلّ منقسم بالمتساويين زوج.

و أمّا التجربيات: فهي القضايا التي تحصّل بتكرّر المشاهدة، كحكمنا بأنّ سقمونيا مسهّل.

و أمّا المتواترات: فهي القضايا التي نقلها جماعة من الناس يمتنع تواطؤ تلك الجماعة على الكذب عادة، كحكمنا بوجود مكة لإخبار تلك الجماعة الكثيرة الراجعة منها و الواصفون لها.

و أمّا الحدسيات: فهي القضايا التي مبدؤها الحدس الصائب بحيث يوجب اليقين كحكمنا بأنّ نور القمر مستفاد من الشمس للتشكلات البدرية و الهلالية.

و بعضهم ألحق الحدسيات بالمجربات، لأنّ العلم بالسبب في القضايا المجربات يوجب الحكم بالقضية، و الحدسيات أيضاً كذلك، لأنّ العلم بوجود السبب يوجب الحكم بالقضية الحدسية، و لكن الحقّ هو التفريق بينهما لأنّ المجرّبات تختلف عن الحدسيات من وجهين:

الوجه الأوّل: هو أنّ العلم بوجود السبب يحصل في المجرّبات بتكرّر المشاهدة، و لكن منشأ العلم به في الحدسيات هو الحدس القوي الصائب.

الوجه الثاني: هو أنّ السبب في القضايا المجرّبات معلوم الوجود غير معلوم الماهية بخلاف الحدسيات فإنّ السبب فيها معلوم بوجوده و ماهيته.

ثم قال !([62]): إنَّ استحقاق المدح و الذمّ بالإضافة إلى العدل و الظلم ليس من الأوّليات بحيث يكفي تصوّر الطرفين في الحكم بثبوت النسبة، كيف و قد وقع النزاع فيه بين العقلاء، و كذا ليس من الحسّيات بمعنييها كما هو واضح، لعدم كون الاستحقاق مشاهداً و ليس بنفسه من الكيفيات الحاضرة بنفسها للنفس.

و كذا ليس من الفطريات، إذ ليس لازمها قياساً يدلّ على ثبوت النسبة.

و أمّا عدم كونه من التجربيات و المتواترات و الحدسيات ففي غاية الوضوح.

فثبت أنّ أمثال هذه القضايا غير داخلة في القضايا البرهانية بل من القضايا المشهورة.

ملاحظتنا على كلام المحقّق الإصفهاني!

إنّ مقتضى التحقيق هو أنَّ لقضية «العدل حسنٌ و الظلم قبيح» معاني أربعة، و المحقّق الإصفهاني! لا ينكر ضرورية هذه القضية بالمعنى الأوّل و الثاني، بل يرى عدم النزاع في المعنيين الأوّلين بل النزاع هنا في المعنى الرابع، و مناقشتنا في نظريته تتوجّه إليه بالنسبة إلى ما أفاده في المعنى الرابع، فإنّ هذه القضية بالمعنى الرابع ذو جهتين: فبالجهة الأولى من القضايا الضرورية اليقينية؛ و هي إمّا داخلة في القضايا الأوليّة، و إمّا من القضايا الفطرية التي قياساتها معها، و بالجهة الثانية هي أيضاً داخلة في القضايا المشهورة.

توضيح ذلك:

هو أنّ العدل حسنٌ بمعنى أنّه كمال للنفس و أيضاً حسنٌ بمعنى أنَّ رعاية العدل توجب وجود مصلحة عامّة لجميع الناس فحسن العدل بهذين المعنيين أمر تكويني خارجي لا اعتباري. نعم العدل قد يلائم النفس و قد ينافرها، و هذا يختلف بحسب الموارد فإنّ العدل قد يكون في الضرب تأديبا أو القطع عقابا و هو ينافر النفس حينئذ.

و أمَّا حُسن العدل بمعنى صحّة المدح فهو معنى اعتباري للحسن و لكن ليس اعتبارياً محضاً، بل هو اعتباري انتزاعي و له سبب و منشأ للانتزاع، وليس ذلك إلّا حسن العدل بالمعنى الأوّل (الكمال و النقص) و بالمعنى الثاني (المصلحة العامّة و المفسدة العامّة)، فإذا كان السبب و العلة من القضايا الضرورية، فلابدّ أن يكون مسبّبه و معلوله أيضاً من القضايا الضرورية.

و هذا هو السرّ في اندراجها في القضايا الضرورية (الأولية أو الفطرية) و في القضايا المشهورة؛ فإنّ قضية حسن العدل و قبح الظلم بمعنى صحّة المدح و الذمّ عليه من القضايا المشهورة و لكنّها من جهة  كون منشأها هو الكمال و النقص أو المصلحة و المفسدة العامّتان تكون من القضايا اليقينية، و من هذا المنطلق نختلف مع المحقّق الإصفهاني! حيث عدّها من المشهورات فقط.

و إن كان المحقّق الإصفهاني! لا يرى مانعاً عقلا من دخول قضية واحدة في اليقينيات و في المشهورات من جهتين، و لكن يعتقد هنا بأنّ قضية حسن العدل و قبح الظلم بالمعنى الرابع ليست من هذا القبيل، و يقول:

«و أمّا دخول القضية الواحدة في الضروريات و المشهورات، فهو صحيح، لكنه لا في مثل ما نحن فيه.

بل مثاله كالأوّليات التي يحكم بها العقل النظري، و يعترف بها الجميع، فمن حيث الأولية يقينية برهانية، و من حيث عموم الاعتراف بها مشهورة بالمعنى الأعمّ.

قال الشيخ الرئيس في الإشارات‏([63]): فأمّا المشهورات: فمنها أيضا هذه الأوليات و نحوها مما يجب قبولها لا من حيث إنه يجب قبولها بل من حيث عموم الاعتراف بها.»([64])

و قد صرّح بعض الحكماء أيضاً بإمكان أن تكون قضية واحدة ضرورية من جهة و مشهورة من جهة أُخرى و قضية حسن العدل من هذا القبيل فإنّها ضرورية من جهة و مشهورة أيضاً من جهة أُخرى.([65])

فتحصّل إلى هنا: أنّ ما أفاده المحقّق الإصفهاني! من أنّ قضية حسن العدل بالمعنى الأوّل و الثاني لها واقعية خارجية، و بالمعنى الرابع (أي صحّة المدح) أمر اعتباري انتزاعي تامّ، و ما أفاده من اندراج تلك القضية بالمعنى الرابع في القضايا المشهورة أيضاً تامّ، و لكن ما قال من أنّ تلك القضية خارجة عن اليقينيات و القضايا الضرورية فلايمكن المساعدة عليه.

إيرادات أربعة من بعض الأساطين> على المحقّق الأصفهاني!([66])

الإيراد الأوّل

كون حسن العدل و قبح الظلم ممّا اتفقت عليه العقلاء، فلابدّ أن نلاحظ المنشأ لذلك الحسن‏ و القبح، و قد ذكر أنّه المصلحة و المفسدة لحفظ النظام، فإذن موضوع الحسن و القبح هو حفظ النظام و اختلاله، مع أنّ المفروض هو العدل و الظلم.

ملاحظتنا على الإيراد الأوّل

لابدّ لنا من التفريق بين الموضوع و منشأ الحكم فإنّ موضوع العدل قد يحكم عليه بثلاثة أحكام فتتشكل ثلاث قضايا:

القضية الأولى: العدل حسن بمعنى أنّه كمال للنفس.

القضية الثانية: أنّ العدل حسن بمعنى أنّه مصلحة عامّة و هي مصلحة خارجية تكوينية.

القضية الثالثة: أنّ العدل حسن بمعنى أنّه اتفقت عليه آراء العقلاء.

و هذه القضية الثالثة تفترق عن الأوليين في الحكم حيث إنّ الحسن فيهما  من الحقائق التكوينية الخارجية، و في الثالثة من الآراء المحمودة عند العقلاء و هي حقيقة اعتبارية و منشأها قد يكون الحكم في القضيتين الأوليين، و قد يكون حكم العقلاء بالحسن الاعتباري الذي هو استحقاق المدح و لا يكون هذا اعتبارياً محضاً كأنياب أغوال بل أمر اعتباري يرجع إلى حقيقة خارجية و هي المصلحة العامة كما أنّ هذه المصلحة العامة أيضا ترجع إلى حقيقة خارجية و هي كمال النفس الذي هو المعنى الأوّل للحسن كما ذكرناه في القضية الأولى.

فعلى هذا لابدّ من أنّ نفرّق بين الموضوع و منشأ الحكم حتّى يتّضح المراد من كلام المحقّق الإصفهاني!.

الإيراد الثاني

القول بأنّ قضية حسن العدل و قبح الظلم قضية عقلائية يوجب لغوية كثير من مباحث أصول الدين، لأنّها تثبت بالحسن و القبح العقليين فلا ملزم للبحث عنها.

ملاحظتنا على الإيراد الثاني

بعد ما قلنا من أنَّ الحسن بالمعنى الرابع أي ما استحقّ فاعله المدح من العقلاء ليس اعتبارياً محضاً بل يرجع منشأه إلى الحسن بالمعنى الأوّل و الثاني اللذين هما حقيقتان تكوينيتان خارجيتان فعدم الفحص و البحث عن أصول الدين ينتفي بل على هذا الأساس يجب ذلك لأنه كمال للنفس.

الإيراد الثالث

أنّ القول بأنّها من المشهورات يستلزم القول بعدم قبح الظلم فيما كان موجباً للمفسدة الشخصية و عدم حسن عدل إن كان موجباً للمصلحة الشخصية مع أنّ كثيراً من الاحكام الشرعية ذات طابع شخصي و لها مصلحة شخصية لا نوعية و الحال تاركها مستحق للعقاب.

ملاحظتنا على الإيراد الثالث

إنّ رعاية المصالح الشخصية قد ترجع إلى مراعاة المصالح النوعية كما أن الاقتحام في المفاسد الشخصية قد يوجب نقض القوانين الكلية فينجرّ إلى المفاسد النوعية و لذلك أن الشارع في قوانينه الكلية حرّم المفاسد الشخصية لأنّها نقض للمصالح الكلية و اقتحام في المفاسد النوعية فنقض الجزئيات حينئذٍ يوجب إخلال النظام.

فإنّ فعل ما يضادّ الأعمال الصالحة و الصفات الأخلاقية الحسنة – و إن كانت بمعنى كمال النفس – بل مجرّد تركها موجب لظهور الصور الباطنية أو لظهور النار التي هي باطن بعض الأعمال القبيحة في الآخرة و هذا هو عين العقاب؛ و لكن هذا غير استحقاق العقاب الذي هو حكم عقلائي و هو يترتب عليه بما أنّه نقض للمصالح النوعية فإنّ رعاية قوانين المرور مثلاّ ذات مصلحة نوعية و عدم رعايتها و وقوع حادث و إن كان يعدّ أمراً شخصياً و لكنّه نقض للقوانين العامّة، و لذلك يلزم العقلاء المتخلّف بدفع غرامة، و هكذا لزوم التودّد بين الناس من المصالح النوعية فإذا تنازع أحد مع صديقه فهذا نقض للقوانين العامة و لذلك يستحق الذم و العقاب.

الإيراد الرابع

أنّ العقل يدرك حسن العدل و قبح الظلم حتّى مع فقد العقلاء و أو فقد حكمهم بذلك و هذا ممكن عقلاً، فإن كان التحسين و التقبيح عقلائيين لَانتفى حسن العدل و قبح الظلم مع فقدان العقلاء و أو حكمهم.

ملاحظتنا على الإيراد الرابع

لا أعلم كيف يمكن أن يكون حسن أو قبح مع فقد العقلاء إلا من جهة الخلط بين المعنى الأوّل و الثاني للحسن مع المعنى الرابع الذي هو محل النزاع.

 

تنبيه مهمّ: في توجيه اعتبارية قضية الحسن و القبح

لابدّ لنا لتوضيح الأمر من أن نأتي بنظيرٍ لهذه المسألة، و هي إنّ الأحكام الشرعية أمور اعتبارية، عند جميع المحقّقين، مع أنّا لا نرى أحداً يشكل عليهم بأنّ لازم ذلك فساد الشريعة و كونها اعتبارياً.

و الوجه لذلك هو أنّهم يعتقدون بوجود المنشأ الحقيقي و الخارجي لهذه الأحكام الاعتبارية، و لذلك لا يشكلون هنا بلزوم اعتبارية الشريعة.

مع الأسف نرى بعضهم يهاجمون المحقّق الإصفهاني! و ينسبون إليه ما لا يليق بأصاغر الطلاب فضلاً عن الأعاظم، و يسندون إليه القول باعتبارية الأخلاقيات، مع أنّ هذا التفسير الغلط لكلام المحقّق الإصفهاني! ممّا لا يرضى به صاحبه، و في الحقيقة أنّه نابع عن عدم فهم مغزى كلامه!.

فلابدّ من النقض عليهم بعين ما قالوا في مسألة اعتبارية الأحكام، فكما أنّ ذلك لا يستلزم اعتبارية الشريعة -لأنّ الأحكام الاعتبارية مأخوذة من المصالح و المفاسد الحقيقية-؛ فهكذا هنا لا يستلزم اعتبارية الأخلاقيات، لأنّ الحسن و القبح هنا مأخوذ من السبب الخارجي و هو المصلحة و المفسدة الخارجيتان.

و على هذا فهؤلاء الأعلام الذين هاجموا المحقّق الإصفهاني! لو التفتوا إلى مبناهم من اعتبارية الأحكام من دون لزوم اعتبارية الشريعة، لَما أوردوا على المحقّق الإصفهاني! بما سمعت.

إيراد المحقّق الصدر! على المحقّق الإصفهاني!

إنّ انحصار الضروريات في هذه الأمور الستّة ليس داخلا في هذه الأمور، إذ ليس هو أوليا لعدم كفاية تصور طرفيه مع تصور النسبة للجزم به، و لا فطريا لعدم كون قياسه معه، و لا متواترا لعدم إخبار جماعة كثيرة به عن حس، و لا من المحسوسات، أو التجربيات أو الحدسيات كما هو واضح.

و إنّما هو حكم استقرائي، و هذا الاستقراء موقوف على تسليم عدم كون باب حسن العدل و قبح الظلم مثلا من الضروريات العقلية، إذن فلا يمكن الاستدلال على عدم ضرورية الحسن و القبح بعدم دخولها في الضروريات الست، فإنّ هذا البرهان دوريّ.([67])

إيراد السيد الكاظم الحائري على المحقّق الصدر!

بإمكان المحقّق الأصفهاني (رحمه الله) أن يقول: إنّ ضروريّة القضية إمّا أن تكون بمعنى كفاية تصور أطرافها للتصديق بها، أو بمعنى وضوح برهانها بحيث تعتبر القضية قياسها معها، و الحسيات و التجربيات و المتواترات و الحدسيات كلها راجعة إلى ما يكون‏ قياسه معه، و القياس المتدخل في هذه الأمور هو ما يعتقدون به من قانون أنّ الصدفة لا تكون أكثرية، و بما أنّ حسن الشي‏ء أو قبحه ليس من الأمور التي يكفي تصور أطرافها للتصديق بها و لا نمتلك قياسا حاضرا معه، فلا محالة نحتاج إلى برهان خارجيّ عليه.

فإن لم يكن في المقام برهان من هذا القبيل فلا محالة نذهب إلى القول بأنّ الحسن و القبح من القضايا المشهورة لا اليقينية، فإن كان هذا هو واقع مقصود المحقّق الأصفهاني (رحمه اللّه) لم يرد عليه الإشكال بكون حصر الضرورية في الأمور الستة ليس من الأمور الستة. ([68])

و نتيجه تلك الأبحاث هو: أنّ حجّية القطع بمعنى طريقيته و حجّيته بمعنى تنجّزه غير قابلتين للجعل، كما أنّ استحقاق العقاب على مخالفة القطع في ما إذا كان تكوينياً غير قابل للجعل.([69])

النظرية الثالثة: أنّها من اليقينيات و المشهورات من جهتين (المختار)

إنّ قضية حسن العدل و قبح الظلم بالمعنى المنازع فيه – أعني استحقاق المدح و الذمّ – من القضايا اليقينية من جهة و من القضايا المشهورة من جهة أخرى.

ذهب الحكيم السبزواري! إلى إمكان ذلك – و مرّ أيضاً القول بإمكانه من المحقّق الإصفهاني! – و قال: إنّ ضرورة هذه الأحكام بمرتبة لا تقبل الإنكار بل الحكم ببداهتها أيضاً بديهي. غاية الأمر أنّ هذه الأحكام من العقل النظري بإعانة العقل العملي بناء على أن فيها مصالح العامّة و مفاسدها و جعل الحكماء ايّاها من المقبولات العامّة ليس للغرض منه إلا لتمثيل للمصلحة أو المفسدة العامّتين المعتبر فيه قبول عموم الناس لا طائفة مخصوص، وهذا غير منافٍ لبداهتها إذ القضية الواحدة يمكن أن تدخل في اليقينيات والمقبولات من جهتين فيمكن اعتبارها في البرهان والجدل باعتبارين([70]).

مناقشة المحقّق الإصفهاني! على الحكيم السبزواري!

من الغريب ما عن الحكيم السبزواري! في شرح الأسماء من دخول هذه القضايا في الضروريات‏، و أنّها بديهية، و أن الحكم ببداهتها أيضا بديهي، و أنّ جعل الحكماء إيّاها من المقبولات العامّة التي هي مادّة الجدل لا ينافي ذلك، لأنّ الغرض منه التمثيل للمصلحة أو المفسدة العامّتين المعتبر فيه قبول عموم الناس لا طائفة مخصوصين، و هذا غير مناف لبداهتها، إذ القضيّة الواحدة يمكن دخولها في اليقينيّات و المقبولات من جهتين، فيمكن اعتبارها في البرهان و الجدل باعتبارين بهذه الأحكام من العقل النظري بإعانة من العقل العملي كما لا يضرّ إعانة الحس في حكم العقل النظري ببداهة المحسوسات.

هذا و قد سبقه إلى كل ذلك بعينه المحقّق اللاهجي! في بعض رسائله الفارسية.

لكنك قد عرفت صراحة كلام الشيخ الرئيس‏ و المحقّق الطوسي و العلّامة قطب الدّين صاحب المحاكمات في خلاف ما ذكره، و أنه ليس الغرض مجرد التمثيل.([71])

ملاحظتنا على إيراد المحقّق الإصفهاني!

قد تقدّم استدلالنا على عدّ القضيتين في الضروريات و المشهورات بجهتين، لأنّ المشهورات في ما إذا وجدنا لها السبب و كان سببها من اليقينيات و الضروريات، فلابدّ أن تدخل في اليقينيات أيضاً بهذه الجهة.


[1]. في تهذيب الأصول، ج‏2، ص289: «إعلم أنّ البحث عن أحكام القطع ليس كلامياً، بل بحث أصولي، لأنّ الملاك في كون الشي‏ء مسألة أصولية هو كونها موجبة لإثبات الحكم الشرعي الفرعي، بحيث يصير حجّة عليه، و لايلزم أن يقع وسطاً للإثبات بعنوانه، بل يكفي كونه موجباً لاستنباط الحكم، كسائر الأمارات العقلائية و الشرعية.»

[2]. قائله الشيخ المحقق البهجة! فقال في مباحث الأصول، ج‏3، ص7: «لايخفى أن مسألة حجّية القطع- بمعنى المنجزية عند الإصابة و المعذرية عند الخطاء، أو صحّة الاحتجاج به من الطرفين: المولى و العبد- ليست نظرية، فلايبحث عنها في شي‏ءٍ من العلوم و مباديها.

و أما خصوصياتها- كعدم الفرق بين التفصيلي و الإجمالي، و لزوم رعاية الثاني في طرفي الموافقة و المخالفة القطعيتين، و أنّ التجرّي كالمعصية في الأحكام، و ما لأقسامه من الطريقي و الموضوعي، و اختلافهما بقيام الأمارة مقامه و عدمه- فهي نظرية لا بأس بجعلها من مسائل الأصول، لتوقف إقامة الحجّة على الحكم الشرعي الفقهي على هذه المسائل، بعد تسلّم المبدئية التصديقية للحكم الشرعي.»

و في ص9: «و منه تعرف ما في المنع عن كون مبحث القطع عن مسائل الفنّ، فإنّه غير مسلّم الإطّراد، كما أنّ شباهته لمسائل الكلام في كونها عقليةً غيرُ مجديةٍ بعد عدم كونها من الاعتقاديات الداخلية في مسائل الكلام و إنّما يتشخص العلم في الأصول بهذا الجامع المذكور بسبب الغرض، لاشتراك المسائل الداخلة تحت هذا العنوان بهذا الدخول المختلف في التمكن بسببها من الاستنباط للحكم الشرعي، و هى- أعني السببية- مستفادةٌ من تعريفهم له بالتمهيد للاستنباط كما لايخفى، فهذا- أعني التمهيد للاستنباط- كما يطّرد العلوم الممهدة لا لخصوص الاستنباط، ينقح الجامع بين المسائل الأصولية الدخيلة في خصوص الاستنباط».

[3]. في منتهى الدراية، ج‏4، ص7: في التعليقة على قوله: «و كان أشبه بمسائل الكلام»: «التعبير بالأشبه لايخلو من المسامحة بعد وضوح تعدد جهات البحث في القطع الموجب لكونه مسألة كلامية تارة و أصولية أخرى، و عليه فالأولى أن يقال: إنّ مسألة القطع و إن كانت من جهةٍ كلاميةً لكن لمّا كان فيها جهة أصولية أيضاً صحّ إدراجها في علم الأصول، و ما في حاشية بعض المدقّقين# من بيان وجه الأشبهية بقوله: حيث أنّ مرجع البحث إلى حسن معاقبة الشارع على مخالفة المقطوع به صحّت دعوى أنّها أشبه بمسائل الكلام غيرُ ظاهرٍ، حيث أنّ ما أفاده! بيانٌ لوجه كونه من نفس المسائل الكلامية، لا لأشبهيّته بها، فتدبر.»

.[4] سيأتي بيان قولهما في البيان الأول و الثاني.

[5]. في مصباح الأصول (ط.ق): ج2، ص5 و (ط.ج): ج‏2، ص3: «الأمر الأول: أنّه لاينبغي الشكّ في أنّ مبحث القطع ليس من مسائل علم الأصول، إذ قد عرفت في أول بحث الألفاظ  أنّ المسألة الأصولية هي ما تكون نتيجتها- على تقدير التمامية- موجبة للقطع بالوظيفة الفعلية، و أما القطع بالوظيفة فهو بنفسه نتيجة، لا أنّه موجب لقطع آخر بالوظيفة.»

[6] . قال>: إنّ هذا القول هو لازم مختار المحقّق النائيني و العراقي” في تعريف علم الأصول.

ففي تحقيق الأصول، ج‏5، ص32: «و أما الوجه في أنّه خارج عن المسائل الأصولية، فهو عدم انطباق تعريف‏  علم الأصول عليه، فإنّه … إن كان العلم بالقواعد التي إذا انضمّت إليها صغرياتها انتجت نتيجة فقهية كما قال الميرزا و السيد الخوئي”‏ فالقطع بالحكم لايقع في طريق استنباط الحكم الشرعي، بل هو بنفسه نتيجة.

و إن كان العلم بالقواعد الّتي تقع في طريق تعيين الوظيفة العملية كما قال المحقق العراقي!‏ فكذلك، لأنّ الوظيفة العملية تارة: هي الحكم الواقعي كأن نقول: هذا ما قام عليه خبر الثقة، و كلما قام عليه خبر الثقة فهو واجب واقعاً، فهذا واجب واقعاً، و أخرى: هي الحكم الظاهري، كأن نقول: هذا متيقّن الوجوب سابقاً و مشكوك البقاء لاحقاً، و كلّما كان كذلك فهو واجب ظاهراً. و ثالثة: هي الحكم العقلي، كأن نقول: هذا مما لم‌يقم عليه بيانٌ من المولى، و كلّما كان كذلك فهو مرخّصٌ فيه منه عقلاً، فهذا مرخص فيه عقلاً و البحث عن حجّية القطع و منجزيته للواقع لاينتج شيئاً من ذلك و هذا كلّه في القطع الطريقي واضح.»

قال المحقق الروحاني! في منتقى الأصول، ج‏4، ص31: «الجهة الثانية: في كون المسألة أصولية أو لا و قد أشار الشيخ) إلى عدم كونها أصولية، بما ذكره من عدم صحة إطلاق الحجّة عليه بمعنى الوسط في القياس، فليس ما ذكره مجرد بحث لفظي، بل يشير فيه إلى هذه الجهة … و على كلٍّ فتحقيق الكلام: إنّ الحجّة لها مصطلحات ثلاثة: الأول: ما يحتجّ به المولى على العبد و بالعكس، و بتعبير آخر: ما يكون قاطعاً للعذر و هو المعنى اللغوي لها. الثاني: ما يكون وسطاً في القياس و هو المعنى المنطقي لها. الثالث: ما يقع في قياس الاستنباط، أو كبرى القياس، و هو الاصطلاح الأصولي …

و أمّا عدم كون المسألة أصولية فواضحٌ إن قلنا بأنّ المسألة الأصولية ما تقع نتيجتها في طريق الاستنباط، لما عرفت من أنّ القطع لايقع في قياس الاستنباط لعدم كونه طريقاً لإثبات الحكم بل هو عين معرفة الحكم … و بالجملة نفي الحجّية للقطع بالمعنى المنطقي يلازم نفي أصولية المسألة، و منه يظهر نظر الشيخ في تعرّضه لنفي إطلاق الحجّة عليه، و أنّه ليس مجرد بحث لفظي و بيان لحكم من أحكام القطع و إن لم‌يكن مرتبطاً بالأصول. و هذا المعنى مغفولٌ عنه في الكلمات ممن علّق على الرسائل أو تعرّض للبحث مستقلاً، هذا بالنسبة إلى القطع الطريقي.»

[7]. قال المحقق الصدر! كما في مباحث الأصول، ج‏1، ص218: «و التحقيق أنّ حجّية القطع خارجةٌ عن المسائل الأصولية، لأنّها غير دخيلة أصلاً في عملية الاستنباط في الفقه، و لا تشكل أي مقدمة في القياس الفقهي، و توضيح ذلك: أنّ هدف الفقيه في استنباطه ليس إلا الوصول إلى القطع بالحكم أو ما يقوم مقام القطع به من الأمارات أو الأصول الشرعية أو العقلية، و بعد تحصيل القطع لايترقّب الفقيه- بما هو فقيهٌ- أيّ شي‏ء آخر فمباحث الأمارات و الأصول الشرعية و العقلية و إن كانت من علم الأصول لأنّها دخيلة في القياس الفقهي و لو على مستوى تنجيز الحكم، لكن القطع لايعتبر داخلاً في القياس الفقهي و إن كان هو- أيضاً- منجزاً للحكم، و علم الفقه شأنه شأن كل العلوم الأخرى التي تكون الغاية القصوى فيها هي تحصيل القطع بالنتائج، و بعد فرض حصول القطع لايترقّب شي‏ء.»

و في بحوث في علم الأصول، ج‏1، ص57: «و الواقع أنّ المسائل الأصولية قد عرفت أنها تتضمّن البحث عن الأدلّة المشتركة للاستدلال الفقهي، و هي متنوّعة من حيث نوع الدلالة و كونها لفظيةً أو عقليةً أو شرعية بتوسط الكشف عن الواقع المعبر عنه بالأمارة أو لا بتوسّطه المعبر عنه بالأصل و متنوعة أيضاً من حيث نوع الدليل ذاته و كونه مرتبطاً بالشارع و صادراً منه أو لا و من حيث سنخ المجعول فيه و كونه الطريقية و العلمية أو المنجزية أو الوظيفة العملية.

و البحث عن كلّ هذه الأنحاء يتوقف على أصل موضوعي لابدّ من بحثه مسبقاً، و هو حجّية القطع، إذ بدونه لا أثر للبحث في أيّ مسألة لاحقة كما أنّه حيث أنّ الأدلّة المذكورة كلها إنّما يراد بها استنباط الحكم الشرعي فلابدّ لكل تلك الأبحاث أيضاً من فكرة مسبقة عن الحكم الشرعي و حقيقته و انقساماته إلى الواقعي و الظاهري و التكليفي و الوضعي و غير ذلك من الانقسامات.

و على هذا الأساس، فالمنهج المقترح لبحوث هذا العلم، أن توضع مقدمة تشتمل على أمرين: أحدهما: البحث عن حجية القطع» إلخ.

و في ج‏4، ص8: «إنّ أصل اختصاص الأحكام بالبالغ و ارتفاعها عن غيره و إن كان من ضروريات الدين بل عند العقلاء أيضاً فيكون خارجاً عن المقسم الملحوظ في الأقسام خصوصاً مع كون مسألة حجّية القطع ليست أصولية».

و في بحوث في علم الأصول تقرير الشيخ حسن عبد الساتر، ج‏8، ص41: «القسم الأول: مبحث القطع و قد بحث فيه أولاً عن أصولية هذه المسألة، و هذا البحث موكولٌ إلى ما تقدّم حيث ذكرنا في محلّه الميزان في أصولية المسألة، و من الواضح أنّ ذلك الميزان لا ينطبق على القطع»‏.

[8]. درر الفوائد، الحاشية الجديدة، ص26.

[9]. في تحقيق الأصول، ج‏5، ص32: «و أما الوجه في أنّه خارج عن المسائل الأصولية، فهو عدم انطباق تعريف‏ علم الأصول عليه، فإنّه إن كان العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الأحكام الشرعية أو ما ينتهي إليه المجتهد بعد الفحص و اليأس عن الدليل، كما عرف صاحب الكفاية!، فليس شي‏ء من مسائل القطع واسطة في استخراج حكم شرعي، و لا هو المرجع بعد الفحص و اليأس عن الدليل، بخلاف مثل مسألة حجّية خبر الواحد، فإنّه بعد تطبيق هذه الكبرى على خبر زرارة و القول بحجّيته، يستنبط من خبره حكم من الأحكام الشرعية».

[10]. نهاية الدراية، ج3، ص11.

[11] . المصدر السابق، ج‏3، ص11: «إنّ هذه المباحث ليست مما ينتهي إليه أمر الفقيه في مقام العمل»

[12]. الأصول على النهج الحديث، ص21 «يمكن أن يقال: إنّ جميع موضوعات المسائل مشتركة في أنّها منسوبة إلى الغاية المطلوبة من تلك المسائل، و هي إقامة الحجة على حكم العمل … و حيث إنّ مسائل الأصول مبادئ تصديقية للمسائل الفقهية … فليس الغرض من هذه المبادئ التصديقية إلا التمكن من إقامة الحجة».

[13]. نهاية الدراية، ج1، ص42 بنفس العبارة.

[14]. الأصول على النهج الحديث، ص20 بنفس العبارة.

[15]. في تحقيق الأصول، ج‏5، ص34: «و يبقى تعريف المحقق الأصفهاني!، فإنّه قال: «ما يبحث فيه عن القواعد الممهدة لتحصيل الحجّة على الحكم الشرعي»، و للحجّة مصطلحات ثلاثة: الأول: المصطلح الأصولي، و هو ما يقع في كبرى قياس الاستنباط. الثاني: المصطلح المنطقي، و هو ما يقع وسطاً في القياس. و الثالث: المفهوم اللغوي، و هو مطلق ما يحتجّ به المولى على العبد أو يعتذر به العبد أمام المولى فإن كان المراد من الحجّة في التعريف هو الاصطلاح الأصولي، فإنّ القطع حجّة و ليس بمقيم الحجّة، لأنّ القطع عين الانكشاف للحكم و ليس طريقاً لاستنباطه و إن كان المراد هو الاصطلاح المنطقي، فكذلك، لأنّ الوسط في القياس المنطقي ما هو العلّة أو المعلول للأكبر، أو هما معلولان لعلّة ثالثة، و الحال أنّ القطع ليس بعلّة للحكم و لا هو معلول له و لا هما معلولان لعلّة ثالثة و إن كان المراد هو المعنى اللغوي، فإنّ القطع حجّة بلا كلام و إلى ما ذكرنا أشار … شيخنا في الدورة اللاحقة.

لكن كون مراد المحقق الإصفهاني! من الحجّة في تعريف مسائل علم الأصول هو المعنى اللغوي، أول الكلام، و مما يؤيد النظر إشكال الأستاذ على التعريف المذكور باستلزامه خروج كثير من المسائل عن الأصول بوجه و دخول علم الرجال في الأصول بوجه آخر، فلو كان المقصود من الحجّة هو المعنى اللّغوي لما ورد عليه الإشكال أصلاً.»

[16]. كفاية الأصول، ص257.

[17]. نهاية الدراية، ج3، ص13.

.[18] تعرّضنا لنظرية المحقّق الإصفهاني! في حجّية القطع هل تكون من المسائل الأصولية أو لا؟ و أشرنا إلى نظريّته في القطع الموضوعي، و سنذكر كلام هذا المحقق في مباحث القطع تتميماً للفائدة:

قال في نهاية الدراية، ج‏3، ص11: في التعليقة على قوله: «و إن كان خارجاً عن مسائل الفنّ»: «حتى بناءً على تعميم الغرض الباعث على تدوين فنّ الأصول لما ينتهي إليه أمر الفقيه في مقام العمل، فإنّ هذه المباحث ليست مما ينتهي إليه أمر الفقيه في مقام العمل … و كذا البحث عن منجزية العلم الإجمالي و استحقاق العقوبة على التجرّي، فإنّه خارجٌ عن مسائل الفنّ على جميع التقادير.

نعم إذا كان البحث في التجرّي بحثاً عن تعنون الفعل المتجرّى به بعنوان قبيح ملازم بقاعدة الملازمة للحرمة شرعاً دخل في مسائل الفنّ، لكنه لم‌يحرّر بهذا العنوان في الكتاب، و غيره.

و أما مسألة القطع الطريقي و الموضوعي و قيام الأمارة مثلاً مقامه تارة و عدمه أخرى فهي خارجة عن مباحث القطع، لأنّ إمكان قيام الأمارة مقام القطع بقسميه في تنزيل واحد من لواحق الأمارة لا من لواحق القطع، إذ النتيجة بالأخرة ترتّب حكم الواقع على ذات المؤدى، و ترتّب حكم الواقع المقطوع به على المؤدى بما هو مؤدى من دون لحوق أثر للقطع، فتدبر جيداً.»

[19]. فوائد الأصول، ج3، ص6-7: «إنّ الطريقية التي نقول بصحّة جعلها إنما هي في غير الطريقية التكوينية- كطريقية القطع- فإنّها من لوازم ذات القطع كزوجية الأربعة، بل بوجهٍ يصحّ أن يقال: إنها عين القطع‏.»

[20]. نهاية الأفكار، ج3، ص6 «إنّ القطع من جهة كونه بذاته و حقيقته عين انكشاف الواقع بالكشف التامّ و الوصول إليه بحيث يرى القاطع نفسه واصلاً إلى الواقع‏» إلخ.

[21]. نهاية الدراية، ج3، ص18: «إنّ القطع حقيقة نورية محضة، بل حقيقته حقيقة الطريقية و المرآتية»

[22]. في المعجم الفلسفي، ج‏1، ص184: «إيساغوجي‏ لفظ يوناني معناه المدخل أو المقدمة، و هو عنوان الكتاب الذي وضعه فرفوريوس الصوري [304 م.]‏ تلميذ أفلوطين [270 م.] ليكون مدخلاً للمقولات أو للمنطق نقله من السريانية إلى العربية أيوب بن القاسم الرقي [لم اجد ذكره إلّا في الفهرست] و أبو عثمان [سعيد بن يعقوب] الدمشقي [كان حيا في سنة 302] (راجع كتاب الفهرست لابن النديم، طبعة مصر ص341- 354)، و فسر معانيه ابن زرعة [أبو علي عيسى بن إسحاق (371-448)] و [أبو الخير الحسن بن سوار] ابن الخمّار [المولود 331] و شرحه كثيرون و هو يبحث في بعض الألفاظ الدالة على المعاني الكلية كالجنس، و النوع، و الفصل، و الخاصة، و العرض العام و أكثر المنطقيين العرب يضيفون كتاب ايساغوجي إلى كتب أرسطو [322 ق.م.] المنطقية و يجعلونه جزءً من المجموعة المنطقية التي تسمّى بالأورغانون و هي: (1) إيساغوجي أو المدخل (2) قاطيغورياس أو المقولات (2) ارمانياس أو العبارة (4) أنالوطيقا الأولى أو التحليلات الأولى أو القياس (5) أنالوطيقا الثانية أو التحليلات الثانية أو البرهان (6) طوبيقاً أو الجدل، (7) سوفسطيقا أو السفسطة (8) ريطوريقا أو الخطابة (9) بوطيقاً أو الشعر». (و راجع الأسفار، ج6، ص242)

و في كشف الظنّون، ج1، ص206: «ايساغوجى – هو لفظ يوناني معناه الكليات الخمس أي: الجنس و النوع و الفصل و الخاصة و العرض العام … و هو مشتمل على ما يجب استحضاره من المنطق سمّى ايساغوجى مجازاً من باب إطلاق إسم الجزء و إرادة الكل أو المظروف على الظرف أو تسمية الكتاب باسم مقدّمته.»

[23]. في نهاية المأمول في شرح كفايه الأصول لميرزا حسن الرضوي القمي (1352)، ص6: «المراد بالذاتي هنا ليس هو الذاتي في باب ايساغوجي و المستعملة في الكليات الخمس أى: ما يكون مقوّماً للشي‏ء و ليس بخارج عنه، بل المراد منه هو الذّاتي في باب البرهان أي: ما يكون منتزعاً من حاقّ الشي‏ء و نفس هويّته من دون الاحتياج إلى وساطة شي‏ء آخر غير نفس ذلك الشي‏ء كالإمكان للممكنات و الوجوب للواجب و الزوجيّة للأربعة.»

و في هداية الأصول في شرح كفاية الأصول تقرير درس الشيخ صدرا بادكوبه‌اي (1392)، ج‏3، ص8: «إنّ المراد من الذاتي هنا هو الذاتي في باب البرهان.»

و في أصول الفقه، ج‏2، ص21: «قد ظهر مما سبق معنى كون الشي‏ء حجيته ذاتية فإنّ معناه أنّ حجيته منبعثة من نفس طبيعة ذاته فليست مستفادة من الغير و لاتحتاج إلى جعلٍ من الشارع و لا إلى صدور أمرٍ منه باتباعه بل العقل هو الذي يكون حاكماً بوجوب اتباع ذلك الشي‏ء، و ما هذا شأنه ليس هو إلا العلم.»

[24]. نهاية الدراية، ج3، ص19و18: «و حيث إنّ طريقيته ذاتية، فجعل الطريقية له من الشارع غير معقول لا بما هو جاعل الممكنات، و لا بما هو شارع الشرائع و الأحكام‏» إلخ.

[25]. نهاية الدراية، ج3، ص20 بنفس العبارة.

و لفظ «مقتضى» في عبارة «أنّ صدور مقتضى البعث و الزجر» إلخ بفتح الضاد، و المراد من مقتضَى البعث و الزجر هو الفعل و الترك.

و ما فصّله في مسألة اجتماع الامر و النهي هو ما ذكر في نهاية الدراية، ج2، ص308 – 313، قال: «تحقيق المقام: أن حديث تضاد الأحكام التكليفية و إن كان مشهورا، لكنه مما لا أصل له؛ لما تقرر في محله‏: من أن التضاد و التماثل من أوصاف الأحوال الخارجية للامور العينية، و ليس الحكم بالإضافة إلى متعلقه كذلك، سواء اريد به البعث و الزجر الاعتباريان العقلائيان أو الارادة و الكراهة النفسيتان:

أما إذا كان الحكم عبارة عن البعث و الزجر: فلأن البعث و الزجر عبارة عن المعنى الاعتباري المنتزع عن الإنشاء بداعي جعل الداعي‏…»

راجع عيون الأنظار، ج5، البحث الخامس: اجتماع الأمر و النهي، المقام الأوّل: دليل القول بالامتناع، ص 245.

[26]. قد استدلّ على عدم قابلية القطع لجعل الشارع أو عدم تحقّق الجعل بوجوه كثيرة:

1) لزوم التسلسل

في دررالفوائد (ط.ج): ص325: «الأول: أنّ القطع هل يحتاج في حجّيته إلى جعل الشارع كما أنّ الظنّ كذلك أو لا؟ … أما الكلام في المقام الأول فنقول: الحقّ عدم احتياجه إلى الجعل، فإنّه لو قلنا باحتياجه إليه لزم التسلسل، لأنّ الأمر بمتابعة هذا القطع لايوجب التنجّز بوجوده الواقعي، بل لابدّ فيه من العلم، و هذا العلم أيضاً كالسابق يحتاج في التنجيز إلى الأمر، و هكذا، مضافاً إلى أنّه لو فرضنا إمكان التسلسل لايمكن تنجيز القطع لعدم الانتهاء إلى ما لايكون محتاجاً إلى الجعل، و هذا واضح.»

و في أوثق الوسائل، (ط.ق): ص4: «يدلّ عليه أمور: أحدها: أنّه لو لم‌يكن حجّة بنفسه بالمعنى الّذي ذكرناه و كانت حجّيته تعبّداً شرعيّاً لتسلسل إذ اعتبار كلّ شي‏ء منوطٌ بالعلم و متوقفٌ عليه فالقطع لو لم‌يكن حجّته بنفسه فلابدّ أن يتوقف على شي‏ء و هكذا فيلزم التسلسل.»

و في قلائد الفرائد، ج‏1، ص37: «لنا في المقام إذاً دعويان: الأولى: عدم قابليّة القطع للتصرّف فيه إثباتاً … لنا على الأولى: أنّه لو كانت حجيّة القطع متوقّفة على ثبوتها من الشارع أو العقل، و لم‌تكن من مقتضيات ذاته، لزم التسلسل و هو معلوم البطلان. بيان الملازمة: أنّ كلّ ما يقوم من البرهان على حجّيّة القطع، فغاية ما يحصل منه القطع بحجّيّة القطع، فينقل الكلام بالنسبة إلى القطع الحاصل منه، و هكذا هلمّ جرّاً، فيلزم ما ذكرنا من التسلسل.»

و في كفاية الأصول مع حواشي المشكيني، ج‏3، ص43: «و يمكن الاستدلال على عدم القابليّة للأول [أي الجعل التكويني في طرف الثبوت] بوجوه: … الرابع: لزوم التسلسل. بيانه: أنّه لو كان محتاجاً إلى الجعل للزم عدم إحراز حجّيّته، بل عدم إمكانه أيضاً، و اللازم باطل بداهة، فالملزوم مثله. بيان الملازمة: أنّه إمّا أن يحرز بالقطع فننقل الكلام إليه، فإن كان غير محتاج إلى الجعل ثبت كون الأول- أيضاً- كذلك، و إلّا لزم التسلسل، و إمّا أن يحرز بغيره، و هو كما ترى. هذا كلّّه مع ما في الجعل التشريعي من كون الأمر التكويني غير قابل لهذا الجعل.»

و في التعليقة على فرائد الأصول للسيد عبد الحسين اللاري، ج‏1، ص17: «إنّ ثبوت الجعل و الحجّة في ما عدا العلم من سائر الأدلّة و الأمارات إنّما يتوقّف على طريقيّة العلم، فلو توقّف طريقيّة العلم أيضاً على‏ جعل الحجّية و الطريقية فيه لزم الدور، أو التسلسل.»

الجواب عن الوجه الأول:

في حاشية فرائد الأصول للمحقق السيد اليزدي، ج‏1، ص34: «و جوابه على ما اخترناه من قابليّته للجعل بمعنى جواز الردع عنه واضح، لأنّه إذا قطع بشي‏ء و لم‌يردع عنه الشارع ثبت الحجّة و لايحتاج إلى شي‏ء آخر، و إن ثبت ردعه عنه و قطعنا به فهذا القطع الثاني حجّة إذا لم‌يردع عنه و هكذا، و لايلزم ردع الشارع عن جميع المراتب غير المتناهية حتى يلزم التسلسل، بل بسبب بطلان التسلسل نعلم عدم صدور مثل هذا الردع عن الشارع. نعم، لو قيل بأنّ القطع مجعول إثباتاً يلزمه التسلسل المذكور.»

و في وسيلة الوسائل في شرح الرسائل، ص16 و 17: «أقول‏ هذا لو تمّ لدلّ على عدم الجعل الشّرعي و لايدلّ على عدم الجعل العقلي بأن يكون الحاكم بحجّيته هو العقل استقلالاً أو كشفاً كما توهّمه بعض القاصرين لأنّ القطع المتعلّق بحجّيته ليس مستنداً إلى قطع آخر ليلزم التّسلسل بل هو بحكم العقل و هو حجّة بنفسه؛ نظير ما يقال: أنّ الأشياء رطبه بالماء و الماء رطب بنفسه، و ما تقرّر في المعقول: إنّ الموجود موجود بالوجود و الوجود موجود بنفسه و المعلوم يعلم بارتسام صورته في الذّهن و نفس الصّورة معلومة بنفسها لا بصورة أخرى و إلّا لزم التّسلسل، و به يندفع الأشكال في مسألة النيّة حيث أنّها من العبادات و لايمكن احتياجها إلى نيّة أخرى، و في مسألة الإرادة و لعلّ التّوضيح يأتى في مقام أليق و موضع أوفق» إلخ.

و في دررالفوائد (ط.ج): ص329: «الثالث: أنّه هل يقبل تعلّق أمر المولى به أم لا؟ … أما المقام الثالث أعنى قابلية العمل بالعلم أعنى الإطاعة لورود التكليف الشرعي المولوي عليه و عدمها فقد قيل في وجه عدم القابلية أمور: منها: لزوم التسلسل لو تعلّق الأمر المولوى بالإطاعة، لأنّ الأمر بالطاعة لو كان مولوياً يحقق عنوان إطاعة أخرى، فيتعلّق الأمر به لكونها إطاعة، و هذا الأمر أيضاً يحقق عنوان الإطاعة فيتعلّق الأمر به، و هكذا … و كلّها مخدوشة؛ أمّا الأول: فلأنّه لايوجد من الأمر إلّا إنشاء أمر واحد متعلق بطبيعة الإطاعة، و القضية الطبيعية تشمل الأفراد المتحققة بها، فلا بأس بانحلال الأمر المتعلّق بالطبيعة الواحدة إلى أوأمر غير متناهية، لانتهائها إلى إيجاد واحد، مضافاً إلى انقطاع هذه الأوامر بإتيان المكلّف فعلاً واحداً، و هو ما أمر به أولاً، أو انقضاء زمان ذلك الفعل.»

و في تهذيب الأصول للسيد عبد الأعلى السبزواري، ج‏2، ص11: «إنّ التسلسل إنّما يلزم إن كان جعل الحجّية للقطع بنحو القضية الخارجية، و أما إذا كان على نحو القضية الطبيعية فلايلزم ذلك، كما لايخفى.»

و في التنقيح للسيد سعيد الحكيم، ج‏1، ص13: «هو [أي القطع] بنفسه وصول للواقع و منجز الواقع و ثبوت العذر فيه من لوازم وصوله الذاتية التكوينية و معه لا حاجة إلى الاستدلال على حجّيته بلزوم الدور أو التسلسل. بل لعلّه لا فائدة فيه، لأنّه لا طريق إلى بطلانهما إلا العلم، فالاستدلال دوري، فتأمل.»

2) لزوم اللغوية

في دررالفوائد (ط.ج): ص329: «و منها اللغوية، لأنّ الأمر المولوي ليس إلّا من جهة دعوة المكلف إلى الفعل و هي موجودة هنا فلا يحتاج إليه.»

و في تقريرات آية الله المجدد الشيرازي، ج‏3، ص: 237 – 239: «إنّه كما لايجوز جعل الطريق طريقاً أو نفي الطريقية عنه، كذلك لايجوز النهي عن السلوك على مقتضاه، بل و كذا الأمر به أيضاً … و أمّا الأمر فلأنّ فائدته إنّما هو تحريكه إلى إطاعة المقطوع به، و مع فرض قطعه قبله يتوجّه أمر إليه بكون المحرّك له هو قطعه بذلك الأمر، فلا يؤثّر هذا الأمر في التحريك شيئاً، فيلغى. هذا إذا كان القاطع عازماً على الإطاعة، و أما إذا كان عازماً على العصيان فلا يفيد ذلك في حقّه بعثاً و تحريكاً أيضاً، فيلغى هو من جهة هذه الفائدة و لو كان الأمر المذكور لأجل تمامية الحجّة عليه كما في تكليف الكفّار، فهو- أيضاً- غير محتاج إليه لتماميّتها بقطعه بكونه مكلّفاً و لو كان لأجل فائدة الإجزاء فقد حقّقنا في محلّه أنّه يدور مدار الإتيان على ما هو عليه من غير مدخلية الأمر على طبق الطريق المؤدّي و لو كان لأجل فائدة [تدارك‏] ما يفوته من مصلحة الواقع بالعمل بقطعه، فلا ريب أنّ لزوم التدارك حكم عقلي مبنيّ على استناد فوت المصلحة إلى أمر الشارع، و مع قطعه بكونه هو المحرّك للعمل على طبقه (لو كان مطيعاً) فلا يستند فوت المصلحة إلى الشارع بوجهٍ، فظاهر امتناع الأمر من الشارع- بالعمل عليه- كالنهي عنه أيضاً. نعم يجوز الأمر به من باب الإرشاد و الموعظة فيمن لم‌يكن عازماً على العصيان أو على الإطاعة، بل في عازمه- أيضاً-، فإنّه ربما يوجب ردعه عما عزم إليه من العصيان.»

و في كفاية الأصول مع حواشي المشكيني، ج‏3، ص42: «الثالث: لزوم اللغويّة لعدم الفائدة، و هو محال عرضاً على تقدير تسليم عدم المحاليّة الذاتيّة.»

و في أنوار الهداية، ج‏1، ص38: «أصل المدّعى- و هو عدم تعلّق الجعل التشريعي به- صحيحٌ بلا مِريةٍ، فإنّ الجعل التشريعي لا معنى لتعلّقه بما هو لازم وجود الشي‏ء، فلا معنى لجعل النار حارّة و الشمس مشرقة تشريعاً، لا لأنّهما من لوازم ذاتهما، بل لأنّهما من لوازم وجودهما المحقّقين تكويناً، و القطع أيضاً طريق تكويني و كاشف بحسب وجوده، و لايتعلّق الجعل التشريعي به، للزوم اللغويّة و كونه من قبيل تحصيل الحاصل.»

الجواب عن الوجه الثاني:

في دررالفوائد: «و أما الثاني فلأنّه يكفي في الخروج من اللغوية تاكيد داعي المكلف، لأنّه من الممكن أن لاينبعث بأمر واحد، و لكنه لو تعدد و تضاعفت الآثار ينبعث نحو الفعل.»

3) في دررالفوائد (ط.ج): ص329: «و منها أنّ الإطاعة عبارة عن الإتيان بالفعل بداعي أمره، فلا يعقل أن يكون الأمر بها داعياً إليها، و إلّا لزم عدم تحقق موضوع الإطاعة، و يستحيل أن يصير الأمر المتعلق بعنوان داعياً إلى إيجاد غير ذلك العنوان هذا.»

الجواب عن الوجه الثالث:

في دررالفوائد: «و أما الثالث: فلأنّ إتيان الفعل إبتداءً بداعي الأمر بالإطاعة ليس إطاعةً للأمر المتعلق به، و لكن إتيانه بداعي الأمر المتعلق به بداعي الأمر بالإطاعة بحيث يكون الأمر بالإطاعة داعياً إلى إيجاد الداعي لا­يضرّ بصدق الإطاعة، و لا بكون الأمر المتعلق به مولوياً، كما لايخفى.»

4) في دررالفوائد (ط.ج): ص330: «و الأولى أن يقال في وجه المنع: أنّ الإرادة المولوية المتعلقة بعنوان من العنأوين يعتبر فيها أن تكون صالحة لأن تؤثر في نفس المكلف مستقلاً، لأنّ حقيقتها البعث إلى الفعل، و بعبارة أخرى هي ايجاد للفعل اعتباراً و بالعناية، و الأمر المتعلق بالإطاعة مما لايصلح لأن يؤثر في نفس المكلف مستقلاً، لأنّه لايخلو من أمرين: إما أن يؤثر فيه أمر المولى أو لا؛ فعلى الأول يكفيه الأمر المتعلق بالفعل و هو المؤثر لا غير، لأنّه أسبق رتبة من الأمر المتعلق بالإطاعة، و على الثاني لايؤثر الأمر المتعلق بالإطاعة فيه استقلالاً، لأنّه من مصاديق أمر المولى، و قد قلنا إنّ من شأن أمر المولى إمكان تأثيره في نفس العبد على وجه الاستقلال. هذا كلّه في القطع المتعلّق بالحكم الواقعي الذي يكون طريقاً محضاً إليه.»

5) في أوثق الوسائل، (ط.ق): ص4: «ثانيها: أنّه لو كان اعتباره بجعل الشارع فلابدّ حينئذٍ أن يكون القطع قابلاً لحكم الشارع نفياً و إثباتاً، فلو كان كذلك لزم التناقض فإنّ الشارع إذا قال: «الخمر حرامٌ» فمعناه وجوب الاجتناب عنه، فإذا قطعنا بمؤدّى خطاب الشارع و لم‌يكن قطعنا معتبراً شرعاً يلزم أن لايجب علينا الاجتناب عنه مع قطعنا به، و لايندفع ذلك إلا بتقييد الأحكام الواقعيّة بأن تكون حرمة الخمر مجعولة على تقدير إخبار المعصوم مثلاً عنها و هو مع أنّه لا دليل عليه بل خلاف الفرض خروج عن محلّ النّزاع إذ لا حكم في الواقع حينئذٍ قبل إخبار المعصوم حتّى يتعلّق به القطع كما هو محلّ الكلام.»

6) في وسيلة الوسائل في شرح الرسائل، ص16: «قوله:‏ «و ليس طريقيّته قابلة له»‏ أقول:‏ ينحلّ كلامه) إلى دعويين: إحداهما: إنّ طريقيته غير قابلةٍ للجعل إثباتاً، و الأخرى أنّها غير قابلة له نفياً … و قد أشار) إلى دليل الدعوى الثانية فيما يأتى من كلامه، و حاصله أنّه لو حكم الشارع بعدم حجّيته و العمل على مقتضاه لزم التناقض بين قوليه … و منه يعلم الدليل على الأولى فإنّه لو كان قابلاً للإثبات كان قابلاً للنفي أيضاً إذ قضيّة الجعل كونه بنفسه عارياً عن جهتي الإثبات و النفي و العاري عن الصفتين المتقابلتين يجوز اتّصافه بهما بالعلّة الخارجيّة، لما تقرّر في محلّه من أنّ كلّ عرضى معلّل، و على ذلك يبتنى بعض براهين توحيد الحقّ جلّ شأنه كما هو ظاهر للماهر في العلوم العقليّة.»

و في الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية، ص27: في التعليقة على قوله: «و ليس طريقيته قابلة لجعل الشارع»: «أقول: إمّا نفياً … و إمّا إثباتاً فلأنّ ما لايمكن رفعه لايمكن إثباته أيضاً بجعلٍ مستقلٍّ، ضرورةَ كونه ضروريَّ الثبوت في الفرض، و الجعل إنّما يتعلّق بالممكن لا بالواجب و الممتنع، فلوازم الشي‏ء إنّما ينجعل بجعل ذات الشي‏ء، لا بجعل على حدةٍ، و إلّا لخرج عن كونه لازماً، لجواز الانفكاك عند فرض عدم تعلّق الجعل به، و هو ينافي اللزوم، و لذا قيل: إنّ اللّه تعالى ما جعل المشمش مشمشماً بل أوجده، و هذا ظاهر بعد أدنى التفات.»

7) في وسيلة الوسائل في شرح الرسائل، ص16: «لو تعلّق به جعل إثباتاً أو نفياً لنصّ عليه و لو نصّ عليه لنقل إلينا مع أنّه لم‌ينقله أحد إلّا أن يقال إنّ شرط النّقل توفّر الدواعى و هو مفقود في الجعل الإثباتي لكونه موافقاً للمركوز في الجبلّات و الغرائز.»

8) في كفاية الأصول مع حواشي المشكيني، ج‏3، ص42: «و يمكن الاستدلال على عدم القابليّة للأول [أي: الجعل التكويني في طرف الثبوت] بوجوه: الأول: الوجدان الحاكم بأنّه لا جعل كذلك بين الشي‏ء و لوازمه.»

9) في كفاية الأصول مع حواشي المشكيني: «الثاني: لزوم تحصيل الحاصل و هو محال ذاتاً.»

و في حاشية فرائد الأصول لصاحب العروة، ج‏1، ص32: «تحصّل من جميع ما ذكرنا أنّ القطع ليس قابلاً للجعل … من حيث حجيّته و وجوب متابعته، بل هو من هذه الحيثية من مجعولات العقل لايحتاج إلى جعل الشارع لأنّه من قبيل تحصيل الحاصل.»

و في نهاية المأمول في شرح كفايه الأصول، ص7: «لايخفى أنّ ذلك لايكون بجعل جاعل لعدم جعل تأليفي حقيقة بين الشي‏ء و لوازمه بل عرضاً يتبع جعله بسيطاً فتطرّق الجعل التركيبى إصالة إليه إثباتاً يؤول إلى تحصيل الحاصل.»

الجواب عن هذا الدليل:

في تهذيب الأصول للسيد عبد الأعلى السبزواري، ج‏2، ص13: «و أما الجعل التشريعي فقالوا بعدم إمكانه أيضاً، لأنّه لإيجاد الداعي و هو حاصل للقاطع لأجل قطعه، فيكون الجعل التشريعي لحجية القطع حينئذٍ من تحصيل الحاصل المحال، و يردّ بأنّه كذلك لو لم‌يكن غرض صحيح عقلائي في البين، كإيجاد الداعى من قبل الشارع أيضاً و إتمام الحجّة، و هما من أكمل الأغراض الصحيحة العقلائية و أتمّها في تشريع الشرائع الإلهية، فيكون القطع حينئذٍ كسائر الحجج العقلائية التي شملتها عناية الشارع و لو بعنوان عدم الردع، هذا بالنسبة إلى جعل الحجية الشرعية للقطع.»

و في التعليقة على فرائد الأصول للسيد عبد الحسين اللاري، ج‏1، ص18: «إنّ طريقيّة العلم للمعلوم غير قابل- عقلاً- لجعل الجاعل لا إثباتاً و لا نفياً أمّا عدم معقوليّة الجعل فيه إثباتاً فلاستلزامه تحصيل الحاصل.»

10) في بحر الفوائد (ط.ج): ج‏1، ص22 – 24: «إنّ اعتبار العلم بالنسبة إلى الالتزام بالمعلوم و الأحكام المترتّبة على متعلّقه مع قطع النّظر عن تعلّق العلم به، كما هو المفروض لو كان جعليّاً و بإنشاء الشّارع بحيث لولاه لم‌يكن ثابتاً له كما يزعمه القائل بالجعل و يقول بمثله في الظنّ، فلا محالة لابدّ أن يكون هناك قضيّتان: إحداهما: ما ثبت الحكم فيه لذات الشّي‏ء مع قطع النّظر عن تعلّق العلم و من غير مدخليّة له فيه، فثبوته النّفس الأمري تابعٌ لتحقّق موضوعه في نفس الأمر من غير مدخليّة للعلم أصلاً … ثانيتهما: ما كان ثابتاً للعلم بالشّي‏ء من غير مدخليّة له، إلّا من حيث تعلّق العلم به و هي القضيّة الّتي يحكم فيها بوجوب العمل بالعلم و اعتباره و حجّيته على تقدير إمكان الجعل … لابدّ على القول بكون اعتبار العلم جعليّاً في قبال القول بكونه قهريّاً أن يلتزم في مورد العلم بثبوت قضيّتين، قضيّة واقعيّة لا دخل للعلم فيها أصلاً، و قضيّة ظاهريّة تابعة لوجود العلم فيختلف باختلاف العالمين، و تنفكّ عن القضيّة الأوليّة، فلابدّ من أن يلتزم بوجود الأمر الشّرعي عند خطاء العلم كما يلتزم به عند خطاء الظنّ … لازم القول بكون اعتباره جعليّاً الالتزام بحكم للشّارع وراء الحكم الواقعي عند العلم، فإن ترضى من نفسك أن تقول بهذه المقالة الفاسدة فقل بها» إلخ.

11) في مصباح ‏الوسائل للسيد محمد الموسوي التبريزي ص12: في التعليقة على ‏قوله‏!: «و ليس طريقيته قابلة لجعل الشّارع إثباتاً أو نفياً»: «أمّا عدم قبوله لجعل الشّارع إثباتاً فلانّ الدّليل القائم بجعل القطع إمّا أن يكون أعلى مرتبة من القطع أو مساوياً له أو أدون منه؛ أمّا الأعلى فلا وجود له لأنّه أىّ شي‏ء أعلى و أتمّ من القطع؟ و أمّا المسأوى الّذي هو القطع فيستلزم الدّور أو التّسلسل لنقل الكلام فيه و هما باطلان و مستلزم الباطل باطل، و أمّا الأدون فمن القضايا الّتى قياسها معها في انقداح البطلان.»

12) في محجّة العلماء، ج‏1، ص22 و 23: «إذ قد عرفت حقيقة حجيّة العلم و ما بمنزلته ظهر لك أنّ ثبوتها للعلم ضرورى فإنّ كونه وصولاً إلى الواقع عبارة أخرى عن كونه علماً و الملاك في التنجز و عدمه إنّما هو الاحتجاب و الإحاطة، و كون العلم وصولاً و إحاطة عبارة أخرى عن كون الشى‏ء نفسه، و إلى هذا يرجع الاستدلال عليه بأنّه لو كان متوقفاً في الحجّية على غيره لدور أو تسلسل أو ترجيح المرجوح على الراجح فإنّ الحاصل بالدليل لايخلو من أن يكون علماً أو ظنّاً نوعيّاً أو شخصيّاً و استقلال غير العلم بالحجيّة دونه من الثالث و إثبات حجيّة علم بعلم آخر لايخلو من أحد الأولين.»

13) في محجّة العلماء، ج‏1، ص23: «و الأظهر أن يقال: إنّ الاستدلال على الحجيّة لا محصّل له إلا العلم بها و هو دور ظاهر.»

14) في الأصول لميرزا أبو الفضل نجم آبادي، ج‏2، ص20: «إنّ القطع طريقيّته ذاتيّة، و ليس قابلاً للجعل، بل يد الجعل بالنسبة إليه قصيرة، فإنّه إذا علم مثلاً بحرمة الخمر الثابتة لها واقعاً، فيترتّب عليه آثاره، فلو قال الشارع بعد ذلك أيضاً: إذا علمت بحرمة الخمر فهي حرام، فيلزم إمّا ثبوت وجوبين لها، و هو خلاف الإجماع، بل الضرورة، و إمّا تقدّم الشي‏ء على نفسه لو ثبت لها وجوب واحد.»

15) في أوثق الوسائل، (ط.ق): ص4: «إنّه لو لم‌يكن معتبراً لَانسدّ باب الاستدلال إذ اعتبار كلّ دليل منوطٌ بالعلم.»

الجواب عن هذا الوجه: في أوثق الوسائل: «إنّ هذا إنّما يستلزم اعتباره في الجملة لا بخصوص المعنى المقصود.»

[27]. أساس البلاغة، الزمخشري، ص620.

[28].  استدلّ على منجزية القطع بقاعدة حسن العدل و قبح الظلم:

في مباحث الأصول للشيخ المحقق البهجة، ج‏3، ص12: «الظاهر أنّ القطع بمعنى العلم و الرؤية الوجدانيّة، و الرؤية الحدسيّة – كالحسيّة- قابلةٌ للخطا و معه هي ما ينقّح بها موضوع الظلم و العدل في المخالفة و الموافقة، فحجّية القطع- كحجّية الخبر- من الأحكام العقلائيّة الناشئة من قاعدة التحسين و التقبيح، كما أنّ منجّزيته و معذّريته – و هما عبارتان عن صحّة الاحتجاج به من الطرفين- من أحكامه العقليّة المندرجة في التحسين و التقبيح العقليّين، لأنّ موافقة التكليف المقطوع به عدل و مخالفته ظلم، و ليس من القاطع إلّا تطبيق الكلّي على الفرد بالقطع و القطع بحكم العقل و العقلاء، بعد التطبيق المذكور، و ليس القطع إلّا وجود ما يتعنون بالعدل تارة و بالظلم أخرى عند القاطع.»

ففي بحوث في علم الأصول، ج‏4، ص28 ذكر هذا الوجه، و ناقش فيه  فقال: «الصحيح إنّ هذا الاستدلال غير منهجي لأنّه إن أريد به مجرد تنبيه المرتكزات و التفات الخصم إلى استحقاق المثوبة و العقوبة في مخالفة القطع فلا مشاحة في ذلك، و أمّا إن أريد به الاستدلال فقاعدة قبح الظلم قد أخذ في موضوعها عنوان الظلم و هو عبارة عن سلب ذي الحق حقه، ففي المرتبة السابقة لابدّ من افتراض حقّ الأمر على المأمور لكي تفترض مخالفته سلباً لحقه و إلّا لم‌يكن ظلماً، فإن أريد إثبات ذلك بنفس تطبيق قاعدة قبح الظلم كان دوراً، و إن أريد بعد الفراغ عن ثبوت حقّ الطاعة و المولوية على العبد تطبيق هذه القاعدة فهو مستدرك و حشو من الكلام، إذ بعد الفراغ عن حقّ الطاعة للمولى على العبد و بعد افتراض وجدانية القطع لدى القطع فلا نحتاج إلى شي‏ء آخر، إذ لايراد بالمنجزية إلّا حقّ الطاعة و لزوم الامتثال و المفروض إنّنا قطعنا بذلك صغرى و كبرى.»

[29]. في كلمات جماعة من الأصوليين عدّ طريقية القطع و وجوب متابعته من الضروريات:

ففي بحر الفوائد في شرح الفرائد (ط.ج): ج‏1، ص21 و 22 في التعليقة على قوله: «لا إشكال في وجوب متابعة القطع و العمل عليه ما دام موجوداً»: «ما أفاده! من الواضحات التي لاينبغي الارتياب فيها على وجهٍ لايحتاج إلى البيان، لأنّ كل معلوم الطريقيّة إنّما يصير معلوماً بالعلم، فلا محالة يكون معلوميّة العلم بذاته، فنسبته إلى معلوم الطّريقيّة نسبة الوجود إلى الموجودات، … هذا و ما عرفت من المسلّمات عند الأصحاب، حتّى أنّه يظهر تصريحاً و تلويحاً من كلمات الشّيخ في العدّة فراجع كلماتهم عند التكلّم في الأدلّة القطعيّة كالتواتر و الإجماع و دليل العقل حتّى القياس المفيد للقطع، فإنّها تنادي بأعلى صوتها أنّ كلامهم فيها إنّما هو في إثبات الصّغرى في مقابل المنكر لحصول القطع منها» إلخ.

و في محجّة العلماء، ج‏1، ص22 و 23: «إذ قد عرفت حقيقة حجيّة العلم و ما بمنزلته ظهر لك أنّ ثبوتها للعلم ضرورى فإنّ كونه وصولاً إلى الواقع عبارة أخرى عن كونه علماً، و الملاك في التنجز و عدمه إنّما هو الاحتجاب و الإحاطة، و كون العلم وصولاً و إحاطة عبارة أخرى عن كون الشى‏ء نفسه» إلخ.

و في حاشية فرائد الأصول لصاحب العروة، ج‏1، ص23: «معنى وجوب متابعة القطع وجوب العمل عقلاً بالمقطوع به و جعل العمل مطابقاً له، و هذه القضية لعلّها من البديهيات الأوّلية…»

[30]. فوائد الأصول، ج3، ص6.

[31] . و اعلم أنّ لوجوب متابعة القطع معنيين: (أحدهما) أنّ القاطع بنفسه يرى وجوب متابعة القطع شرعاً لا بما هو متابعة القطع، بل المتابعة التي بالحمل الشائع الصناعي يصدق أنها متابعة.

و الحاصل: أنّ هذا الوجوب مركبٌ من أمور ثلاثة: الأول: اختصاصه بالقاطع. الثاني: اختصاصه بالوجوب الشرعي لا العقلي. الثالث: تعلّق هذا الوجوب بما هو بالحمل الشائع متابعة.

و لا يخفى أنّه على هذا يصير المعنى أنّ القاطع بالوجوب يقطع به فيصير توضيحا للواجب، و يكون التعليل بقوله قدّس سرّه: «لأنه بنفسه طريق إلى الواقع» تعليل للواضح.

(ثانيهما) أنّ كل عاقل أعمّ من أن يكون هو القاطع أو غيره يحكم بلزوم متابعة القطع عقلا بما هو متابعة بعنوانها، و معنى حكم العقل بلزوم المتابعة هو أنّ هذا الحكم لو كان ثابتاً في الواقع و نفس الأمر لكان منجزاً على القاطع، بمعنى استحقاقه للعقوبة على تقدير المخالفة و المصادفة.

و هذا المعنى أيضا مركّب من أمور ثلاثة:

الأول: عدم اختصاص الحكم بوجوب المتابعة، بالقاطع، بل كل عاقل يحكم بذلك.

الثاني: أنّ المراد بالوجوب هو العقلي لا الشرعي.

الثالث: اعتبار عنوان متابعة القطع في مقام الامتثال، و هو بهذا المعنى يقوم مقامه سائر الأمارات و الأصول لأنّ حالهما أيضا كذلك لأنّ كل عاقل يحكم بعد ملاحظة أدلّة اعتبار الأمارة أنها اذا قامت على حكم أو موضوع ذي حكم لو كانت مطابقة للواقع لكان منجزاً عليه، فتكون نظير القطع في المنجزيّة، لأنها نظير القطع في كونه منجزاً.

و على هذا لا يرد إشكال توضيح الواضحات، و كذا عبّر في الكفاية بقوله: «لا شبهة في وجوب العمل على وفق القطع عقلاً و لزوم الحركة على طبقه جزماً و كونه موجباً لتنجّز التكليف الفعلي … إلخ. تقريرات في أصول الفقه، السيد حسين البروجردي، ص208.

[32]. في وسيلة الوسائل في شرح الرسائل، السيد محمد باقر الطباطبائي اليزدي، ص15 عند التعليقة على قوله:‏ «لا إشكال في وجوب متابعة القطع‏»‏: «أقول:‏ حجّية القطع بمعنى وجوب متابعته من البديهيات الغير المحتاجة إلى الإثبات إلّا أنّه يمكن الاستدلال عليها بوجوه [أربعة عشر]:

[1] الأوّل: إنّه لو لم‌يكن حجّة لزم التّناقض إذ هو أعلى طرق الواقع فلو لم‌يكن حجّة فإن كان نقيضه حجّة و مرآة إلى الواقع لزم اجتماع النّقيضين و إلّا لزم ارتفاعهما و بطلانهما ظاهر.

[2] الثاني: إنّه لو لم‌يكن حجّة فإمّا أن يدعى ذلك على سبيل القطع أو غيره؛ فعلى الثاني يلزم إبطال الرّاجح بالمرجوح و يحكم بديهة العقل ببطلانه، و على الأوّل فإمّا أن يعتبر ذلك القطع الثاني فيلزم حجّيته و ما يستلزم عدمه وجوده فهو محال، و إمّا أن لايعتبر فهو خلاف المقصود كما لايخفى.

[3] الثالث: إنّه لا شكّ في وجود حجّة في سنخ الإدراكات لبطلان مذهب السّوفسطائيّة كما سنشير إليه فهو إمّا القطع أو غيره من الظنّ و الشّكّ و الوهم؛ فإن كان الأوّل ثبت المطوب، و إن كان غيره فمع استلزامه ترجيح المرجوح يرد عليه أنّ حجّيته لابدّ أن تكون مدركة بأحد الإدراكات المذكورة؛ فإن كان بالقطع فلا ينفع إلّا مع حجّيته مع أنّ مستند حجّية الشّي‏ء أولى بالحجّيّة، فإن كان بغيره فإمّا أن يلزم الدّور أو التّسلسل أو ترجيح المرجوح.

[4] الرابع: إنّه لو لم‌يكن حجّة لكان متعيّناً للطرح و الإسقاط قطعاً إذ لا معنى للاعتناء بغير الحجّة فيلزم الاعتناء به فافهم.

[5] الخامس: إنّ العقل بعد ما قطع باستحقاق الثّواب و العقاب مثلاً فلازمه القطع بالحجّيّة إيضاً و لايتصور مع تحقّق القطع الأوّل عدم تحقّق القطع الثاني لأنّه إن قطع بعدم الحجّية فلازمه القطع بعدم الاستحقاق و إن شكّ فيه فلازمه الشّكّ في الاستحقاق فالتّفكيك بين القطعين غير معقول …

[6] السادس: إنّه لو لم‌يكن القطع الحاصل من حكم العقل حجّة لم‌يكن الحاصل من الشّرع حجّة أيضاً لأنّ الدّليل على حجّية القطع الشّرعي أمّا الشّرع القطعي و العقل القطعي فإن كان الأوّل فننقل الكلام إليه فيتسلسل أو يدور و إن كان الثاني فلا ريب أنّ حكمه بذلك من جهة حكمه بلزوم دفع الضّرر المقطوع فكما يحكم بوجوب دفع الضّرر المقطوع بالقطع الشّرعي يحكم بلزوم دفع الضّرر المقطوع بالقطع العقلي بلا فرقٍ بينهما.

[7] السابع: إنّه إن لم‌يكن حجّة مطلقاً لزم انسداد باب التكليف رأساً و إن كان حجّة إذا حصل من الشرع لا غير لزم أن لايكون عبدة الأوثان السابقون على الشرع معذّبين و كذا إن كان حجّة مطلقا لكن إذا دلّ الدليل الشّرعي على اعتباره لأنّ جعل اللاحق سبباً للسابق غير معقول.

[8] الثامن: إنّه إن كان حجّةً مطلقاً فلا كلام و إلّا فإن لم‌يكن حجّة مطلقا لزم أن لايكون شي‏ء من معرفة اللّه و معرفة نبيّه و النظر إلى المعجزة واجباً و اللازم ظاهر البطلان و إن لم‌يكن حجّة إلّا من الشرع فكذلك كما يظهر بالتامّل فيما مرّ.

[9] التاسع: إنّه لو لم‌يكن حجّة وجب ردع صاحبه عنه و هو محال إذ القاطع حين هو قاطع لايلتفت إلى خلاف قطعه فلا­يمكن ردعه لاستحالة تكليف الغافل.

[10] العاشر: إنّه لو لم‌يعمل به لَاحتاج ذلك إلى دليل دالّ على بطلانه و دليليّة الدليل يعلم به فلو عرف حاله به لزم الدور كما مرّ.

[11] الحادي عشر: إنّ الظنّ حجّة بمقتضى أدلّة حجّيته من بطلان الترجيح بلا مرجح و وجوب دفع الضرر و غيرهما فيكون القطع حجّةً بمقتضى تلك الأدلّة بطريق أولى.

[12] الثاني عشر: أنّه لو لم‌يكن حجّة لزم كون الضروريّات مساوية للنظريّات أو أسوأ حالاً منها، و الملازمة ظاهرة، و بطلان اللازم أظهر.

[13] الثالث عشر: الآيات و الأخبار الكثيرة الدالّة بالمنطوق أو المفهوم على اعتباره كقوله تعالى: ‏(فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاتَعْلَمُونَ) [سورة النحل(16):43] و قوله عزّ و جلّ‏: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللهُ‏) [سورة محمد(47):19] و قوله عزّ من قائل:‏ (هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ‏) [سورة الزمر(39):9] و الآيات النّاهية عن العمل بغير العلم و الأخبار الموافقة لها.

[14] الرابع عشر: و به يتمّ العدد الميمون المبارك بناء العقلاء من العلماء و غيرهم و السيرة المستمرّة بين الخاصّة و العامّة حيث إنّهم يستندون في الأعصار و الأمصار إلى العلم من دون نكير بل اعتباره مركوز في جبلّات الصبيان و المجانين بل الحيوانات العجم كما لايخفى.»

.[33] في بحوث في علم الأصول، ج‏4، ص27: «الجهة الأولى في أصل حجّية القطع و هي هنا يمكن أن يراد بها معان عديدة: 1- الحجّية المنطقية، و مقصودنا منها البحث عن مدى ضمان حقانية القطع و موضوعيته و إنّه إذا حصل من أي المناشئ يكون مضمون الحقانية منطقياً، و هذا بحث منطقي يسمى بنظرية المعرفة و ليس بحثاً أصولياً و إن كان قد يقع التعرض إليه في الجملة عند التعرض لكلمات بعض المحدثين في علم الأصول. 2- الحجية التكوينية و نقصد بها دافعية القطع و محركيته نحو المقطوع على النحو المناسب لغرض القاطع و هذه محركية طبيعة تكوينية و ليست هي مقصود الأصولي في المقام أيضاً. 3- الحجّية بمعنى التنجيز و التعذير و نقصد بها أنّه في علاقات العبيد بالموالي هل يكون القطع منجزاً و معذراً في مقام الامتثال أم لا؟ و هذه هي الحجية المبحوث عنها في الأصول».

[34]. نهاية الدراية، ج3، ص23: « نعم إن أريد منها [أي الحجّة] ما يثبت الحكم الفعلي بعنوان أنه الواقع فلا يطلق عليه [أي على القطع] الحجة، إذ القطع بالحكم عين ثبوت الواقع لدى القاطع، فلا يكون علة لثبوت الواقع و للتصديق به».

[35]. أصول الفقه ج‏2، ص12: «و أما الحجة في الاصطلاح العلمي فلها معنيان أو اصطلاحان (أ) …  (ب) ما عند الأصوليين و معناها عندهم حسب تتبع استعمالها كل شي‏ء يثبت‏ متعلقه‏ و لا يبلغ درجة القطع أي لا يكون سببا للقطع بمتعلقه»‏.

[36]. نهاية الدراية، ج3، ص62: «و أما الآيات، فآية النبأ أيضاً تدلّ على التنزيل منزلة الواقع».

[37] . نهاية الدراية، ج‏3، ص62: «و توهم التنزيل منزلة الواقع الواصل بدعوى أن خبر العادل حيث إنّ مؤداه كان مبينا شرعا تنزيلا لم يجب فيه التبين، و خبر الفاسق حيث إنه لم يكن كذلك وجب فيه التبين، فالمدار على الواقع المبين فاسد» إلخ.

[38]. التعليقة على فرائد الأصول، للمحقق صاحب الكفاية!، ص 22.

[39]. الدراية في شرح الكفاية، ج‏3، ص17، و قال! في ج3، ص 197 : «… فبأنّ الالزام العقلي لا يعقل، إذ لا بعث و لا زجر من القوة العاقلة، بل شأنها التعقل، و ليس الحكم العقلي العملي إلا ادراك ما ينبغي أن يؤتى، به أو لا ينبغي أن يؤتى به، و الأحكام العقلائية في باب التحسين و التقبيح ليست إلا بناء العقلاء على مدح فاعل بعض الأفعال و ذم فاعل بعضها الآخر».

و قال! أيضاً في نهاية الدراية في شرح الكفاية، ج‏3، ص287 : «… المراد بالحجية عقلا ليس‏ كما يتوهم‏ من‏ كونها مفاد حكم‏ العقل العملي في قبال حكم العقل النظري، إذ ليس شأن العاقلة إلا التعقل كما في سائر القوى، و لا بعث و لا زجر من العاقلة.

و ليس تفاوت العقل النظري مع العقل العملي من حيث ما هو وظيفة القوة العاقلة، بل التفاوت بالمدرك.

فالمدرك: إذا كان له مساس بالعمل و كان ينبغي أن يؤتى به أو لا يؤتى به سمي حكما عقليا عمليا.و إذا كان مما ينبغي أن يعلم سمي نظريا.

و كونه كذلك من غير ناحية الإدراك و القوة المدركة، بل لا بد من أن يكون من تلقاء الشارع أو العقلاء، فما تطابقت عليه آراء العقلاء حفظا للنظام و إبقاء للنوع كحسن العدل و قبح الظلم إذا أدركه العقل دخل في حكم العقل العملي.

و أما نفس كون العدل حسنا يمدح على فاعله و كون الظلم قبيحا يذم على فاعله، فمأخوذ من العقلاء.

و عليه، فليس المراد بكونه حجة عقلا إلا كونه حجة عند العقلاء.

و قد بينا في‏ مبحث حجية الظواهر أن المراد بحجية شي‏ء عند العقلاء ليس جعل الحكم المماثل منهم على طبقه، و لا الإنشاء بداعي تنجيز الواقع، بل بنائهم عملا على اتباع خبر الثقة أو ظاهر الكلام و الاحتجاج بهما هو مدرك الحجية، فما لا عمل على طبقه منهم لا معنى لحجيته عندهم».

[40]. مصباح الأصول (ط.ق) ج2، ص16و17 (ط.ج) ج2، ص15: «ظهر بما ذكرناه أنّ الصحيح هو القول الثالث، و هو أنّ حجية القطع من لوازمه العقلية» إلخ.

[41]. كفاية الأصول، ص258 بنفس العبارة.

و في درر الفوائد في الحاشية على الفرائد، الحاشية القديمة، ص484: في التعليقة على قوله: «و ليست طريقيته قابلة للجعل»: «أقول: و ذلك لأنّه كلما كان ضروري الثبوت للشي‏ء كنفسه و ذاتياته و لوازمه، لا يعقل جعله بجعل غير جعل نفس ذلك الشي‏ء بل مجعول بعين جعله، ضرورة أنّ مناط الحاجة إلى الجعل هو الإمكان، و كان كلٌّ من الوجوب و الامتناع مناطاً للغناء، و من المعلوم بداهة أنّ الكاشفية و المرآتية من لوازم القطع و ضروري الثبوت له، فلا يعقل جعلها له بل مجعولة بعين جعله، فلا حاجة إلى تجشّم الاستدلال عليه بالدور أو التسلسل.»

[42]. منتقى الأصول، ج4، ص27: «و أمّا الأثر الثاني: و هو المنجزية، بمعنى استحقاق العقاب على المخالفة، فهل هو ممّا يحكم به العقل أو لا دخل للعقل به؟ … يشكل القول باستحقاق العبد العقاب على مخالفة التكليف المولوي، إذ المراد بالعقاب هو العقاب الأخروي، و هو مما لا يترتب عليه أثر عملي من كفّ الشخص نفسه أو كفّ غيره عن العمل، لانتهاء دور التكليف في الآخرة، و التشفّي مستحيل في حقّه تعالى … و بما أنّ النقل دلّ على ثبوت العقاب فهو ينحصر بأحد طرق ثلاثة: الأول: الالتزام بتجسّم الأعمال و أنّه من لوازمها الذاتية … الثاني: أنّه طريق لتكميل النفس و إيصالها إلى المرتبة الكاملة … الثالث: كونه على طبق المصلحة النوعية للعالم الأخروي، كاختلاف الأشخاص في دار الدّنيا في الأحوال، لكونه على طبق المصلحة النوعية للعالم الدنيوي، و من الواضح أنّ العقاب بأحد هذه الوجوه الثلاثة لا دخل لحكم العقل فيه، بل هو يدور سعةً و ضيقاً و تحديداً لموضوعه مدار الدليل النقلي، إذا لا طريق للعقل إلى إدراك ما يكون من الأعمال سبباً ذاتياً للعقاب، أو إدراك ما هو من طريق كمال النفس، و ما هو على طبق المصلحة النوعية … و جملة القول: أنّ العقاب الثابت بعنوان التأديب – كالعقاب الدنيوي- لا يحكم العقل بثبوته في الآخرة لأنه لغو محض، و الثابت بعنوان آخر من العناوين الثلاثة لا طريق للعقل إليه و لا يكون من موارد حكم العقل و من هنا يظهر: بطلان الالتزام بحكم العقل باستحقاق العقاب و منجزية القطع.‏»

[43]. قد استدلّ عدّةٌ من الأعلام على عدم إمكان جعل الطريقية للقطع بعدم جعل تأليفي بين الشيء و لوازمه:

لا يكون بجعل تشريعي مع إمكان الجعل التكويني: ففي أجود التقريرات (ط.ق): ج‏2، ص4: «إنّها [أي الحجية و الطريقية] في القطع غير قابلة للجعل التشريعي بداهة أنّ الجعل التشريعي إنّما يتعلق بشي‏ء يكون تكوينه بعين تشريعه بعد قابلية المحل له كالوجوب للصلاة و الطريقية للأمارات الظنّية و نحوهما من المجعولات التشريعية، و أمّا الموجودات الخارجية من الجواهر و الأعراض فهي لاتكون مجعولة للشارع بما هو شارع و حيث أنّ الطريقية و الانكشاف إنّما هو ذات القطع و حقيقته كما هو الصحيح أو من لوازمه الذاتيّة فيستحيل تعلق الجعل التشريعي بها لامحالة.»

و راجع حاشية فرائد الأصول لصاحب العروة، ج‏1، ص26، و في ص32.

لا يكون بجعل جاعل لا تكوينا و لا تشريعا:

و في حقائق الأصول، ج‏2، ص6 و 7: في التعليقة على قوله: «و لايخفى أنّ ذلك لايكون»: «بعد ما عرفت من أنّ القطع له آثار مترتبة تعرف أنّه يمتنع أن يكون واحد منها تحت جعل جاعل لا تكويناً و لا تشريعاً؛ أمّا الأوّل فلامتناع تعلقه بالأوّل أعني كونه طريقاً و كاشفاً عن متعلقه لما عرفت من أنّه من لوازمه الذاتيّة التي تكون نفس الذات علّة لها بحيث لا يتوقّف وجودها على أكثر من الذات فاستنادها إلى جعل جاعل خلف … و كذا تعلّقه بكلّ واحد من الإثنين الآخرين بعين الوجه المذكور لما عرفت من استناد الثاني منهما إلى الأول و الثالث إلى الثاني فاستنادهما إلى الجعل خلف أيضاً إلّا أن يكون القائل بالجعل منكراً للزوم الأثر الثاني للأول و الثالث للثاني لكن هذا الإنكار مما لايمكن صدوره ممن له أدنى تأمل في المقام فإنّ العبد إذا علم أنّ مولاه يصرخ و يناديه: «يا فلان نأولني ماء»، و أنّ مولاه عالم بأنّه يسمع صوته كيف لايحكم عقله بحسن عقاب مولاه له على تقدير المخالفة و عدم الاعتناء بأمر مولاه؟ و أنّه بعد حكم عقله بذلك كيف لايحكم عقله أو لاتدعوه فطرته و جبلّته إلى الإتيان بالماء فراراً عن أن يكون مستحقاً للعقاب؟ إنّ هذا لشي‏ء عجاب، و أمّا الجعل التشريعي فأولى بالامتناع لعدم تعلّقه بالأمور الواقعية المستندة إلى أسباب خاصة مضافاً إلى لغويّته و كونه تحصيلاً للحاصل فلاحظ.»

و في أصول الفقه، ج‏2، ص23 و 24: «إن القطع حقيقته انكشاف الواقع لأنّه حقيقة نورية محضة لا غطش فيها و لا احتمال للخطا يرافقها فالعلم نور لذاته نور لغيره فذاته نفس الانكشاف لا أنّه شي‏ء له الانكشاف. و قد عرفتم في مباحث الفلسفة أنّ الذات و الذاتي يستحيل جعله بالجعل التأليفي لأنّ جعل شي‏ء لشي‏ء إنّما يصحّ أن يفرض فيما يمكن فيه التفكيك بين المجعول و المجعول له و واضح أنّه يستحيل التفكيك بين الشي‏ء و ذاته أي بين الشي‏ء و نفسه و لا بينه و بين ذاتياته. و هذا معنى قولهم المشهور الذاتي لايعلّل … و عليه فلا معنى لفرض جعل الطريقية للقطع جعلاً تأليفياً بأيّ نحو فرض للجعل سواء كان جعلاً تكوينياً أم جعلاً تشريعياً فإنّ ذلك مسأوق لجعل القطع لنفس القطع و جعل الطريق لذات الطريق.»

و لكن ناقش في هذا الوجه بعض آخر:

ففي حاشية الكفاية للعلامة، ج‏2، ص179: «منها ما ذكره المصنف) أنّه لايكون بجعل جاعل لعدم جعل تأليفي حقيقة بين الشي‏ء و لوازمه بل عرضاً بتبع جعله بسيطاً و فيه منع اللزوم حقيقة إذ الوصف اعتباري مرفوع عن الخارج حقيقة و الموصوف حقيقي خارجي و لا معنى للملازمة الحقيقية بين حقيقي و اعتباري.»

و في تهذيب الأصول، ج‏2، ص84: «و أمّا ما ذكر من قيام البرهان على امتناع الجعل التأليفي إلخ فيحتاج إلى التفصيل و هو أنّ الكشف من آثار وجود القطع لا من لوازم مهيته، و آثار الوجود مطلقاً مجعولة لأنّ مناط الافتقار إلى الجعل موجود في الوجود و آثاره و عليه فإن أريد من امتناع الجعل، هو الجعل التكويني فلانسلم امتناعه بل لايصح بدونه بناء على أصالة الوجود و مجعوليته، و إن أريد الجعل التشريعي فلو سلّمنا كون هذه العنأوين الثلاثة من لوازم وجوده، فهو صحيحٌ فإنّ الجعل التشريعي لايتعلق بما هو لازم وجود الشي‏ء فلا معنى لجعل النار حارّة تشريعاً لا لأنّ الحرارة من لوازم ذاتها، بل لأنّها من لوازم وجودها المحققة تكويناً بوجود الملزوم، و القطع حسب الفرض طريق تكويني و كاشف بحسب وجوده، و لايتعلق الجعل التشريعي به للزوم اللغوية.»

و قال أيضاً: «إنّ الذاتي في باب البرهان أو الإيساغوجي، ما لاينفك عن ملزومه و لايفترق عنه و القطع قد يصيب و قد لايصيب، و معه كيف يمكن عد الكاشفية و الطريقية من ذاتياته، و القول بأنّه في نظر القاطع كذلك، لايثبت كونها من لوازمه الذاتيّة لأنّ الذاتي لايختلف في نظر دون نظر، و أمّا احتجاج العقلاء فليس لأجل كونه كاشفاً على الإطلاق، بل لأجل أنّ القاطع لايحتمل خلاف ما قطع به و قس عليه الحجّية فإنّ صحة الاحتجاج، من الأحكام العقلائية لا من الواقعيات الثابتة للشي‏ء جزءً أو خارجاً فتلخص إنّ الطريقية و الكاشفية ليست عين القطع و لا من لوازمه و أمّا الحجّية فلاتقصر عنهما، في خروجها عن حريم الذاتيّة، غير أنّ الحجّية تفترق عن الطريقية بأنّها من الأحكام العقلية الثابتة له عند العقلاء، و لأجل ذلك تستغني عن الجعل.»

و راجع أنوار الهداية، ج‏1، ص37 و 38 في التعليقة على قوله: «لعدم جعل تأليفيّ».

[و ردّ عليه ابنه في تحريرات في الأصول، ج‏6، ص21: فقال: «ما في تهذيب الأصول هنا من المناقشة بأنّ القول بكون القطع تكون الكاشفية ذاتية له في نظر القاطع، غير تامّ، لأنّ الذاتي لايختلف باختلاف الأنظار غير جيّد، فإنّ الكاشفية الدائمية هي أن يرى القاطع المعلوم بالعرض، و هذا دائمي الوجود، إلا أنّه ربّما تختلف حكايته عن الواقع، فلا تغفل.»]

و في تحريرات في الأصول، ج‏6، ص20 و 21: «إنّ حقيقة القطع هي ماهيته، و هل يعقل أن تكون الماهية بلا عروض الوجود عين النورانية و الكشف؟! فالكاشفية تعرضه لأجل عروض الوجود، و إلّا فالقطع كيف نفساني، و من الأعراض، و البسائط الخارجية جنسها مضمن في فصلها و بالعكس، و إذا وجد و تحقّق في النّفس يستضاء به، و يترتّب عليه أثره، و هو رؤية المقطوع بالعرض إن كان له مقطوع بالعرض و معلوم بالعرض و يتوجه إلى المشهور أن توصيف القطع و العلم بالكاشفية، إن أريد منه الكشف عن الواقع فهو باطلٌ، لتخلّف العلم عنه في موارد الجهل المركب، فكيف يكون ذاتياً؟! و إن أريد منه أن من هو قاطع يرى المعلوم بالعرض، و هذا دائمي الحصول، فهو أيضاً باطل، لأنّ من المعلوم ما لا معلوم بالعرض له، و يمتنع أن يكون له، كالقطع بامتناع اجتماع النقيضين، و ارتفاعهما، و هكذا، فلا يكون المعلوم بالذات – الّذي هو القطع في كلماتهم- موصوفاً بالكاشفية عن شي‏ء، إذ لا شي‏ء وراء القطع المزبور الّذي هو عين المعلوم بالذات.»

و هنا وجه آخر استدلّ به:

ففي التنقيح للسيد سعيد الحكيم، ج‏1، ص13: في التعليقة على قوله: «و ليس طريقيته قابلة لجعل الشارع إثباتاً أو نفياً»: «إذ الجعل الشرعي إنّما يتناول الأمور الاعتبارية الّتي ليس لها واقع محفوظ وراء الاعتبار، دون الأمور التكوينية و الذاتيات القائمة بنفسها مع قطع النظر عن الاعتبار.»

و ممّن قال بإمكان تعلّق الجعل بالطريقية السيد عبد الأعلى السبزواري فإنّه قال في تهذيب الأصول، ج‏2، ص11: «الظاهر صحّة تعلّق الجعل بجهة الكاشفية أيضاً للتأكيد و إتمام الحجّة، كما يصح ردع الشارع عنها، لأنّ اعتبار الكواشف مطلقاً في الشريعة معلّق على عدم ردع الشارع عنها، فالقاطع و إن كان يرى الواقع باعتقاده و لكن الشارع الحكيم له أن يقول: لا اعتبر الواقع، و لا أريده منك و لا محذور فيه ثم إنّ تحقّق القطع بالنسبة إلى القاطع و جعله له إنّما هو بالجعل البسيط، و هو إيجاده بما يوجب حصوله في النفس من ترتيب المقدمات الدخيلة في حصوله.»

[44]. نهاية الدراية، ج3، ص22: «إنّ استحقاق العقاب مترتّبٌ على مخالفة المولى حيث إنّها هتك لحرمته‏» إلخ.

[45]. هنا عدّة من الأعلام قالوا بكون حجّية القطع جعلية:

ففي بحر الفوائد، (ط.ج): ج‏1، ص24 و 25: «و قد عثرت بعد هذا على كلام لبعض أفاضل مقاربي عصرنا في الفصول في جملة كلام له في باب التّقليد في طيّ أقسام معذوريّة الجاهل، يلتزم في ضمنه بما ذكرنا من الجعلين في مورد القطع بالواقع، حيث قال بعد جملة كلام له فيما عدّه من القسم الثّاني ممّا ذكره ما هذا لفظه: و لاينافي ذلك كون وجوب العمل بالأمارة حين عمله بها واقعيّا أيضاً لأنّ للواقع مراتب باعتبار نفس الفعل، و باعتبار الأحوال الطّارئة على المكلّف ثانية، كلّ مرتبة بالنّسبة إلى سابقها ظاهريّة، فالواجب من الصّلاة مثلاً على المكلّف أوّلاً هو الصّلاة الواقعيّة و إن كان فعليّته مشروطة بمساعدة طريق معتبر عنده عليها، ثمّ أدّى طريقه الواقعي إلى كونها صلاة مطلوبة سواء كان الطّريق معتبراً مطلقاً كالقطع، بأنّ ما قطع بأنّها صلاة واقعيّة ظاهريّة واجبة بالوجوب الظّاهري، فإن طابقت الواقع فهي صلاة واقعيّة واجبة بالوجوب الواقعي أيضاً، فوجوب ما هي صلاة واقعيّة في المرتبة الأولى من الواقع، و وجوب ما قطع بأنّها صلاة واقعيّة في المرتبة الثّانية من الواقع إن غايرت الأولى، و يتداخل الامتثالان على تقدير المطابقة و يتفارقان على تقدير عدمها انتهى ما أردنا نقله من كلامه! … و كيفما كان صريحه كون العلم مجعولاً كالظنّ … و ما في كلام بعض المحقّقين في تعليقاته على المعالم من أنّ العلم طريق شرعاً و عقلاً إن أراد منه أنّ إفاضة الطّريقيّة من الغير، و إن أراد كونه طريقاً عند الشّارع و العقل ذاتاً بالمعنى الّذي عرفته، لا أن يكون بجعل منهما فلا غبار عليه، هذا و لكن صريح كلام أخيه الفاضل في غير موضع من كتابه، كون العلم مجعولاً كالظنّ فراجع إليه حتّى تقف على حقيقة الأمر، و سنتلو عليك بعض كلماته الصّريح في ذلك في مسألة قطع القطّاع.»

و في حاشية فرائد الأصول لصاحب العروة، ج‏1، ص23 و 24: في التعليقة على قوله: «لأنّه بنفسه طريق إلى الواقع»‏: «لا شكّ في كون القطع طريقاً إلى الواقع بمعنى إرادته و كشفه عن الواقع بحيث لايمكن أن يجعله الشارع طريقاً إليه، لأنّه من قبيل إثبات الشي‏ء لنفسه، و لا نفي الطريقية عنه لأنّه من قبيل سلب الشي‏ء عن نفسه، إلّا أنّ تعليل وجوب متابعة القطع مادام موجوداً بذلك غير واضح … و الظاهر أنّ منشأ الشبهة في عدم قابلية القطع لجعل الشارع إثباتاً و نفياً بمعنى الحجّية على ما هو مذهب المصنّف عدم امتياز جهة الكاشفية و جهة الحجّية، فأثبت ما هو من لوازم الجهة الأولى للجهة الثانية، و أين أحدهما من الآخر فتدبّر.»

و في ص24 – 26: «الحقّ أنّ حجيّة القطع من الأحكام المجعولة للعقل و لايحتاج إلى جعل الشارع و لا إلى إمضائه بمعنى تقريره و رضاه به، و لكن يحتاج إلى إمضائه بمعنى عدم الردع عنه فإنّه قابلٌ للردع، فهو حينئذٍ غير قابل للجعل بمعنى إنشاء حجيّته ابتداءً نظير جعل الأدلّة الظنّية، و لا للجعل بمعنى تقريره و إمضائه نظير بناء العقلاء على شي‏ء هو بمرأى و مسمع من المولى و سكوته عنه بحيث يكشف ذلك عن رضاه به و هو في قوّة الجعل أيضاً، لكنّه قابل للجعل بمعنى عدم الردع عن العمل به، و بيان هذا المدّعى يحتاج إلى تمهيد مقدّمة و هي … إذا تمهّد ذلك فنقول: إن أراد بقوله: و ليست طريقيته قابلة لجعل الشارع أنّ كاشفيته غير قابلة للجعل الشرعي فهو كذلك … و إن أراد أنّ حجّيته غير قابلة للجعل كما هو الظاهر بل المتيقّن من مراده، ففيه أنّ العقل لايحكم أزيد من وجوب متابعة القطع لولا ردع الشارع عنه، فإذا جاز للشارع الردع عنه فهو قابل للجعل نفياً، و الحاصل أنّ القطع حجّة يجب متابعته بحكم العقل المستقلّ المولوي أو الإرشادي ما لم‌يمنع الشارع عن العمل به أو يرخّص العمل بغيره من دليل تعبّدي أو أمارة، فلو منع عن العمل به أو جعل طريقاً آخر في قباله فلايحكم العقل حينئذٍ بوجوب متابعته لارتفاع موضوعه.»

ثم قال: «و لهذه الدعوى شواهد في العرف و الشرع يقرّبها إلى الأذهان.»

الشاهد الأول: قال في ص26 و 27: «منها: ما لو أمر المولى عبده بشراء البطّيخ الحلو الجيّد مثلاً و قال: «إعتمد في معرفة أنّه حلو جيّد بقول زيد و لاتعتمد برأيك فإنّه كثير الخطا» فإنّا نجد صحّة هذا التكليف و جعل الطريق الظنّي و منع الطريق العلمي للمصلحة في طريق العقل و العقلاء، و ليس السرّ فيه إلّا ما ذكرنا.»

الشاهد الثاني: قال في ص27: «و منها جواز جعل الطرق و الأمارات في زمان انفتاح باب العلم قطعاً و لم ينكره أحد، و التقريب ما مرّ.»

الشاهد الثالث: قال: «و منها: أنّ الإمام% كان لايحكم بعلم الإمامة في كثير من الموارد بل بما يحصل له بالأسباب الظاهرية، و قد ورد عنه$ إنّما أقضي بينكم بالبيّنات و الأيمان و يعلم منه بمقتضى الحصر أنّه لايحكم بعلم النبوّة المقتضي لعدم خفاء شي‏ء من الأشياء عليه على ما هو مذهب العدليّة، و توجيهه ما ذكر من أنّهم( منعوا عن العمل بعلمهم أو أمروا بالعمل بما يحصل لهم من الأسباب الظاهرية» إلخ.

و أجاب عن هذا الشاهد في بحر الفوائد، (ط.ج): ج‏1، ص26 و 27 فقال: «هذا و لكنك خبير بفساد هذه الشّبهة و انبعاثها من قلّة البضاعة في العلم، لأنّهما [أي النّبي$ و الوصيّ%] بالنّظر إلى ما يرجع إلى أنفسهما ممّا يختصّ بهما كانا يعملان بمقتضى علمهما بالواقع جدّاً، بأيّ وجه حصل، و ليس هنا ما يقضي بخلافه، بل مقتضى الأدلّة ما ذكر، و أمّا بالنّسبة إلى ما يتعلّق بالغير من قبيل الحكم بإسلام المنافق فلم يتخلّفا عن مقتضى الواقع أيضاً، فإنّ الموضوع الواقعي لأحكام الإسلام الدنيوية في ذلك الزّمان هو إظهار الشّهادتين و إن كان المظهر غير معتقد، بل مؤذياً للنّبي$ و عدوّاً له … و أمّا ما لايكون من هذا القبيل كعدم إجراء الحدود و الحكم بمقتضى علمهما بالواقع من الأسباب الإلهيّة فأمره كذلك عند التّأمّل، فإنّا نمنع أولاً من كون إجراء الحدّ و الحكم من أحكام نفس الواقع، بل لعلّ للعلم مدخلاً فيه فيخرج عن الفرض … و ثانياً من كونهما من أحكام الواقع بما هو واقع بعنوانه التجريدي الإطلاقي، و لعلّ لبعض الخصوصيات المتقوّم به المصلحة و لو كان هو الزّمان مدخلاً فيه … و أمّا حكمهما’ في الوقائع بالبيّنة و الأيمان فلايلازم كونه على خلاف علمهما، كيف و لا شاهد له أصلاً، بل التحقيق كونه على طبق الواقع دائماً، ضرورة امتناع جعل الحكم الظاهري في حقّهما كامتناع الأمر بخلاف الواقع في حقّ كلّ أحد» إلخ.

الشاهد الرابع: قال في ص27 و 28: «و منها: منع العمل بالقياس الوارد في الشرع بالأخبار المتواترة مع حكم العقل المستقلّ بوجوب العمل بالظنّ في زمان انسداد باب العلم بمقدّماته المذكورة في بابه بناءً على الحكومة، فقد أشكل عليهم الأمر في إخراج القياس في الغاية و وقعوا في حيص و بيص و تكلّفوا في الجواب بأجوبة كثيرة بعيدة أو ممنوعة، و التحقيق في الجواب هو ما اختاره المصنف هناك من أنّ موضوع حكم العقل بوجوب العمل بالظنّ مختصّ بغير مورد القياس ممّا قد ثبت من الشارع منع العمل به بالخصوص.»

الشاهد الخامس: قال في ص28: «و منها: أنّه قد ثبت في الشريعة جعل ما ليس عندنا طريقاً إلى الواقع طريقاً كخبر الواحد مثلاً و لو كان المظنّون خلافه، و معنى جعله طريقاً تنزيله منزلة الواقع بترتيب آثار الواقع عليه، و لم ينكره أحد من هذه الجهة، و حينئذٍ فأيّ فرق بينه و بين جعل ما هو طريق عندنا غير طريق بمعنى تنزيله منزلة غير الطريق بعدم ترتيب آثار الواقع، و هذا من أوضح الشواهد و خاتمها و اللّه أعلم.»

و في حاشية الكفاية للعلامة، ج‏2، ص177 و 178: «إنّ الإنسان لايصدر عنه فعل و لايقتحم أمراً إلّا عن إذعان لزومه و وجوبه لمكان الإرادة فهذا الحكم الاعتباري الّذي كان الإنسان يعتبره للأمور بما أنّها في الخارج إنّما كان يعتبره لها بما هي معلومة و هو يتوهمها خارجية عينية أي: أنّه كان يعطى للأمر المعلوم بما هو معلوم حكم الأمر الخارجي بما هو موجود في الخارج و للعلم حكم الخارج، و هذا هو الاعتبار فمطلق وجوب الجري على وفق الأحكام الخارجية الّذي ينحل إليه جميع التكاليف العامة العقلية و الخاصة المولوية ينتقل بحسب الوهم إلى المعلوم أو أنّ وجوب الجري ينتقل إلى مرحلة العلم انتقالاً يضطر الإنسان إلى اعتباره فهذا الوصف الّذي للعلم أعني وجوب الجري على وفقه أعني الحجّية تطرق إليه الاعتبار مرتين إحداهما من حيث نفسه حيث أنّ هذا الوجوب نفسه معنى اعتباري غير حقيقي و اتصاف الخارج بها وهمي لا حقيقي و إن كان الإنسان يصور لهذه المعاني الاعتبارية واقعية في نفس الأمر كما يجد الأمور الحقيقية موجودة ثابتة في الخارج و نفس الأمر و ثانيتهما من حيث إعطاء ما يعتقده حكماً للواقع للعلم و حكم الموجود في ظرف الواقع للمعلوم الموجود في طرف العلم هذا فظهر بذلك أنّ حجّية العلم اعتبارية مجعولة.»

و في ص178 و 179: «و من هنا تبيّن فساد الوجوه التي ذكروها على كون القطع حجّة بالذات غير قابلة للجعل إثباتاً و نفياً، منها: أنّ القطع طريق إلى الواقع كاشف عنه بنفس ذاته إذ القطع من حيث هو قطع مرآة محض لا استقلال له في قبال متعلقه، و فيه: إنّه خلط بين كاشفية القطع و حجّيته إذ الحجّية سواء فسرت بوجوب الجري على وفقه أو كونه قاطعاً للعذر أو كونه وسطاً لإثبات حكم متعلقه معنى اعتباري غير كون القطع انكشاف الواقع كما عرفت» إلخ.

و في بحر الفوائد، (ط.ج): ج‏1، ص27: «هنا شبهات على ما أفاده قدّس سرّه من كون طريقية العلم ذاتيا و معللا بذاته … و منها: أنّه ينافي ما عليه بعض الأصحاب كما حكي من عدم جواز حكم القاضي بعلمه في الجملة، مع أنّه لم يرتكب أمراً غير معقول عند أحد من الفقهاء … و منها: أنّه ينافي ما ذكره غير واحد من الأصحاب، بل هو من المسلّمات عندهم ظاهراً من أنّ الوسواسي القاطع لايعمل بقطعه و لايترتب أحكام الواقع عليه حسماً لمادّة مرضه» لكن أجاب عنهما فراجع.

[46]. قال المحقق الصدر!: هناك نزاعان في باب الحسن و القبح.

أحدهما: النزاع الأشعري المعروف و هو نزاع في كون الحكم بالحسن أو القبح عقليا أو شرعيا، و هذا خارج عن محل الكلام.

الثاني: النزاع بين عموم الفلاسفة و المحققين بعد الفراغ عن أنّ مسألة التحسين و التقبيح عقلية لا شرعية في تشخيص هوية هذه القضايا و نوعها في قائمة الصناعات الخمس من المنطق، و هذا النزاع هو المقصود بالبحث في المقام.

[47]. و قد يورد في المقام: أنّ الظاهر من الحدود المذكورة اختلاف معنى الحسن و القبح عند الفريقين من غير اشتراك بينهما إلّا في التسمية، إذ المعتزلة يقولون بكون الحسن صفة قائمة بالفعل من شأنها استحقاق المدح عليه عند العقل أو عدم ترتّب الذمّ عليه، و كون القبح صفة قائمة به من شأنها استحقاق الذمّ عليه، و الأشاعرة يقولون بكون الحسن عبارة عن كون الفعل ممّا مدح الشارع فاعله، أو حكم بعدم ذمّه، و القبح كونه ممّا ذمّ عليه من غير حصول استحقاق للمدح أو الذمّ في الصورتين، و لا حصول صفة باعثة عليه بعد حكم الشرع أو قبله، فلا جامع ظاهراً بين المعنيين ليكون ذلك المعنى متّفقا عليه عند الفريقين، و يكون الحسن و القبح عبارة عنه ليقع الخلاف في كونه عقليّا أو شرعيّا، بل الخلاف بينهم في معنى الحسن و القبح دون وصفهما كما هو ظاهر عنوان البحث.

و يمكن الجواب عنه: بأنّ الحسن بالمعنى الّذي وقع فيه الخلاف كون الفعل بحيث يترتّب عليه المدح، إذ لا يترتّب الذمّ عليه و القبح كونه يترتّب الذمّ عليه، و لا خلاف بين الفريقين في تفسير الحسن و القبح بالمعنى المذكور، و إنّما الكلام‏ في الحاكم بالمدح و الحاكم بالذمّ؛ فالعدليّة على أنّ المدح إنّما يترتّب عليه بحكم العقل لصفة قائمة به و كذا الذمّ، و الأشاعرة على أنّه إنّما يترتّب عليه بمجرّد حكم الشارع من غير أن يكون لحكم العقل مدخليّة فيه قبل حكم الشرع أو بعده، فالمفهوم المذكور هو القدر الجامع بين المعنيين و إن كان القيد المذكور باعثا على اختلاف الأمرين حسب ما ذكر هنا، و المأخوذ في محلّ النزاع هو القدر المذكور، و هو كاف في المقام. و يمكن أن يجعل النزاع في إثبات الحسن و القبح العقليّين و نفيهما، فيكون تفسير الأشاعرة لهما بما مرّ مبنيّا على مذهبهم بعد بنائهم على نفي العقليّين، فتأمّل. هداية المسترشدين، محمد تقي النجفي!، طبع جديد، ج‏3، ص510.

[48]. و الحاصل: أنّ العقل إذا قطع النظر عن جميع ما عداه وجد العلم المذكور حاصلا له، و هو دليل على كونه من الفطريّات الأوّليّات، إذ لو لم يكن كذلك و كان متوقّفا على أحد الأسباب لم يكن حكم العقل به كذلك. هداية المسترشدين، محمد تقي النجفي!، الطبع الجديد، ج‏3، ص514.

[49]. راجع ص118.

.[50] نهاية الدراية، ج3، ص335: «و كذا كون كل مصلحة ملائمة للشخص، و كل مفسدة منافرة له أيضا وجداني يجده كل إنسان عند مساس المصلحة و المفسدة، فلا محالة يحب الإحسان و يكره الاساءة، و هذا كله من الواقعيات، و لا نزاع لأحد فيها.»

[51]. أصول الفقه، ج1، ص219: « ثانيا: أنهما قد يطلقان و يراد بهما الملاءمة للنفس و المنافرة لها … قال القوشجي في شرحه للتجريد عن هذا المعنى: “و قد يعبر عنهما أي الحسن و القبح بالمصلحة و المفسدة فيقال: الحسن ما فيه مصلحة و القبيح ما فيه مفسدة و ما خلا منهما لا يكون شيئا منهما” و هذا راجع إلى ما ذكرنا و ليس المقصود أن للحسن و القبح معنى آخر بمعنى ما له المصلحة أو المفسدة غير معنى الملاءمة و المنافرة فإن استحسان المصلحة إنما يكون للملاءمة و استقباح المفسدة للمنافرة» إلخ.

[52]. قال السيد الروحاني!: التحقيق أن يقال: إنّ النّفس تشتمل على قوى متعددة كالقوة الغضبية و القوة الشهوية، و لكلٍّ من هذه القوى ملائمات و منافرات بالإضافة إليها و بلحاظها، فالانتقام مما يلائم القوة الغضبية و ينافرها عدم الانتقام، و من قوى النّفس القوة العقلية و لها ملائمات و منافرات أيضا؛ فالنفس تدرك أنّ هذا الأمر مما يلائم القوة العقلية و ذلك ينافرها.

و لا يخفى أنّ شأن القوة العاقلة تعديل جميع القوى و تنظيمها بحساب العقل، و عليه فنقول: إنّ العدل يلائم القوة العقلائية و الظلم ينافرها، فمعنى كون حسن العدل و قبح الظلم أمراً عقلياً، أنّ العدل يلائم القوة العقلية و الظلم ينافرها، فالتحسين و التقبيح يرجعان إلى ملائمة القوة العاقلة و منافرتها؛ فكما أنّ‏ الانتقام يلائم القوة الغضبية فالعدل يلائم القوة العقلية.

و مما يشهد لذلك: أأنّ نفرة العقل من الظلم ثابتة و لو لم يرتبط بالإنسان أو بالنظام بأيّ ارتباط، فمثلا لو سمعنا بأنّ أحداً مثّل بغيره و لم يمت لنا ذلك الغير بصلة، و كان تمثيله به في مكان بعيد عن الأنظار بحيث لا يوجب الجرأة من الغير، فلا إشكال في حصول التنفر من هذا العمل بحساب العقل لو كان من دون حقّ و عدم التنفر منه لو كان بحق.

و بالجملة: الّذي نلتزم به حكم العقل بحسن العدل و قبح الظلم بمعنى ملائمة الأول و منافرة الثاني للقوة العاقلة. منتقى الأصول، ج‏4، ص26.

[53]. قال المحقق الصدر!: إنّ هنا مطلبين: أحدهما: حسن الفعل و قبحه، و الآخر: استحقاق العقاب، و قد يختلط أحدهما بالآخر فيتصور أنّ أحدهما عين الآخر فالقبح ما يستحقّ فاعله الذم و العقاب و الحسن ما يستحقّ عليه المدح و الثواب إلا أنّ هذا خطأ، فإنّ الحسن و القبيح معناها ما ينبغي أن يقع و ما لا ينبغي كأمرين واقعيين تكوينيين من دون جاعل، و حينئذ تارة يطبق ذلك على فعل الإنسان نفسه فيقال: أنّه ينبغي في نفسه أو لا ينبغي، و أخرى يطبق على فعل الآخرين و مواقفهم تجاه فاعل القبيح فيقال: أنّ عقابه أو ذمّه مما ينبغي أو لا ينبغي، فاستحقاق العقاب و الثواب تطبيق آخر لنفس الأمر الواقعي المدرك على مواقف الآخرين تجاه فاعل الفعل الحسن أو القبيح فهناك قضيّتان لا قضيّة واحدة.

أما القضية الأولى- فإنّهم أرجعوها إلى قضية قبح الظلم و حسن العدل، و لكن هذه القضية رغم صحة مضمونها فيها خطأ منطقي فإنّ قضية الظلم قبيح يعني أنّه لا ينبغي و الظلم عبارة عن سلب ذي الحق حقه، و هذا يعني افتراض ثبوت الحق في موضوع القضية و هذا الحقّ ليس جعليا إذ الكلام في مدركات العقل العملي التي هي أمور واقعية بحسب هذا المسلك، و هذا الحق الواقعي لا معنى له إلا أن يرجع إلى ما ينبغي فعله و ما لا ينبغي، و هذا يعني أنّ الحكم بعدم الانبغاء مأخوذ في الظلم الواقع موضوعا لقضية الظلم قبيح أي لعدم الانبغاء فتكون القضية بشرط المحمول، فلا يمكن أن تكون هذه القضية إلا تجميعا للقضايا الأولية و إشارة إليها، و إلا فالصحيح أن يقال مثلا الخيانة قبيحة و الكذب قبيح و هتك المولى قبيح و هكذا.

و أما القضية الثانية – فقد جعلوها عين القضية الأولى، و قد عرفت أنّها قضية أخرى موضوعها فعل العقلاء و مواقفهم تجاه من صدر منه القبيح.

[54]. أصول الفقه، ج1، ص221: «و الحاصل أنّ الحسن بمعنى الملائم ليس صفة واقعية للأشياء كالكمال‏» إلخ.

[55].قال العلامة الطباطبايي!: … قد عرفت مما تقدم أنّ هذه أحكام و علوم اعتبارية غير حقيقية اضطرنا إلى اعتبارها و جعلها الحوائج الطبيعية و ضرورة الحياة الاجتماعية لا خبر عنها في الخارج عن ظرف الاجتماع، و لا قيمة لها إلا أنها أمور متقررة في ظرف الوضع و الاعتبار يميز بها الإنسان ما ينفعه من الأعمال مما يضره، و ما يصلح شأنه مما يفسده، و ما يسعده مما يشقيه.

و قد ساقت العصبية المذهبية الطائفتين الباحثتين عن المعارف الدينية في صدر الإسلام إلى تقابل عجيب بالإفراط و التفريط في هذا المقام فطائفة- و هم المفوضة- أثبتوا مصالح و مفاسد نفس أمرية و حسنا و قبحا واقعيين هي ثابتة ثبوتا أزليا أبديا غير متغير و لا متبدل و هي حاكمة على الله سبحانه بالإيجاب و التحريم، مؤثرة في أفعاله تكوينا و تشريعا بالحظر و الترخيص فأخرجوه تعالى عن سلطانه، و أبطلوا إطلاق ملكه.

و طائفة- و هم المجبرة- نفت ذلك كله، و أصرّت على أن الحسن في الشي‏ء إنما هو تعلق الأمر به، و القبح تعلق النهي به، و لا غرض و لا غاية في تكوين و لا تشريع، و أن الإنسان لا يملك من فعله شيئا و لا قدرة قبل الفعل عليه كما أن الطائفة الأولى ذهبت إلى أن الفعل مخلوق للإنسان و أن الله سبحانه لا يملك من فعل الإنسان شيئا و لا تتعلق به قدرته.

و القولان- كما ترى- إفراط و تفريط فلا هذا و لا ذاك بل حقيقة الأمر أن هذه و نظائرها أمور اعتبارية وضعية لها أصل حقيقي و هو أن الإنسان- و نظيره سائر الحيوانات الاجتماعية كل على قدره- في مسيره الحيوي الذي لا يريد به إلا إبقاء الحياة و نيل السعادة ناقص محتاج يرفع جهات نقصه و حاجته بأعماله الاجتماعية الصادرة عن الشعور و الإرادة فاضطرّه ذلك إلى أن يصف أعماله و الأمور التي تتعلق بها أعماله في طريق الوصول إلى غاية سعادته و التجنب عن شقائه بأوصاف الأمور الخارجية من حسن و قبح و وجوب و حرمة و جواز و ملك و حق و غير ذلك و يجري فيها نواميس الأسباب و المسببات فيضع في إثر ذلك قوانين عامة و خاصة، و يعتقد لذلك نوعاً من الثبوت الذي يعتقده للأمور الحقيقية حتى يتمّ له بذلك أمر حياته الاجتماعية. تفسير الميزان، العلامة الطباطبائي!، ج7، ص119.

[56]. قال العلامة المظفر!: إنّه ليس كلّ حسن و قبح بالمعنى الثالث موضعاً للنزاع مع الأشاعرة، بل خصوص ما كان سببه إدراك كمال الشي‏ء أو نقصه على نحو كلّي و ما كان سببه إدراك ملائمته أو عدمها على نحو كلّي أيضاً من جهة مصلحة نوعيّة أو مفسدة نوعيّة، فإنّ الأحكام العقليّة الناشئة من هذه الأسباب هي أحكام للعقلاء بما هم عقلاء، و هي الّتي ندّعي فيها أنّ الشارع لا بدّ أن يتابعهم في حكمهم. و بهذا تعرف ما وقع من الخلط في كلام جملة من الباحثين عن هذا الموضوع. أصول الفقه، (ط.النشر الإسلامي)، ج2، ص284.

[57]. قال العلامة المظفر! في السبب الأول: أن يدرك أنّ هذا الشي‏ء كمال للنفس أو نقص لها، فإنّ إدراك العقل لكماله أو نقصه يدفعه للحكم بحسن فعله أو قبحه- كما تقدّم قريباً- تحصيلًا لذلك الكمال أو دفعاً لذلك النقص. أصول الفقه، (ط.النشر الإسلامي)، ج2، ص279.

[58]. قال العلامة المظفر! في السبب الثاني: أن يدرك ملائمة الشي‏ء للنفس أو عدمها إمّا بنفسه أو لما فيه من نفعٍ عامٍّ أو خاصّ، فيدرك حسن فعله أو قبحه تحصيلًا للمصلحة أو دفعاً للمفسدة، و قال! بعد ذلك: و كلّ من هذين الإدراكين- أعني إدراك الكمال أو النقص، و إدراك الملاءمة أو عدمها- يكون على نحوين:

1) أن يكون الإدراك لواقعة جزئيّة خاصّة، فيكون حكم الإنسان بالحسن و القبح بدافع المصلحة الشخصيّة، و هذا الإدراك لا يكون بقوّة العقل، لأنّ العقل شأنه إدراك الأمور الكلّيّة لا الأمور الجزئيّة، بل إنّما يكون إدراك الأمور الجزئيّة بقوّة الحسّ أو الوهم أو الخيال، و إن كان مثل هذا الإدراك قد يستتبع مدحاً أو ذمّاً لفاعله، و لكن هذا المدح أو الذّم لا ينبغي أن يُسمّى عقليّاً، بل قد يُسمّى- بالتعبير الحديث- عاطفيّاً، لأنّ سببه تحكيم العاطفة الشخصيّة، و لا بأس بهذا التعبير.

2) أن يكون الإدراك لأمر كلّي، فيحكم الإنسان بحسن الفعل لكونه كمالًا للنفس كالعلم و الشجاعة، أو لكونه فيه مصلحة نوعيّة كمصلحة العدل لحفظ النظام و بقاء النوع الإنساني، فهذا الإدراك إنّما يكون بقوّة العقل بما هو عقل، فيستتبع مدحاً من جميع العقلاء.

و كذا في إدراك قبح الشي‏ء باعتبار كونه نقصاً للنفس كالجهل، أو لكونه فيه مفسدة نوعيّة كالظلم، فيدرك العقل بما هو عقل ذلك و يستتبع ذمّاً من جميع العقلاء. فهذا المدح و الذمّ إذا تطابقت عليه جميع آراء العقلاء باعتبار تلك المصلحة أو المفسدة النوعيّتين، أو باعتبار ذلك الكمال أو النقص النوعيّين، فإنّه يعتبر من الأحكام العقليّة الّتي هي موضع النزاع.

و هو معنى الحسن و القبح العقليّين الّذي هو محلّ النفي و الإثبات. و تُسمّى هذه الأحكام العقليّة العامّة «الآراء المحمودة» و «التأديبات الصلاحيّة». و هي من قسم القضايا المشهورات الّتي هي قسم برأسه في مقابل القضايا الضروريّات. فهذه القضايا غير معدودة من قسم الضروريّات، كما توهّمه بعض الناس و منهم الأشاعرة كما سيأتي في دليلهم. و قد أوضحت ذلك في الجزء الثالث من «المنطق» في مبادئ القياسات، فراجع‏.

و من هنا يتّضح لكم جيّداً أنّ العدليّة إذ يقولون بالحسن و القبح العقليّين يريدون أنّ الحسن و القبح من الآراء المحمودة و القضايا المشهورة المعدودة من التأديبات الصلاحيّة و هي الّتي تطابقت عليها آراء العقلاء بما هم عقلاء.

و القضايا المشهورة ليس لها واقع وراء تطابق الآراء أي: أنّ واقعها ذلك، فمعنى حسن العدل أو العلم عندهم أنّ فاعله ممدوح لدى العقلاء و معنى قبح الظلم و الجهل أنّ فاعله مذموم لديهم‏.

و يكفينا شاهداً على ما نقول- من دخول أمثال هذه القضايا في المشهورات الصرفة الّتي لا واقع لها إلّا الشهرة و أنّها ليست من قسم الضروريّات- ما قاله الشيخ الرئيس في منطق الإشارات: «و منها: الآراء المسمّاة بالمحمودة، و ربما خصّصناها باسم الشهرة، إذ لا عمدة لها إلّا الشهرة، و هي آراء لو خلّي الإنسان و عقلَه المجرّد و وهمَه و حِسَّه و لم يؤدّب بقبول قضاياها و الاعتراف بها … لم يقض بها الإنسان طاعة لعقله أو وهمه أو حسّه، مثل حكمنا بأنّ سلب مال الإنسان قبيح، و أنّ الكذب قبيح لا ينبغي أن يقدم عليه …» و هكذا وافقه شارحها العظيم الخواجه نصير الدين الطوسي‏!. أصول الفقه، (ط.النشر الإسلامي)، ج2، ص282.

[59]. قال!: و إذا كان هذا الخُلق عامّاً بين جميع العقلاء يكون هذا الحسن و القبح مشهوراً بينهم تتطابق عليه آراؤهم، و لكن إنّما يدخل في محلّ النزاع إذا كان الخُلق من جهة أخرى فيه كمال للنفس أو مصلحة عامّة نوعيّة فيدعو ذلك إلى المدح و الذمّ، و يجب الرجوع في هذا القسم إلى ما ذكرته عن «الخُلقيّات» في المنطق (ج 3 ص20)  لتعرف توجيه قضاء الخلق الإنساني بهذه المشهورات. أصول الفقه، (ط.النشر الإسلامي)، ج2، ص282.

[60]. أصول الفقه، ج‏1، ص226.

[61]. نهاية الدراية، ج3، ص30: «إنّ مواد البرهانيات منحصرة في الضروريات الست، فإنها: إما أوليات‏» إلخ.

[62]. نهاية الدراية، ج3، ص30: «و من الواضح أنّ استحقاق المدح و الذم بالإضافة إلى العدل و الظلم ليس من الأوليات‏» إلخ.

[63].  شرح الإشارات، للمحقق الطوسي!، 1، ص219.

[64]. نهاية الدراية في شرح الكفاية، ج‏3، ص338.

[65]. و امّا عدّ حُكما قضاياى مذكوره را از جمله مقبولات عامّه، غرض ايشان نيست مگر مجرّد تمثيل به مصلحت عامّه و مفسده عامه كه در قبول عموم الناس مدخليت دارند. و اعتبار مصلحت و مفسده در احكام مذكوره منافى ضرورت نتواند بود؛ چه تواند بود كه قضيه واحده از جهتى داخل يقينيّات باشد و از جهت ديگر داخل مقبولات. (سرمايه ايمان، الحكيم اللاهيجي، ص60).

[66]. تحقيق الأصول، ج5، ص108-109.

[67]. مباحث الأصول، ج‏1، ص306.

[68]. مباحث الأصول، ج‏1، ص306. ثم أورد السيد الحائري نفسه على المحقق الإصفهاني بشهادة الوجدان – و إن كنا لا نسلمها – حيث قال: نعم يرد عليه: منع عدم كون الحسن و القبح في كثير من الأمور من الأوّليّات.

فنحن و إن كنا لا نقبل بقانون حسن العدل و قبح الظلم لرجوعهما إلى القضية بشرط المحمول، و لكنّا نرى أنّ حسن كثير من الأمور و قبح كثير منها من الأوّليّات أي: أنّه يكفي تصور الأطراف للجزم بالحسن و القبح و إن أنكره بعض الناس لشبهةٍ حصلت له، أو لما ذكره أستاذنا الشّهيد (رحمه اللّه) خارج الدرس من أنّ بالإمكان ثبوتا أن تكون في الإنسان قوّة تسمى بالعقل العملي تدرك بعض الأشياء كقبح الظلم، و لكنها بحاجة إلى إعدادات و مقدّمات لا بد من طيّها كي توجد تلك القوة المدركة كما في الحواس الظاهرية المدركة لبعض الأشياء الحاصلة بعد استكمال النطفة للإعدادات و المقدّمات.

[69].في التعليقة على فرائد الأصول للسيد عبد الحسين اللاري (1342)، ج‏1، ص، 18 – 21: «إنّ للعلم في عدم معقولية تعلّق الجعل به أشباه و نظائر: [1] منها: الماهيات من حيث هي، فإنّ حيثيّة التجرّد و العراء حتى عن قيد التعرية أمر غير مجعول فيها، بل هو من لوازم عدم تطرّق الجعل و الوجود عليها [2] و منها: لوازم الماهية كالزوجيّة للأربعة، فإنّها أيضاً غير قابلة للجعل، لا نفياً و لا إثباتاً، و لوازم الوجود، كالإحراق للنار، فإنّ وصفيّة الإحراق للنار المجعول أمر منجعل، لا مجعول بجعل علىحدة وراء جعل النار ناراً و خلقها [3] و منها: وجوب المقدّمة بمعنى اللابدّية، فإنّه أيضاً منجعل لا مجعول بجعل وراء الجعل المتعلّق بذيها، سواء كانت المقدّمة من المقدّمات العقليّة أو الشرعية … [4] و منها: اعتبار العلم الإجمالي بوجوب شي‏ء مردّد بين شيئين فصاعداً، كوجوب الصلاة المردّدة بين الظهر و الجمعة في يوم الجمعة، و حرمة الاجتناب عن النجس المشتبه بين شيئين فصاعداً … [5] و منها: اعتبار العمل بالظنّ عند انسداد باب العلم، و بقاء التكليف، و عدم إمكان الاحتياط، فإنّه أيضاً حكم عقليّ غير قابل لجعل الشارع يحكم به العقل بالقهر و جبلّة الطبع و إن كان حكمه بواسطة بقاء خطابه تعالى بعد الانسداد … [6] و منها: اعتبار الاستصحاب و اليد و السوق على القول بأنّ اعتبارها الشارع ليس من باب الجعل و التنزيل، بل إنّما هو من باب البيان لحكم العقل باعتبارها من جهة أنّ قوام نظم العالم و أساس عيش بني آدم عليه، فإنّ هذا النوع من الظنّ أيضاً من الجبلّيّات المقهور عليها الطبع، غير قابل للجعل لا إثباتاً و لا نفياً … [7] و منها: الأحكام الوضعيّة كالشرطيّة و الجزئيّة و المانعيّة و الصحّة و الفساد و الملكيّة و السببيّة و الزوجيّة و الحجّية و التنزيل و الوضع و النصب، إلى غير ذلك ممّا قيل بعدم انحصارها و إحصائها، من الأحكام الوضعيّة المنجعلّة و المنتزعة عن الأحكام الشرعية المجعولة على ما هو التحقيق الذي سيأتي الكلام فيه مفصّلاً إن شاء الله تعالى.»

[70]. شرح الأسماء الحسنى، ص107.

[71]. نهاية الدراية في شرح الكفاية، ج‏3، ص337.

محتوای آکارئون
به اين مطلب امتياز دهيد

اين مطلب را به اشتراك بگذارید

اشتراک گذاری در telegram
اشتراک گذاری در whatsapp
اشتراک گذاری در twitter

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

از شما متشكریم

عضويت شما در سايت با موفقيت انجام شد

5/5

ايميل ها بزودی برای شما ارسال می شوند