فهرست

برای مشاهده فهرست موضوعی اصول از دكمه سمت راست استفاده كنيد

الأمر الأوّل:أقسام القطع

تعريف القطع الطريقي و الموضوعي

إنّ القطع قد يكون طريقاً إلى الواقع و هذه الطريقية تكون عينه و لا يكون له أثر غيرها في الموضوع أو حكمه و يسمّى بالقطع الطريقي.

و قد يؤخذ القطع في الحكم أو موضوع الحكم بحيث يكون له دخل في الموضوع أو الحكم و يسمّى بالقطع الموضوعي، قد مثّل للقطع الموضوعي بالعلم و القطع المأخوذ في ركعات الصلاة الثنائية و الثلاثية والركعتين الأُوليين من الصلوات الرباعية.

و لذلك أفتى فقهاؤنا ببطلان الصلاة في ما إذا شككنا في ركعات الصلاة الثنائية و الثلاثية و الركعتين الأُوليين من الرباعية، و إن كان متذكراً بعد الصلاة أنّ ما أتى به من الركعات ينطبق على وظيفته الواقعية فإنّ الشك في الركعات مبطل للصلاة و لو علم بعد الصلاة بانطباقها على وظيفته واقعاً.

هذا هو المراد من القطع الموضوعي، لا القطع الذي أُخذ في لسان الدليل من دون دخله في ترتّب الحكم كما في قوله تعالى: (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ)([1]) و القطع و التبيّن و إن كان مأخوذاً في لسان الدليل و لكنه ليس دخيلاً في ترتّب الحكم و إنّما أُخذ في الدليل من جهة كونه طريقاً إلى موضوع الحكم.

الفرق بين القطع الموضوعي و الطريقي

ذُكر بينهما فروقاً ثلاثة:

الفرق الأوّل

أنّ القطع في القطع الموضوعي يقع وسطاً لثبوت الحكم و له دخل في ذلك، فإنّه إذا قال الشارع: «مقطوع الخمرية حرام» فلا يمكن الحكم بحرمة هذا المائع ما لم يكن مقطوع الخمرية و الشارب له لا يوصف بارتكاب الحرام و هذا بخلاف القطع الطريقي.([2])

الفرق الثاني

أنّ القطع الطريقي حجة بلا فرق بين خصوصياته لا من جهة القاطع بأن كان قطّاعاً أو غيره و لا،([3]) من جهة المقطوع بأن كان في الأحكام الفرعية أو الأصولية.

و كذلك لا تفرق فيه أسباب حصوله بأن حصل من مقدمات عقلية أو مقدمات نقلية أو من غيرهما كالرمل و الجفر.

و كذلك لا تفرق فيه أزمان حصوله سواء حصل في زمن الانسداد أو حصل في زمن الانفتاح.

ففي كل هذه الخصوصيات لا يمكن جعل الحجّية له و لا الردع عنها.

و أمّا القطع الموضوعي فيمكن للشارع أن يردع أن بعض تلك الخصوصيات و يثبت البعض الآخر فالمتبع في اعتباره مطلقا أو على وجه خاص دليل ذلك الحكم.([4])

الفرق الثالث

أنّ القطع الطريقي تقوم جميع الأمارات الشرعية المعتبرة على القول بانفتاح باب العلم و مطلق الظنون على القول بانسداده مقامه في العمل و كذلك تقوم مقامه بعض الأصول، و أمّا القطع الموضوعي فتقوم مقامه على تفصيل في أقسامه([5]) يجيء إن شاء الله.

الأمر الثاني: أقسام القطع الموضوعي

هنا تقسيمات:

إنّ الأعلام اختلفوا في أقسام القطع الموضوعي فإنّ الشيخ! قسّمه إلى قسمين و صاحب الكفاية! قسّمه إلى ستّة أقسام و المحقّق الخوئي! قسمه إلى ثلاثة أقسام.

التقسيم الأوّل: من الشيخ الأنصاري!

إنّ القطع الموضوعي قد يؤخذ في الموضوع على وجه الصفتية و قد يؤخذ فيه على وجه الطريقية.([6])

هنا تفاسير ثلاثة لما هو المراد من القسمين:

التفسير الأوّل: ما أفاده صاحب الكفاية!

إنّ القطع الموضوعي على وجه الصفتية هو القطع بما هو صفة خاصّة و حالة مخصوصة بإلغاء جهة كشفه و القطع الموضوعي على وجه الطريقية هو القطع المأخوذ في موضوع الحكم بما هو كاشف عن متعلّقه و حاكٍ عنه([7]).

الإيراد عليه

إنّ القطع عين الطريقية و القاطع يراه عين الانكشاف فلايمكن إلغاء جهة كشفه.([8])

التفسير الثاني: ما أفاده المحقّق الحائري!

إنّ القطع الموضوعي على وجه الصفتية هو القطع بما هو كشف تامّ و القطع الموضوعي على وجه الطريقية هو القطع بما هو طريق معتبر و القطع من هذه الحيثية مشترك مع سائر الطرق و الأمارات.([9])

الإيراد عليه

إنّ القطع الموضوعي إذا أُخذ على وجه الطريقية تكون طريقيته ذاتية و تمتاز بذلك عن غير القطع لا أنّه تشترك مع سائر الأمارات في الطريقية.

إيراد المحقّق الإصفهاني! في المقام

و أمّا ملاحظة القطع من حيث إنّه طريق معتبر، فيكون موضوعياً على وجه الكاشفية، و من حيث كشفه الخاصّ فيكون على وجه الصفتية، كما عن بعض الأجلّة!([10]).

فمدفوعة بأنّ الظاهر تقسيم العلم بنفسه و لو بلحاظ حيثياته الذاتية كالأمور المتقدمة([11])، و هذا تقسيم بلحاظ حكمه و هو اعتباره عقلاً.

مع أنّ لازمه ورود الأمارات على الأصول و مسلك الشيخ! حكومتها عليها، فلا يصحّ حمل كلامه! عليه.

و عليه فلا يبقى لأخذ القطع من حيث خصوصية كونه صفة من الصفات القائمة بالشخص معنىً معقول إلّا أخذه من إحدى الجهات المزبورة و لا يقول به أحد.

و أمّا حفظ القطع بمرتبته الأخيرة التي بها يكون القطع قطعاً، و مع ذلك لا تلاحظ جهة كشفه التامّ، فغير معقول، لأن حفظ الشي‏ء مع قطع النظر عمّا به هو هو محال، كحفظ الإنسان بما هو إنسان مع قطع النظر عن انسانيته.

و قد عرفت سابقاً أنّ حقيقة القطع عين الانكشاف لا أنّه شي‏ء لازمه الانكشاف، فملاحظة القطع بنفسه مع قطع النظر عن حيثية كشفه قطع النظر عن حقيقته. كما أن ملاحظة الانكشاف بنفسه من دون ملاحظة انكشاف الشي‏ء غير معقولة، لأن حقيقة الانكشاف مقولة لا يعقل إلا متعلّقة بشي‏ء.

و لا ينافي ذلك كون العلم نوراً لنفسه و نوراً لغيره كما في المتن، فإنّ معنى كونه نوراً لنفسه أنّه عين النور فلا يحتاج في حضوره للنفس إلى حضور آخر، لكن هذا النور عين حضور الغير، كما لا يخفى ذلك على الخبير.

و منه يعلم أنّ إرجاع‏([12]) القطع على وجه الصفتيّة إلى ملاحظته، من حيث إنه نور لنفسه، و على وجه الكاشفية إلى ملاحظته من حيث كونه نوراً لغيره لا وجه له، فإنّ معنى كونه نوراً لنفسه أنّ حقيقته عين النور، و هذا النور عين ظهور الغير، إذ حقيقة الانكشاف حقيقة تعلقية بذاتها، نظير قولهم واجب الوجود لذاته أي: وجوب الوجود عين ذاته، و بهذا الوجه يقال: إنّ الوجود موجود بنفسه أي نفسه هو الوجود، و إلّا فلو فرض ملاحظة الحضور و الوجود الذهني بما هو من دون لحاظ تعلّقه بأمر خاصّ لزم كفاية كلّ حضور و وجود ذهني في ترتّب الحكم مع أنّه ليس كذلك قطعاً.

إلّا أن يلاحظ نفس الحصّة الملازمة للماهية الخاصّة لا الحضور بما هو كلّي، فيكون الحكم مقصوراً ذاتاً على خصوص الحضور و الملازم لحاضر خاصّ و هو الخمر مثلاً.

لكنّه بعيد جداً عن مساق كلام الشيخ الأعظم! فإنّ اعتبار القطع من حيث إنّه صفة خاصّة قائمة بالشخص كما في عبارته هو اعتبار العلم‏ المتقوّم بالمعلوم بالذات، لا خصوص الوجود الذهني.

مضافاً إلى أنّ اعتبار القطع كذلك كالغاء جهة كشفه أصلاً عديم المورد في الشرعيات، و الأمثلة المذكورة في كلام شيخنا العلامة الأنصاري!([13]) غير منطبقة عليه، فإنّ اعتبار اليقين في الأوليين من الرباعية و في الثلاثية و الثنائية ليس قطعاً على القول به إلّا من جهة اعتبار حدّ خاصّ من الكاشف و هو الكاشف التامّ الذي لا يبقى معه تزلزل و احتمال الخلاف في نفس المصلّي، و أين هذا من إلغاء جهة كشفه عن الغير أو مطلقاً.

و كذلك اعتبار العلم بخصوصه في مقام الشهادة، فإنّه من جهة اعتبار أعلى مراتب الكشف، لا إلغاء جهة كشفه عن الغير أو مطلقاً، و كذلك ما جعله ثمرة في آخر كلامه من نذر التصدّق إذا كان ولده حيّاً أو تيقّن بحياته، فإنّ ظاهره أنّ اعتبار اليقين بما هو يقين هو الفارق، لا إلغاء ما به اليقين يقين أو بالغير.

و ربّما يقال‏([14]) في الفرق: بأن المراد من العلم على وجه الصفتية نفس الصورة المتقوّمة بالمعلوم بالذات، و المراد من العلم على وجه الكاشفية تلك الصفة باعتبار كشفها عن المعلوم بالعرض.

و يندفع: بأنّ ملاحظة تلك الصورة المتقوّمة بالمعلوم بالذات عين ملاحظة كشفها الذاتي، و أمّا ما في الخارج فهو مكشوف بالعرض باعتبار مطابقتها لما في الخارج.

فملاحظة الكشف الذاتي فقط محقّقة للعلم المأخوذ على وجه يكون تمام‏ الموضوع، و ملاحظة الكشف العرضي معه محقّقة للعلم المأخوذ على وجه الجزئيّة للموضوع.

و منه يندفع أيضا توهّم‏([15]) أنّ العلم المأخوذ على وجه الكاشفية لا يتصوّر فيه التمامية و يتمحّض في الجزئية.

و منشأ هذه الأوهام تخيّل أنّ العلم له إضافة إلى ما في الخارج، فملاحظته بماله من الإضافة مصحّحة لاعتبار كاشفيته عن الغير، و عدم ملاحظة إضافته معنىً إلغاء جهة كشفه.

مع أنّ الإضافة المقولية إلى ما في الخارج ليست من لوازم العلم لإمكان العلم و لا معلوم في الخارج.

و الإضافة الإشراقية مقوّمة له، و طرفها ماهية المعلوم في أفق النفس فقط.

بل الأولى أن يقال: إنّ مراد الشيخ الأجلّ «قدس سره» من التقسيم أنّ المأخوذ في القضية اللّفظية تارة طريق محض لبّاً، و أخرى جزء الموضوع حقيقة، فليس للعلم الموضوعي حقيقة إلّا قسم واحد.

و يؤيّده ما حكي عن بعض نسخ الكتاب([16]) بعد الفراغ عن حكم الشقّ الأوّل من القطع الموضوعي ما لفظه، و يظهر ذلك إمّا بحكم العقل بكون العلم طريقاً محضاً، و إمّا بوجود الأدلّة الأخر على كون هذا الحكم المنوط بالعلم ظاهراً معلّقاً على نفس المعلوم كما في غالب الموارد. انتهى.([17])

التفسير الثالث: ما أفاده المحقّق الخوئي!([18])

القطع الموضوعي على وجه الصفتية هو القطع بما أنّه من الصفات المتأصلة النفسانية و له تحقّق واقعي و القطع الموضوعي على وجه الطريقية هو القطع بما أنّه متعلق بالغير و كاشف عنه.

و الظاهر من كلام الشيخ الأنصاري! هو التفسير الأخير، فإنّ القطع في ما إذا كان دخيلاً في ترتّب الحكم على الموضوع إمّا هو دخيل بما أنّه صفة نفسانية فلابدّ من وجود حالة القطع حتى يترتب الحكم عليه و إمّا هو دخيل بما أنّه كاشف عن المقطوع.

التقسيم الثاني: من صاحب الكفاية!

إنّ صاحب الكفاية! صرّح بأنّ الأقسام أربعة بل جعلها خمسة (على ما نقله السيد المحقّق الصدر! و أشرنا إليه في الهامش) بل ستة، و ذلك لأنّه زاد على ما أفاده الشيخ! من تقسيم القطع الموضوعي أنّ كلاً منهما تارة يكون تمام الموضوع و أُخرى يكون جزء الموضوع فتكون الأقسام أربعة ثمّ قال: إنّ القطع الموضوعي إذا أُخذ على وجه الصفتية قد يكون صفة للقاطع وقد يكون صفة للمقطوع فتكون الأقسام ستة فإنّ القطع الموضوعي على وجه الطريقية على قسمين: إمّا هو تمام الموضوع و إمّا هو جزء الموضوع.

و القطع الموضوعي على وجه الصفتية على أقسام أربعة: إمّا هو تمام الموضوع و إمّا هو جزء الموضوع و كلّ منهما إمّا هو صفة للقاطع و إمّا هو صفة للمقطوع.([19])

إيرادان من المحقّق الخوئي! على تقسيم صاحب الكفاية!

الإيراد الأوّل

إنّ القطع المأخوذ في الموضوع بنحو الطريقية لايمكن أخذه تمام الموضوع لأنّ مرجع ذلك إلى الجمع بين المتناقضين، فإنّ معنى كونه تمام الموضوع هو أنّه لا دخل للواقع في الحكم أصلاً، بل الحكم مترتّب على نفس القطع و لو كان مخالفاً للواقع، و معنى كونه مأخوذاً بنحو الطريقية هو أنّ للواقع دخلاً في الحكم و القطع طريق إليه و الجمع بينهما جمع بين المتناقضين.([20])

الإيراد الثاني

إنّ ما أفاده من أنّ القطع إذا أُخذ على وجه الصفتية قد يكون صفةً للقاطع و أُخرى يكون صفةً للمقطوع لايتمّ، حيث إنّ القطع على وجه الصفتية ليس إلّا صفة للقاطع.

فإن أراد من كونه صفة للمقطوع المقطوع بالذات فهو ليس إلّا صورة ذهنية حاكية عن الخارج فهذا يرجع إلى أخذه صفة للقاطع، لأنّ المعلوم بالذات (الصورة الذهنية) موجود في ذهن القاطع بعين وجود القطع، فأخذ القطع صفة للمعلوم بالذات ليس إلّا عبارة أُخرى عن أخذه صفة للقاطع.

و إن أراد من كونه صفة للمقطوع المقطوع بالعرض أي الموجود الخارجي فيلزم من ذلك كون القطع مأخوذاً في الموضوع على وجه الطريقية لا على وجه الصفتية حيث إنّ القطع حينئذٍ قد تعلّق بالموجود الخارجي و كاشف عنه فإنّ لازم صفتيته للموجود الخارجي هو كونه كاشفاً عنه، و هذا أيضاً جمع بين المتنافيين و خلف الفرض حيث إنّا فرضنا كون القطع مأخوذاً على وجه الصفتية لا الطريقية مع أنّ كونه صفة للمقطوع بالعرض يوجب كونه مأخوذاً على وجه الطريقية لا الصفتية.([21])

فبالنتيجة: إنّ أقسام القطع الموضوعي على نظرية السيّد المحقّق الخوئي! ثلاثة:

القطع الموضوعي المأخوذ على وجه الصفتية و تمام الموضوع، و القطع الموضوعي المأخوذ على وجه الصفتية و جزء الموضوع و القطع الموضوعي المأخوذ على وجه الطريقية و جزء الموضوع.([22])

التقسيم الثالث: من المحقّق الخوئي!

و ذهب المحقّق الخوئي! إلى تثليث التقسيم فذهب إلى أنّ القطع المأخوذ في الموضوع إمّا بنحو الصفتية و إمّا بنحو الطريقية وعلى الأوّل قد يكون تمام الموضوع و قد يكون جزء الموضوع و على الثاني لا يكون إلا جزءا للموضوع فالأقسام ثلاثة. ([23])

 

الأمر الثالث: قيام الأمارات و الأُصول مقام القطع

هنا مقامات ثلاثة:

المقام الأوّل: قيام الأمارات مقام القطع

للقطع أقسام ثلاثة:

إنّ البحث يقع تارة في القطع الطريقي المحض و أُخرى في القطع الموضوعي على وجه الصفتية و ثالثة في القطع الموضوعي على وجه الطريقية.

القسم الأوّل: القطع الطريقي المحض

إنّ أدلّة حجّية الأمارات تدلّ بنفسها على قيام الأمارات مقام القطع الطريقي، لأنّ حجّية الأمارات إن كانت بمعنى الطريقية، فهي موجودة في الأمارات فإنّ حجّيتها بمعنى تتميم كشفها و إن كان بمعنى المنجّزية و المعذّرية أي تنجّز الواقع عند إصابة القطع به و العذر عنه عند مخالفة القطع للواقع فهذا الأثر موجود و مجعول في الأمارات.

القسم الثاني: القطع الموضوعي على وجه الصفتية

إنّ الأمارات لاتقوم مقام القطع الموضوعي على وجه الصفتية، لأنّ المأخوذ في موضوع الحكم في هذا الفرض ليس إلّا صفة نفسانية، و أدلّة الحجّية في الأمارات لاتدلّ على قيامها مقام الصفة النفسانية.

القسم الثالث: القطع الموضوعي على وجه الطريقية

هنا قولان:

القول الأوّل

قال الشيخ الأنصاري و السيّد المجدّد الشيرازي و المحقّق النائيني و المحقّق الخوئي# بقيام الأمارات مقامه.([24])

و سيتّضح الإيراد على هذا القول بعد بيان ما استدلّ  به على القول الثاني.

القول الثاني

قال بعض الأعلام مثل صاحب الكفاية! و المحقّق الإصفهاني! بعدم قيام الأمارات مقام القطع الموضوعي على وجه الطريقية.([25])

فلابدّ من أن نشير إلى استدلال صاحب الكفاية! و المحقّق الإصفهاني!:

استدلال صاحب الكفاية! للقول الثاني([26])

إنّ أدلّة حجّية الأمارات ظاهرة في تنزيل الأمارة منزلة القطع الطريقي المحض بلا كلام، و أمّا ظهورها في تنزيل الأمارة منزلة القطع الموضوعي على وجه الطريقية فهو محلّ الكلام و المدّعى هو عدم الظهور بل إنّ ذلك محال لاستلزامه الجمع بين اللّحاظ الآلي و الاستقلالي المتعلقين بملحوظ واحد في آن واحد.

توضيح ذلك: إنّ القطع الموضوعي على وجه الطريقية هو كسائر ما له دخل في الموضوعات فإنّه لايقوم شيء مقام الموضوعات و ما له دخل فيها إلّا إذا دلّ دليل على تنزيل هذا الشيء منزلة الموضوعات و ما له دخل فيها.

و الدليل القائم على حجّية الأمارات لايمكن أن يتكفّل قيام الأمارات مقام القطع الطريقي المحض و القطع الموضوعي على وجه الطريقية بل يتكفّل أحد التنزيلين، و ذلك لأنّ التنزيل يستدعي ملاحظة المنزَّل و المنزَّل عليه و لحاظهما في أحد التنزيلين آلي و في الآخر استقلالي فإنّ لحاظ الأمارة و القطع عند تنزيل الأمارة منزلة القطع الطريقي المحض لحاظ آلي، لأنّ الأثر مترتّب على الواقع المنكشف بالقطع فاللّحاظ الاستقلالي ليس إلّا لمؤدي الطريق و الواقع المنكشف بالقطع. هذا في القطع الطريقي المحض، و أمّا لحاظ الأمارة و القطع في القطع الموضوعي على وجه الطريقية لحاظ استقلالي، لأنّ الأثر مترتّب على نفس القطع لدخله في الموضوع بنفسه.

ثم إنّ أدلّة حجّية الأمارات تدلّ على قيامها منزلة القطع الطريقي المحض بلا ريب و لا شبهة فالقطع في هذا التنزيل يلاحظ آلياً، و أمّا قيامها مقام القطع الموضوعي على وجه الطريقية فيحتاج إلى نصب دليل آخر على تنزيلها مقامه و هو مفقود في المقام.

فأدلّة حجّية الأمارات ظاهرة في تنزيل الأمارة منزلة القطع في طريقيته.

مناقشتان في استدلال صاحب الكفاية!

المناقشة الأُولى للمحقّق الإصفهاني!([27])

إنّ القطع الطريقي المحض لاينظر إليه و لايلحظ لا آلياً و لا استقلالياً. نعم إنّه في غير حال ملاحظة المقطوع يلحظ استقلالياً، فما أفاده من لزوم الجمع بين المتنافيين و هما اللّحاظ الآلي و الاستقلالي ممّا لايمكن المساعدة عليه.

المناقشة الثانية للمحقّق النائيني! بمقدّماتها الثلاث(2)

إنّ لازم الاستدلال المذكور هو[28]القول بأنّ معنى الحجّية في الأمارات هو تنزيل المؤدى منزلة الواقع حيث قال: الأثر للواقع المنكشف لا القطع الطريقي المحض و لذا يلحظ القطع الطريقي لحاظاً آلياً.

و لكن هذا المبنى باطل و لايلتزم به صاحب الكفاية! أيضاً.

و لتوضيح ذلك أفاد ثلاث مقدّمات لخّصناها.

المقدّمة الأُولى

إنّ للعلم مراتب أربع:

المرتبة الأُولى: هي استعداد النفس و تأثرها من المعدّات لإيجاد صورة في صقعها و هذا هو جهة الانفعال.

المرتبة الثانية: هي أنّه توجد تلك الصورة في عالم الذهن و هذا هو جهة الفعل.

المرتبة الثالثة: هي أنّ النفس تتصف بكونها واجدة لتلك الصورة و الكيفية التي لم‌تكن واجدة لها من قبل و هذا هو جهة الكيفية.

المرتبة الرابعة: هي أنّه توجد إضافة بين تلك الصورة المعلومة بالذات للنفس و بين الموجود الخارجي الذي هو معلوم بالعرض و هذا هو جهة الإضافة.

ثم إنّ للمرتبة الرابعة أيضاً جهتين: انكشاف المعلوم الخارجي لدى النفس و عقد القلب عليه و البناء على وجوده المترتّب عليه الرغبة أو الهرب منه.

ثم إنّ ما عدا المرتبة الرابعة أُمور تكوينية غير قابلة لأن تنالها يد الجعل، أمّا المرتبة الرابعة فهي في القطع ذاتية غير قابلة للمجعولية، و أمّا في غيره فجعلها بمكان من الإمكان.

و المجعول في الأمارات الجهة الأُولى من المرتبة الرابعة و المجعول في الأُصول المحرزة مثل الاستصحاب الجهة الثانية من المرتبة الرابعة و في كل منهما يكون لأدلّة اعتبارهما (أدلّة اعتبار الأمارات و الأُصول المحرزة) حكومة على الأدلّة الواقعية حكومة ظاهرية لا واقعية.

إنّ الحكومة الواقعية هي مثل حكومة أدلّة لا ضرر و لا حرج و يستفاد منها أنّ الأحكام الشرعية لم‌تجعل في موارد الضرر و الحرج واقعاً و هذا تضييق بحسب الأحكام الواقعية و مثل حكومة قوله%: «لا شك لكثير الشك» هو اختصاص الشك المأخوذ في أدلة الشكوك بغير شكّ من يكثر شكّه فيكون موضوع تلك الأدلّة ضيقاً بحسب الواقع و تكون الحكومة واقعية، فالدليل الحاكم في عرض الدليل المحكوم.

أمّا الحكومة الظاهرية فهي مثل حكومة أدلّة حجّية الأمارات و الأُصول المحرزة حيث إنّها لاتفيد تعميماً أو تضييقاً في الواقعيات بل تلك الأدلّة في طول الواقع و في مرتبة متأخّرة عنه.

المقدّمة الثانية

إنّ تنجيز الواقع عند مصادفة الأمارة أو الأصل للواقع أو المعذّرية عند المخالفة ليسا بمجعولين بأنفسهما، بل هما من اللّوازم العقلية لجعل الحجّية و الطريقية.

المقدّمة الثالثة

إنّه ليس معنى حجّية الطريق مثلاً تنزيل مؤداه منزلة الواقع و لا تنزيل الأمارة منزلة القطع حتّى يكون المؤدّى واقعاً تعبّدياً، أو تكون الأمارة علماً تعبّداً، بداهة أنّ دليل الحجّية لا نظر له إلى هذين التنزيلين أصلاً و إنّما نظره إلى إعطاء صفة الطريقية و الكاشفية للأمارة و جعل ما ليس بمحرز حقيقة محرزاً تشريعاً.

و بعد أن اتّضح ذلك نقول: إنّ ما أفاده صاحب الكفاية! في هذا الاستدلال إنّما يتوقف على كون مفاد أدلّة الاعتبار هو تنزيل المؤدّى منزلة الواقع، و قد عرفت أنّ أدلّة الاعتبار لاتتكفّل إلّا إعطاء صفة الطريقية و المحرزية للأمارة، فيكون حال الأمارة حال القطع الوجداني، غاية الأمر أنّ الطريقية فيه ذاتية و في الأمارة جعلية.

و أمّا تنزيل المؤدّى منزلة الواقع فلازمه هي الحكومة الواقعية و هي مستلزمة للتصويب و كون مؤدّيات الأمارات محكومة بالأحكام الواقعية.

إيرادات أربعة من المحقّق الإصفهاني على بيان المحقّق النائيني” ([29])

إنّ الجواب مبني على مقدّمة و هي أنّ اعتبارات الشارع و مجعولاته التشريعية على ثلاثة أقسام:

أحدها: اعتبار البعث و الزجر و نحوهما، فإنّ الإنشاء بداعي جعل الداعي يصحّح اعتبار الدعوة و يصحّح انتزاع الباعثية منه و هو في الحقيقة إيجاد الداعي اقتضاءً (أي إيجاد الداعوية الإمكانية) بحيث يكون داعياً فعلياً عند انقياد العبد.

فهو في الحقيقية جعل تكويني للداعي الاقتضائي، لكنّه حيث صدر من الشارع بما هو ناظر إلى المصلحة الواقعية فهو جعل تشريعي منه.

ثانيها: اعتبار الملكية و الزوجية و شبههما من الأُمور الوضعية و حقيقتها اعتبار معنى مقولي بحيث لو وجد بوجوده الحقيقي كانت مقولة من المقولات كما حقّقناه في محلّه.

و مثل هذا الاعتبار محقّق للموضوع الّذي يترتّب عليه الآثار و ليس بابه باب التنزيل إذ ليس للملك المقولي أثر عرفي أو شرعي حتّى يكون من باب تنزيل المعتبر منزلة المقولة في الأثر بل تمام ما هو موضوع حقيقي للأثر نفس هذا المعنى المعتبر.

ثالثها: اعتبار المؤدّى واقعاً أو اعتبار الأمارة علماً بإنشاء الحكم المماثل للواقع أو للأثر المترتّب على العلم بعنوان أنّه الواقع أو بعنوان أنّه علم، و بابه باب تنزيل المؤدّى منزلة الواقع في الأثر أو تنزيل الأمارة منزلة العلم في أثره.

ثمّ إنّ المحقّق الإصفهاني! قال: إنّ القسم الأوّل ليس اعتبارياً محضاً حيث إنّه إنشاء بداعي البعث، لا اعتبار البعث ابتداءً و لذلك صرّح بأنّ الإنشاء المذكور جعل تكويني للداعوية الإمكانية.

و القسم الثاني هو وجود اعتباري لمعنى مقولي فهذا القسم اعتباري محض.

و القسم الثالث ليس اعتبارياً محضاً لأنّه جعل الحكم بلسان أنّه الواقع لا اعتبار المؤدّى واقعاً.

 الإيراد الأوّل من المحقّق الإصفهاني على بيان المحقّق النائيني”([30])

إنّ اعتبار الإحراز في مورد الأمارة من القسم الثاني دون الأوّل و هو واضح و دون الأخير فإنّه خلف الفرض إذ المفروض أنّ اعتبار الإحراز (و هو مبنى تتميم الكشف) في قبال التنزيل (و هو مبنى تنزيل المؤدّى منزلة الواقع بإنشاء الحكم المماثل أو تنزيل الأمارة منزلة القطع بإنشاء الحكم المماثل).

و لايصحّ اعتبار المعنى إلّا بلحاظ أثر يترتّب على نفس الاعتبار المذكور، فالاعتبار الّذي هو من القسم الثاني لايصحّ إلّا إذا كان هناك أثر، بحيث يكون نفس الاعتبار موضوعاً له فيكون تحقيقاً لموضوع الأثر لا من باب اعتبار موضوع ذي أثر.

و من الواضح أنّ الإحراز الحقيقي له آثار عقلية و آثار شرعية، أمّا اعتبار الإحراز فلا أثر مجعول له بما هو اعتبار فلايترتّب عليه تلك الآثار العقلية و الشرعية.

توضيح ذلك: إنّ الأثر المترتّب على العلم بما أنّه إحراز حقيقي إمّا أثر عقلي و إمّا أثر شرعي.

و الأثر العقلي مثل التنجّز و استحقاق العقوبة على مخالفة التكليف الواصل و الأثر الشرعي كالحرمة و النجاسة مثلاً المترتّبتين على ذات الخمر أو على الخمر المعلوم.

أمّا الأثر العقلي مثل استحقاق العقاب فإن كان موضوعه مخالفة التكليف المعلوم حقيقة، فاعتبار الإحراز في الأمارة إذا لم‌يستتبع جعل التنجّز شرعاً لايجدي شيئاً حيث لايترتّب أثر على مخالفة التكليف المحرز بالاعتبار، فلايكون الاعتبار محقّقاً لموضوع ذي أثر و لا كاشفاً عن موضوع ذي أثر.

أمّا الأثر الشرعي مثل الحرمة والنجاسة فإن كان موضوعه ذات المعلوم أو المعلوم بما هو معلوم فلايجدي فرض اعتبار الإحراز في الأمارة في ترتّب الأثر الشرعي على مؤدّى الأمارة بل هو اعتبار بلا أثر على الفرض، فلا معنى لكون الاعتبار محقّقاً للموضوع أو كاشفاً عن سعته حتّى لاتحتاج إلى جعل الأثر.

الإيراد الثاني من المحقّق الإصفهاني على بيان المحقّق النائيني” ([31])

إن كان موضوع الأثر العقلي (أي استحقاق العقاب) هو مخالفة التكليف المحرز بالمعنى الأعمّ من الحقيقي و الاعتباري فبابه باب تحقيق الموضوع بنفس اعتبار الإحراز لا باب التنزيل و هكذا إن كان موضوع الأثر الشرعي هو أعمّ ممّا أُحرز حقيقة أو اعتباراً فاعتبار الإحراز هو محقّق للموضوع.

و يرد عليه أنّ الأوّل خلاف ما هو مفروض المحقّق النائيني! من عدم توسعة دائرة الموضوع في مقام الثبوت و الواقع بل التوسعة عنده في مقام الإثبات (و معنى التوسعة في مقام الإثبات هو اعتبار الأمارة بعنوان الإحراز) و لذا قال: إنّ الحكومة ظاهرية لا واقعية.

و أنّ الثاني أيضاً خلاف مفروض المحقّق النائيني! من أنّ الحكومة ظاهرية، بل بناءً على توسعة الموضوع و تعميمه بالنسبة إلى ما أُحرز حقيقة أو اعتباراً يلزم أن يكون دليل حجّية الأمارة و اعتبار الإحراز مقدّماً من باب الورود الحقيقي لا الحكومة الظاهرية.

الإيراد الثالث من المحقّق الإصفهاني على بيان المحقّق النائيني”([32])

إنّ اعتبار المؤدّى واقعاً أو اعتبار الأمارة إحرازاً لايصحّ إلّا على الوجه الثالث (من الوجوه الثلاثة التي ذكرها في المقدمة) من دون لزوم كون الحكومة واقعية.

فإنّ التوسعة أو التضييق عنواني لا حقيقي، فهو جعل الحكم المماثل على طبق المؤدّى بذاته أو بما هو مؤدّى بعنوان أنّه الواقع أو الواقع المعلوم في ظرف الجهل بالواقع من دون لزوم توسعة أو تضييق في الموضوع للحكم الواقعي تحقيقاً أصلاً، فهي حكومة لا ورود و ظاهرية لا واقعية.

ثم إنّ المحقّق الإصفهاني! استظهر([33]) من بعض أدلّة حجّية الأمارات تنزيل المؤدّى منزلة الواقع:

منها قوله%: «نعم» في ما ورد: «أَ فَيُونُسُ بْنُ‏ عَبْدِ الرَّحْمَنِ‏ ثِقَةٌ آخُذُ عَنْهُ مَا أَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ مَعَالِمِ دِينِي؟ فَقَالَ%: نَعَم»([34])‏ فإنّ ذلك يفيد تنزيل ما هو المأخوذ من يونس بن عبد الرحمن منزلة معالم الدين.

و منها: قوله%: «فَمَا أَدَّيَا إِلَيْكَ عَنِّي‏ فَعَنِّي‏ يُؤَدِّيَان‏»([35]) فإنّ الرواية ظاهرة في أنّ ما أدّيا عن الإمام% ينزّل منزلة الواقع.

و منها: آية النبأ([36]) فإنّها تدلّ أيضاً على التنزيل منزلة الواقع، لأنّ الردع على الاعتماد على نبأ الفاسق ليس لأجل رعاية حال المكلّف من حيث عدم تنجّز الواقع بنبأ الفاسق، بل من حيث إنّه يوجب وقوعه في خلاف الواقع و إصابة القوم بجهالة.

أمّا آية النفر([37]) فوجوب التحذّر و إن كان يدلّ على ترتب العقاب على ما أُنذروا لكنّه كما يحتمل أن يكون لتنجّز الواقع بالخبر عنه كذلك يحتمل أن يكون لجعل الحكم المماثل على طبق ما أُنذروا.

و كذا سائر الآيات فإنّها يحتمل فيها التنجيز كما يحتمل فيها جعل الحكم المماثل.

و أمّا السيرة العقلائية فهي على مؤاخذة العبد إذا خالف ما أخبر به الثقة عن تكاليف المولى.

الإيراد الرابع من المحقّق الإصفهاني على بيان المحقّق النائيني” ([38])

إنّ ما ذكره من الجهات المزبورة في صفة العلم كلها باطلة.

فإنّ القطع كيف نفساني له إضافة إلى طرفه إضافة إشراقية، فما تخيّل من أنّ العلم له إضافة مقولية إلى ما في الخارج ليس على ما ينبغي، فإنّ الإضافة المقولية ليست من لوازم العلم لإمكان العلم مع عدم المعلوم في الخارج.

ملاحظات ثلاث على ما أفاده المحقّق الإصفهاني!

الملاحظة الأُولى

إنّ ما أفاده في المقدمة من أنّ البعث جعل تكويني للداعي الاقتضائي ممنوع فإنّ العلّة الفاعلية لإيجاد الداعي الاقتضائي غير العلّة الفاعلية للبعث التشريعي، فالجعل التكويني للداعي الاقتضائي فعل النفس؛ كما أنّ إيجاد المعلوم بالذات هو فعل النفس، و بعبارة أدقّ: إنّ الموجد للصورة المعلومة بالذات هو النفس إلّا أنّ النفس في ما إذا رأت الشيء الخارجي و هو المعلوم بالعرض يوجد في أُفقها المعلوم بالذات، فالعلّة الفاعلية للشيء الخارجي الذي هو المعلوم بالعرض غير العلّة الفاعلية للمعلوم بالذات و هكذا في الداعي.

الملاحظة الثانية

إنّ ما أفاده في المناقشة الثانية و الثالثة تارة على فرض عدم التوسعة في موضوع الأثر الشرعي و العقلي و أُخرى على فرض التوسعة فيه في غاية المتانة و الاستقامة، إلّا أنّ الكلام في تحقّق هذا الفرض و بعبارة أُخرى لابدّ من البحث في توسعة موضوع الأثر العقلي و الشرعي بحسب مقام الإثبات، فحينئذٍ نقول:

إنّ مقتضى التحقيق هو أنّ موضوع الأثر العقلي بحسب مقام الثبوت هو الأعمّ الموسّع فإنّ العقل يدرك موضوع حكمه باستحقاق العقاب و هو مخالفة التكليف المحرز بالمعنى الأعمّ من الحقيقي و الاعتباري، فعلى هذا نفس اعتبار الإحراز محقّق لموضوع حكم العقل باستحقاق العقاب.

و هذا بخلاف موضوع الأثر الشرعي فإنّه في ابتداء الأمر ليس موسّعاً فلايعمّ ما أُحرز اعتباراً أو فقل: إنّه لايعمّ ما اعتبر كونه إحرازاً بل موضوع الحرمة الشرعية ابتداء ليس إلّا ذات المعلوم أو المعلوم بما هو معلوم و ذلك لأنّ مقام الثبوت في موضوع الحكم الشرعي  تابع لاعتبار الشارع فما اعتبره موضوعاً للحكم الشرعي هو الموضوع للأثر الشرعي في مقام الثبوت و حينئذٍ بعد حجّية الأمارة إن استفدنا من أدلّة الحجّية الحرمة الشرعية فيكون الموضوع موسّعاً في مقام الثبوت و هذا لايتصوّر إلّا على مبنى إنشاء الحكم المماثل و أمّا إن استفدنا من أدلّة الحجّية اعتبار الإحراز فقط كما هو فرض كلام المحقّق النائيني! فلا توسعة في موضوع الأثر الشرعي بحسب مقام الثبوت و لذا يرد عليه ما أفاده المحقّق الإصفهاني! من عدم ترتب الأثر الشرعي على اعتبار الإحراز.

نعم إذا قلنا بأنّ موضوع الأثر العقلي في مقام الثبوت أعمّ مما أُحرز حقيقة أو اعتبر إحرازه فيترتّب الأثر العقلي على اعتبار الإحراز و هذا الأثر العقلي هو التنجيز، و حينئذٍ يندفع الإشكال عن مبنى المحقّق النائيني! حيث إنّه لايكون جعل الطريقية و اعتبار الإحراز لغواً بلا أثر، بل يترتّب عليه التنجّز و هذا يكفي لصحّة جعل الطريقية بل لايريد القائل بالطريقية أزيد من هذا.

فتحصّل من ذلك أنّه إذا فسّرنا الحجّية بجعل الطريقية يتفرع عليه تنجيز مؤدّى الأمارة فيندفع الإشكال من مبنى الطريقية.

الملاحظة الثالثة

إنّ ما أفاده من احتمال دلالة آية النفر على التنجيز و ما أفاده من أنّ بناء العقلاء على مؤاخذة العبد إذا خالف ما أخبر به الثقة و أيضاً ما أفاده في غير هذا البحث من أنّ حجّية الظواهر بمعنى تنجيز الواقع([39]) كلّها مبتنية على صحّة مبنى التنجيز و لكنّه مخدوش من جهتين:

الجهة الأُولى: ما أفاده المحقّق الخوئي!([40]) من أنّ الحجّية إن كانت بمعنى التنجّز فيلزم التخصيص في الأحكام العقلية، و ذلك لأنّ العقل يحكم بقبح العقاب بلا بيان فمع قيام الأمارة على الحكم الشرعي يكون التكليف منجّزاً و المكلّف أيضاً يكون مستحقّاً للعقاب و هذا هو مقتضى مبنى التنجيز  والتعذير و حينئذٍ إن قلنا: إنّ الشارع لم‌يعتبر الأمارة بياناً بل اعتبر ترتّب الأثر العقلي فقط و هو التنجّز فيلزم تخصيص قاعدة قبح العقاب بلا بيان بأن يقال: إنّ العقاب بلا بيان قبيح إلّا إذا قامت الأمارة على الحكم الشرعي فالعقاب بلا بيان حينئذٍ حسن و ليس بقبيح فلا مناص حنيئذٍ من أن يقال: إنّ أدلّة حجّية الأمارة تقتضي كونها بياناً إمّا على مبنى الطريقية أو على مبنى جعل الحكم المماثل أو على مبنى جعل المؤدّى منزلة الواقع.

الجهة الثانية: ما أفاده بعض الأساطين>([41]) من أنّ الحجّية إن كانت بمعنى التنجّز فلايصحّ الإفتاء بالحكم الشرعي، لأنّ لازم مبنى التنجيز و التعذير هو ترتّب الأثر العقلي من دون أن تكون الأمارة بياناً للواقع و طريقاً إليه بل مبنى التنجيز و التعذير لم‌يفترض فيه إثبات الحكم الشرعي تعبّداً بل مقتضاه أنّ الحكم الشرعي إن كان مطابقاً لمضمون الأمارة فهو منجّز و إلّا فتكون الأمارة عذراً للمكلّف فلم‌يفترض فيه صدق الخبر و كونه حاكياً عن الحكم الشرعي.

و نحن نلتزم في السيرة العقلائية بمبنى الطريقية حيث إنّ بناءهم على الاعتماد على الطرق و لا بناء لهم على ترتّب الأثر العقلي و هو مؤاخذة العبد و التنجّز من دون اتّخاذ الأمارة طريقاً إلى الواقع كما أنّ حجّية الظواهر أيضاً من هذا القبيل فإنّها من باب الطريقية و لذا يكون الدليل على حجّية الظواهر السيرة العقلائية.

نتيجة البحث إلى هنا: إنّ المحقّق النائيني! أشكل على مبنى جعل المؤدّى منزلة الواقع و التزم بمبنى الطريقية و تبعه في ذلك المحقّق الخوئي!.

و في قباله المحقّق الإصفهاني! التزم بمبنيين: مبنى التنجيز و التعذير و مبنى إنشاء الحكم المماثل (سواء كان بجعل المؤدّى منزلة الواقع أم بجعل الأمارة منزلة القطع) و استشكل مبنى الطريقية و صاحب الكفاية! التزم بمبنى التنجيز و التعذير.

و قد تقدّم أنّ ما أفاده المحقّق النائيني! في تصحيح مبنى الطريقية تامّ و لايرد عليه ما أفاده المحقّق الإصفهاني! كما أنّ ما أفاده المحقّق الإصفهاني! في تصحيح مبنى إنشاء الحكم المماثل أيضاً تامّ، و لايرد عليه ما أورده المحقّق النائيني! و أيضاً لايرد عليه ما أورده المحقّق الخوئي!.

و أمّا مبنى التنجيز و التعذير فهو باطل جزماً و ذلك لما تقدّم.

استدلال المحقّق الإصفهاني! للقول الثاني

إنّ المحقّق الإصفهاني! قد اتّفق مع صاحب الكفاية! في عدم جواز قيام الأمارات مقام القطع الطريقي المحض والقطع الموضوعي على وجه الطريقية و لكنّه استشكل استدلال صاحب الكفاية! و سلك طريقاً آخر فقال([42]): إن كان لسان دليل حجّية الأمارة لسان تنزيل الظنّ منزلة القطع فيمكن تقريب الإشكال بأنّ القطع من المفاهيم ذات الإضافة فهو يتقوم بالمقطوع فثبوت القطع مستلزم لثبوت المقطوع، و هكذا الأمر في الظنّ فإنّ ثبوته أيضاً مستلزم لثبوت المظنون.

فالأمر بترتيب الأثر على الظنّ يمكن أن يكون على وجه الكناية أمراً بترتيب الأثر على لازمه و هو ذات المظنون، كما يمكن أن يكون على وجه الأصالة و الحقيقة أمراً بترتيب الأثر على نفسه.

و لايعقل ملاحظة الظنّ قنطرة للانتقال إلى لازمه و هو ذات المظنون و ملاحظته على وجه الأصالة و الحقيقة في لحاظ واحد، و بعبارة أُخرى: إنّه لايعقل أن تكون القضية الواحدة كنائية و حقيقية و استحالة ذلك نظير استحالة الجمع بين اللّحاظ الآلي و اللّحاظ الاستقلالي.

إن قلت: بعد فرض التلازم بين الظنّ و المظنون لا حاجة إلى الكفاية، بل تدلّ القضية بالمطابقة على ترتيب الأثر على الظنّ و تدلّ بالالتزام على ترتيب الأثر على لازمه و هو ذات المظنون، كما أخبر جداً في قوله: «زيد كثير الرماد» عن كثرة رماده بالمطابقة و عن جوده بالالتزام فهناك قضيتان حقيقيتان: إحداهما بالمطابقة و الأُخرى بالالتزام.

قلت: أولاً: أنّ ثبوت أحد المتلازمين يستلزم ثبوت الآخر، فلامحالة يكون الدالّ على ثبوت أحدهما بالمطابقة دالاً على ثبوت الآخر بالالتزام، سواء كانت الدلالة تصوّرية أم تصديقية بخلاف موضوعية أحدهما لحكم، فإنّها لا تستلزم موضوعية الآخر لذلك الحكم أو لحكم آخر بوجه من الوجوه.

ثانياً: أنّ ما هو لازم لصفتي القطع و الظنّ هو المقطوع بالذات و المظنون بالذات، فإنّ المقطوع بالذات هي الماهية في مرحلة الذهن و هي لا حكم لها.

أمّا الماهية التي لها حكم هي الماهية المقطوعة بالعرض و ليست هي لازم القطع.

و إن كان لسان دليل حجّية الأمارة لسان تنزيل المظنون منزلة المقطوع فنقول في تقريب الإشكال:

إنّ عنواني المقطوع و المظنون عنوانان و وجهان لمتعلّق القطع و الظنّ، فيمكن ملاحظتهما فانيين في ذاتي المقطوع، و المظنون كما يمكن ملاحظتهما بنفسهما.

فتوجيه إشكال صاحب الكفاية! هو أنّ لحاظ العنوانين في ما إذا كانا فانيين في ذات المظنون آلي و فيما إذا كانا ملحوظين بنفسهما استقلالي.

و لكن يجاب عن إشكال صاحب الكفاية! بأنّ الآلية و الاستقلالية في اللّحاظ إنّما يصحّ إذا كان الحكم تارة مرتّباً على ذات المظنون و المقطوع فيكون اللّحاظ آلياً وأُخرى مرتّباً على عنوان المظنون و المقطوع مع أنّ موضوع الحكم جزماً هو ما يكون مظنوناً و مقطوعاً بالحمل الشائع لا ما هو مظنون و مقطوع بالحمل الأوّلي.

التقريب الصحيح للإشكال:

إنّ التنزيل منزلة الواقع إن كان بالإضافة إلى ذات المؤدّى فيكون عنواني المظنون و المقطوع فانيين في ذات المعنون و حينئذٍ شأن عنوان المظنون والمقطوع هو المعرّفية المحضة.

و إن كان التنزيل بالإضافة إلى المؤدّى بما هو مؤدّى منزلة المقطوع بما هو مقطوع (من دون تنزيل لذاته منزلة الواقع) فيكون عنواني المظنون و المقطوع فانيين في معنونهما بما هو معنون (أي الذات القائم بها المبدأ) و حينئذٍ شأن عنواني المظنون والمقطوع هو العنوانية المحضة و الجمع بين المعرفية المحضة و العنوانية المحضة محال لكونه جمعاً بين المتناقضين. ([43])

ملاحظتان على كلام المحقّق الإصفهاني!

أولاً: إنّ ما أفاده من استحالة دلالة قضية واحدة على المعنى الكنائي (و هو من أقسام المجاز) و المعنى الحقيقي مبني على استحالة استعمال اللّفظ في أكثر من معنى واحد، و هكذا ما أفاده من استحالة الجمع بين المعرفية المحضة و العنوانية المحضة مبني على تلك الاستحالة، و لكن على ما سلكناه من عدم استحالة استعمال اللّفظ في أكثر من معنى واحد فلا إشكال في البين.

ثانياً: إنّ لفظ القطع غير مذكور في لسان الدليل و قيام الظنّ مقام القطع لايستفاد من الدلالة المطابقية للدليل، فالدلالة على قيام الأمارة مقام القطع خارجة عن نطاق الدليل بمدلوله المطابقي، فكون القطع تارة طريقياً محضاً و أُخرى موضوعياً على وجه الطريقية لايوجب اختلاف القضية من جهة كونها حقيقية أو كنائية.

و قد تحصّل إلى هنا: أنّه لا إشكال ثبوتاً في دلالة دليل حجّية الأمارة على قيامها منزلة القطع الطريقي المحض و القطع الموضوعي على وجه الطريقية، إلّا أنّه لابدّ من ملاحظة المباني في الحجّية:

فإن قلنا بمبنى الطريقية أو بمبنى جعل الأمارة منزلة القطع بإنشاء الحكم المماثل فتقوم الأمارة مقام القطع الطريقي المحض و القطع الموضوعي على وجه الطريقية.

و إن قلنا بمبنى جعل المؤدّى منزلة الواقع (من دون إنشاء الحكم المماثل) أو بمبنى جعل المؤدّى منزلة الواقع بإنشاء الحكم المماثل أو بمبنى التنجيز و التعذير فلاتقوم الأمارة منزلة القطع الموضوعي على وجه الطريقية، لأنّ دليل الاعتبار على هذه المباني لم‌يعتبر الظنّ قطعاً بل اعتبر مفاد الأمارة (أي المظنون) واقعاً (أي كما في المقطوع) على المبنيين الأوّلين، أو اعتبر ترتّب الأثر العقلي و هو التنجّز على الأمارة الظنّية.

و ثمرة البحث تظهر في بعض المباحث، منها استصحاب الحكم السابق الثابت بالأمارة حيث إنّه يعتبر في جريان الاستصحاب اليقين السابق و الشكّ اللّاحق مع أنّ الحكم السابق ثابت بالأمارة الظنّية فلم‌يتحقّق اليقين السابق حتّى يجري الاستصحاب، و الجواب عن هذا الإشكال هو أنّ الأمارة الظنّية تقوم مقام اليقين الموضوعي الذي اعتُبر في جريان الاستصحاب فقيام الأمارة مقام القطع الموضوعي على وجه الطريقية يوجب وجود مجرى الاستصحاب و جريانه في الحكم السابق الثابت بالأمارة.

فالمختار في هذا البحث قيام الأمارة مقام القطع الطريقي المحض و القطع الموضوعي على وجه الطريقية و عدم قيام الأمارة مقام القطع الموضوعي على وجه الصفتية.

و لهذا البحث ثمرات عملية كثيرة في مقام الفتوى.([44])

المقام الثاني: قيام الأُصول المحرزة مقام القطع

التحقيق قيامها مقام القطع الطريقي المحض و القطع الموضوعي على وجه الطريقية.

و ذلك لأنّ تلك الأُصول ناظرة إلى الواقع و اعتبر فيها اليقين، ففي مثل الاستصحاب اعتبر اليقين تعبّداً لأنّ لسان دليله هو «لاتنقض اليقين بالشكّ» و في مثل قاعدة عدم اعتبار الشكّ في كثير الشكّ، اعتبر إلغاء الشكّ و هكذا في قاعدة عدم اعتبار الشكّ من المأموم عند حفظ إمام الجماعة و بالعكس و هكذا في مثل قاعدتي الفراغ و التجاوز بناء على كونهما من الأُصول المحرزة لا الأمارات فإنّ قاعدة الفراغ تجري عند الشكّ في صحّة العمل بعد الفراغ منه و دليلها موثّقة محمّد بن مسلم عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ% قَالَ: «كُلُّ مَا شَكَكْتَ‏ فِيهِ مِمَّا قَدْ مَضَى فَامْضِهِ كَمَا هُو»([45]) و قاعدة التجاوز تجري عند الشكّ في إتيان الجزء السابق بعد الدخول في الجزء اللّاحق و دليلها صحيحة زرارة عن أبي عبد الله%: «يَا زُرَارَةُ إِذَا خَرَجْتَ‏ مِنْ شَيْ‏ءٍ ثُمَّ دَخَلْتَ فِي غَيْرِهِ فَشَكُّكَ لَيْسَ بِشَيْ‏ء.»([46])

إيراد في المقام

إنّ الشكّ مأخوذ في موضوع الأُصول و حينئذٍ فلو قلنا باعتبارها علماً و يقيناً يلزم اجتماع المتناقضين.

أجوبة ثلاثة عن الإيراد

 الجواب الأوّل: و هو نقضي([47])

إنّ الأمارات أيضاً قد أُخذ في موضوعها الشكّ، أمّا الدليل العقلي على ذلك هو أنّ الإهمال في مقام الثبوت محال و حينئذٍ حجّية الأمارات إمّا أن تكون مع العلم بموافقتها للواقع و هذا مستلزم للّغوية و هو محال و إمّا أن تكون مع العلم بمخالفتها للواقع و هذا تعبّد بالمتناقضين و هو محال أيضاً و إمّا أن تكون مع الشكّ في موافقتها أو مخالفتها للواقع و هذا هو الصحيح من بين الصور، فتعيّن أن يكون موضوع الأمارات هو الشكّ.

أمّا الدليل اللّفظي على ذلك فهو أنّه قد أُخذ الشكّ في موضوع بعض الأمارات مثل قوله تعالى: (فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُون‏)([48]).

الجواب الثاني: و هو أيضاً نقضي([49])

إنّه لو كان هذا جمعاً بين النقيضين لكان جميع موارد التنزيل أيضاً جمعاً بين النقيضين، مثل قوله%: في الفقّاع: «هِيَ خُمَيْرَةٌ [خَمْرَةٌ] اسْتَصْغَرَهَا النَّاسُ»([50]) فإنّ الفقّاع غير الخمر وجداناً و هو عين الخمر و هذا تناقض.

الجواب الثالث: و هو جواب حلّي([51])

إنّه لاتنافي بين الشكّ و العلم هنا، لأنّ الشك وجداني و العلم تعبّدي و لاتنافي بينهما، لا في موارد الأُصول و لا في موارد الأمارات.

استدراك علی قيام الأُصول المحرزة مقام القطع الموضوعي الطريقي([52])

إذا لزم من قيام الأصل المحرز مقام القطع الموضوعي على وجه الطريقية إلغاء موضوعية عنوان القطع فلانلتزم بقيام الأصل المحرز مقامه و ذلك مثل القطع الموضوعي المأخوذ في ركعات صلاة الصبح و المغرب و الركعتين الأُوليين من كلّ صلاة رباعية فلو قلنا بقيام الاستصحاب مقام القطع المذكور يلزم لغوية عنوان القطع لأنّ الاستصحاب جار في جميع موارد الشكّ و نتيجة استصحاب عدم إتيان الركعة المشكوكة البناء على الأقلّ في جميع الموارد.

قال السيّد الجزائري!: «إنّ القطع الموضوعي المأخوذ في الشكّ في ركعات الصلوات الثنائية و الثلاثية و الركعتين الأُوليين من الرباعية هو القطع الموضوعي على وجه الصفتية».([53])

المقام الثالث: قيام الأُصول غير المحرزة مقام القطع

التحقيق عدم قيامها مقام القطع الطريقي المحض و لا مقام القطع الموضوعي على وجه الطريقية لأنّ تلك الأُصول هي وظائف عملية للجاهل بالواقع و ليس من شأنها إحراز الواقع لا وجداناً و لا تعبّداً و ذلك مثل الاحتياط و البراءة العقليتين و الشرعيتين.

و نحن قد التزمنا في الأمارات بأنّ الحجّية فيها إمّا بمعنى الطريقية و إمّا بمعنى جعل المؤدّى منزلة الواقع و إمّا بمعنى إنشاء الحكم المماثل و ليست الحجّية فيها بمعنى التنجّز.

و لكن الحجّية في الأُصول غير المحرزة لايمكن جعلها بمعنى الطريقية لعدم إحرازها للواقع و لا بمعنى جعل المؤدّى منزلة الواقع فإنّ تنزيل المؤدّى مختصّ بالأمارات و لا معنى له في الأُصول غير المحرزة و هكذا لا وجه لجعل الحجّية فيها بمعنى إنشاء الحكم المماثل، بل الحجّية هنا بمعنى التنجيز و التعذير و لا يلزم هنا الإشكال الوارد على مبنى التنجيز و التعذير في الأمارات الشرعية.

التنبيه:أخذ القطع بالحكم موضوعاً لنفس الحكم أو مثله أو ضدّه

هنا أربعة موارد لابدّ أن نشير إليها:

المورد الأوّل: أخذ القطع بالحكم موضوعاً للحكم نفسه

مثال ذلك ما إذا قال الشارع للمكلّف: «إن قطعت بوجوب الصّلاة فالصّلاة واجبة عليك بنفس الوجوب المقطوع به.»

استدلال صاحب الكفاية! علی الامتناع هذا المورد([54])

 استدلّ صاحب الكفاية! على امتناع هذا القسم بأنّه مستلزم للدور.

بيان المحقّق الإصفهاني! لاستدلال صاحب الكفاية!

بداهة أنّ الموضوع لابدّ منه في مرتبة موضوعيّته و تعلّق الحكم به، و المفروض أنّ الموضوع سنخ موضوع لا ثبوت له مع قطع النظر عن حكمه.

و لولا شخص هذا الحكم لا يعقل تعلّق القطع به بشخصه، و تعلّقه بصورة مثله عند الخطأ خلف.

و لولا تعلق القطع به لم يتحقق ما هو مقطوع الوجوب مثلا بشخص هذا الوجوب بالحمل الشائع حتى يكون موضوعا لشخصه، فيلزم توقف الشي‏ء على نفسه.

لأنّ القطع بالحكم متوقف على الحكم، توقف المتعلّق على المتعلّق به، لكنّ الحكم متوقف على القطع توقف الحكم على موضوعه، فيلزم توقف الحكم على نفسه. ([55])

إیراد المحقّق الإصفهاني! علی صاحب الكفاية ! ([56])

و التحقيق: أنّ العلم الموقوف عليه شخص الحكم إذا لوحظ بالإضافة إلى متعلّقه المتقوّم به العلم في مرتبة وجوده في النفس، فمتعلّقه ماهية الحكم دون وجوده، لاستحالة تقوّم العلم بأمر خارج عن أفق النفس، و ليس العلم إلّا وجود الماهية في النفس، إذ الوجود لا يقبل وجوداً آخر، لا من سنخه، و لا من غير سنخه.

و من الواضح أنّ العلم و إن كان متوقفاً على المعلوم بالذات و متأخراً عنه، لكنّه لا توقف لماهيّة الحكم عليه، بل لوجوده فلا دور، لعدم التوقف من الطرفين.

مضافاً إلى عدم التعدّد في الوجود المبني عليه الدور المصطلح عليه.

و إذا لوحظ العلم بالإضافة إلى المعلوم بالعرض و هو المطابق للمعلوم‏ بالذات أي الحكم بوجوده الحقيقي، و الحكم‏ و إن كان متوقفاً بالفرض على العلم توقف المشروط على شرطه، إلّا أنّ شرطه و هو حقيقة العلم كما عرفت لا يتوقف على وجود الحكم بل على ماهيّته.

و منه تعرف أنّه كما لا دور كذلك لا خلف و لا اجتماع المتنافيين من حيث التقدّم و التأخّر الطبعيّين، فإنّ العلم له التأخر الطبعي عن ذات متعلّقه تأخّر العارض عن معروضه و لا تأخّر لمعروضه عنه، و حقيقة الحكم لها التأخّر الطبعي عن حقيقة العلم تأخّر المشروط عن شرطه، لكنّه لا تأخّر للعلم عن حقيقة الحكم، بل عن ماهيّة  المقوّمة له في أفق النفس، فلم يلزم خلف و لا اجتماع المتنافيين.

و لا يخفى عليك أنّ الشرط و إن كان حقيقة العلم المطابق للواقع بحيث يكون المعلوم صورة شخص الحكم لا صورة مثله، إلّا أنّه لا توقف للمعلوم بالذات على المعلوم بالعرض، فلا دور بالواسطة.

و المفروض هنا تحقق الحكم حال تحقق العلم، لأنّ الشرطية لا تقتضي إلّا تحقّق العلم المطابق، سواء كان مطابقه مقارناً له زماناً أو سابقاً عليه أو لاحقاً.

استدلال المحقّق النائيني! علی الامتناع(1)

توضيح كلامه ببيان المحقّق الإصفهاني!

هو أنّ العلم موضوع الحكم لا[57]متعلّقه المطلوب به، و الموضوع لابدّ من أن يكون مفروض الثبوت، فيلزم فرض ثبوت الشي‏ء قبل ثبوته، و هو ملاك الدور المحال. ([58])

إيراد المحقّق الإصفهاني! علی المحقّق النائيني!([59])

و يندفع [مضافاً إلى ما مرّ من الإيراد على المحقّق صاحب الكفاية!] بأنّ مقتضاه فرض ثبوت العلم لا فرض الثبوت المعلوم، و ثبوت العلم لا يقتضي ثبوت المعلوم بالعرض كما عرفت.

مع أنّ ثبوت الشي‏ء فرضاً غير ثبوته التحقيقي، فلا يلزم من فرض ثبوت الشي‏ء هنا ثبوت الشي‏ء قبل ثبوت نفسه، فلا مانع من توقّف ثبوته التّحقيقي‏ على ثبوته الفرضي.

مناقشة صاحب المنتقى فيما أورده المحقّق الإصفهاني!([60])

و يمكن الخدشة في كلا الوجهين:

أمّا الأوّل: فلأنّه إنّما يتمّ لو كان المأخوذ في موضوع الحكم مجرّد العلم به بلا قيد مصادفته للواقع- بأن لم يتعلّق الغرض بالواقع بالمرة-، فإنّه يقال حينئذ:

بأنّ فرض العلم بالحكم لا يلازم فرض الوجود الواقعي للحكم، بل غاية ما يلازم فرض الوجود الذهني له، لأنّه هو متعلّق العلم، و لا ملازمة بين العلم و الواقع بحال.

و أمّا إذا فرض أنّ المأخوذ هو العلم المصادف للواقع، فلا يتمّ ما ذكره لأنّ متعلق العلم و إن لم يكن هو الواقع، بل كان الوجود الذهني للحكم، لكن فرض‏ العلم بهذا القيد ملازم لفرض الوجود الواقعي للحكم، و عليه فيستلزم فرض ثبوت الحكم قبل ثبوته، و هو محذور الدور.

نعم، التقريب المذكور و إن تمّ على ما ذكرناه، لكنّه يكون أخصّ من المدّعى، إذ المدّعى امتناع أخذ العلم بالحكم في موضوع نفس الحكم مطلقاً، أخذ بلا قيد المصادفة أم معه. ثمّ إنّ التقريب المزبور إنّما يفرض في مورد فرض أخذ القطع بالحكم الفعلي المتحقّق- بنحو يساوق الماضوية و خصوصية الفعل الماضي المدّعاة فيه بعد إنكار دلالته على الزمان الماضي و هي خصوصية التحقق-.

و عليه، فلا يتوجه عليه ما أشير إليه أيضاّ في كلام المحقّق الإصفهاني!، بأنّ العلم لا يلازم وجود متعلّقه فعلاً، بل يمكن أن يوجد في المستقبل، فيوجد العلم فعلاً و يوجد متعلّقه استقبالاً، و ذلك لأنّه إنّما يتمّ لو كان متعلّق العلم أمراً استقبالياً لا أمراً فعلياً متحقّقاً كما هو المفروض. فلاحظ.

و أمّا الثاني: فهو غريب الصدور من مثل المحقّق الإصفهاني!، إذ المحقّق النائيني! و إن عبّر بفرض الوجود، لكنّه لا يقصد كون موضوع الحكم هو الوجود الفرضي للشي‏ء المأخوذ في لسان الدليل، بل يقصد أنّ مفاد القضية الشرعية المتكفّلة للحكم الشرعي مفاد الفرض و التقدير، فهي تفيد فرض الحكم عند فرض وجود الموضوع، و مرجع ذلك إلى تعليق نفس وجود الحكم على وجود الموضوع حقيقة، و لذا لا يلتزم بترتّب الحكم فعلاً إلّا عند وجود الموضوع حقيقة و خارجاً، إذن فالمعلّق عليه في الفرض هو الوجود التحقيقي للحكم لا الفرضي، فيلزم المحذور المزبور.

استدلال المحقّق الإصفهاني! علی الامتناع([61])

و التحقيق أنّ جعل الإيجاب واقعاً على طبق ما اعتقده القاطع من الوجوب بحيث لا يكون وجوب واقعاً قبل حصول القطع به من باب الاتفاق ليس فيه محذور الخلف.

بخلاف جعل الوجوب على المعلوم الوجوب بنحو القضيّة الحقيقيّة حتى يصير الحكم فعليّاً بفعليّة موضوعه، فإنّ فيه محذور الخلف إذ يستحيل حصول العلم بالوجوب بوصول هذه القضيّة مع ترتّب الوجوب على العلم بالوجوب كون فعليّة الحكم بفعليّة موضوعه، و المبنيّ على أمر محالٍ محالٌ، فجعل الحكم هكذا محال، بل القسم الأوّل محال من وجه آخر، فإنّ جعل الحكم بعثاً و زجراً لجعل الداعي، و مع فرض العلم بالوجوب من المكلّف يلغو جعل الباعث له، فتدبّر.

استدلال المحقّق الخوئي! علی الامتناع

أمّا أخذ القطع بحكم في موضوع نفس هذا الحكم، فلا ريب في كونه مستحيلاً و مستلزماً للدور، فإنّ القطع المتعلّق بحكم يكون طريقاً إليه لا محالة، إذ الطريقية غير قابلة للانفكاك عن القطع، و معنى كونه طريقاً إلى الحكم فعلية الحكم مع قطع النّظر عن تعلّق القطع به، و معنى كون القطع مأخوذاً في موضوعه عدم كونه فعلياً إلّا بعد تعلّق القطع به، إذ فعلية الحكم تابعة لفعلية موضوعه، و لذا قد ذكرنا- غير مرّة- أنّ نسبة الحكم إلى موضوعه أشبه شي‏ء بنسبة المعلول إلى علّته، فيلزم توقّف فعلية الحكم على القطع به، مع كونه في رتبة سابقة على القطع به، على ما هو شأن الطريق، و هذا هو الدور الواضح.([62])

المورد الثاني: أخذ القطع بالحكم في موضوع مثل هذا الحكم

مثال ذلك ما إذا قال الشارع للمكلّف: «إن قطعت بوجوب الصّلاة فالصلاة واجبة عليك بمثل ذلك الوجوب»

استدلال صاحب الكفاية! على امتناع هذا المورد([63])

إنّه يستلزم اجتماع المثلين، الوجوب الأوّل ما هو متعلّق القطع و الجوب الثاني ما هو مثله، و هذان الحكمان اجتمعا على موضوع واحد واقعاً إلّا ففي عالم الذهن.

مناقشة المحقّق الإصفهاني! في استدلال صاحب الكفاية([64])

إنّ اجتماع المثلين مبنيّ على أن يكون الحكم هو البعث و التحريك الخارجي بخارجيّة منشأ انتزاعه.

و أمّا لو كان الحكم عبارة عن نفس الإرادة و الكراهة، فلا يلزم منه اجتماع المثلين بناء على أصالة الوجود و بقاء حقيقة العرض عند الحركة و الاشتداد، فإنّ ذات الإرادة المقطوع بها باقية عند تأكّدها، فلا يلزم الخلف بانعدامها و لا اجتماع المثلين ببقائها و تأكّدها، و الإرادة الموجودة من الأوّل إلى الآخر موجود واحد مستمرّ ينتزع عنها مرتبة ضعيفة في أوّل أمرها و مرتبة شديدة في آخر أمرها.

و لا يخفى عليك أنّ التحريك التنزيلي المنتزع عن الإنشاء بداعي جعل الداعي و إن كان يصحّ اعتبار الشّدّة و الضعف فيهما([65]) كما في التحريك الحقيقي الخارجي لكن لا بنحو الحركة و الاشتداد، بداهة أنّ الإنشاءين الصادرين لجعل الداعي ليس بينهما اتصال في الوجود الوحداني، كي يجري فيهما الحركة و الاشتداد، و إن كان يختلف قول الطبيعة على أفراد التحريك التنزيلي بالشدة و الضعف، فيقال: إنّ وجوب الصلاة أشدّ و أقوى من وجوب غيرها.

و لو فرض فيما نحن فيه تأكّد الداعي و تأكّد الإرادة و صدور التحريك المنزّل منزلة التحريك الشديد، و سقوط الإنشاء السابق عن كونه محركاً كان خلفاً، و إلّا لكان من اجتماع المثلين.

و أمّا انتزاع البعث الأكيد عقلاً من مجموع الإنشاءين، فلا يلزم الخلف و لا اجتماع المثلين فغير صحيح، لأنّ خارجيّة الأمر الانتزاعي بخارجيّة منشأ انتزاعه و مجموع الإنشاءين واحد بالاعتبار لا بالحقيقية فلا منشأ انتزاع‏([66]) البعث الأكيد حقيقة حتى يتحقّق البعث الأكيد انتزاعاً.

و انتزاع معنى من منشئه ليس جزافاً بل لاقتضاء المنشأ فكان المعنى‏ الانتزاعي موجوداً بالقوّة و منشأ([67]) موجود بالفعل، و نحو وجود الأمر الانتزاعي نحو وجود المقبول بوجود القابل خارجاً و فعليّة، بحيث يكون له نحو وجود يختص به بفعليّة الاعتبار و الانتزاع، و بهذه الملاحظة يكون من الاعتباريات لا من الواقعيات.

و المفروض أنّ المنشأ ليس إلّا الإنشاء بداعي جعل الداعي فقط، و حيث لا منشأ حقيقة لانتزاع البعث الأكيد، فلا هو موجود بوجوده، و لا يعقل انتزاع ما لا منشأ له، فتدبّر جيّدا.

استدلال المحقّق النائيني! علی الامتناع([68])

و أمّا بالنسبة إلى الحكم المماثل، فربّما يقال فيه بالجواز نظراً إلى عدم ترتّب محذور على ذلك إلّا ما يتوهم من استلزامه لاجتماع المثلين و هو لا يكون بمحذور في أمثال المقام أصلاً، فإنّ اجتماع عنوانين في شي‏ء واحد يوجب تأكّد الطلب و أين ذلك من اجتماع الحكمين المتماثلين و قد وقع نظير ذلك في جملة من الموارد كما في موارد النذر على الواجب و أمثاله.

و لكنّ التحقيق هو استحالة ذلك أيضاً فإنّ القاطع بالخمرية مثلاً إنّما يرى الخمر الواقعي و لا يرى الزجر عمّا قطع بخمريته إلّا زجراً عن الواقع فليس عنوان مقطوع الخمرية عنده عنواناً آخر منفكّاً عن الخمر الواقعي و مجتمعاً معه أحياناً حتّى يمكن تعلّق حكم آخر عليه في قبال الواقع كما في موارد اجتماع وجوب الشي‏ء في حدّ نفسه مع وجوب الوفاء بالنذر و أمثاله و مع عدم قابلية هذا العنوان لعروض حكم عليه في نظر القاطع لا يمكن جعله له حتّى يلتزم بالتأكّد في موارد الاجتماع‏.

استدلال المحقّق الخوئي! علی إمكان هذا المورد

و أمّا أخذ القطع بحكم في موضوع حكم آخر مثله، كما إذا قال المولى إذا قطعت بوجوب الصلاة تجب عليك الصلاة بوجوب آخر، فالصحيح إمكانه، و يرجع إلى التأكّد، و ذلك لأنّ الحكمين إذا كان بين موضوعيهما عموم من وجه، كان ملاك الحكم في مورد الاجتماع أقوى منه في مورد الافتراق، و يوجب التأكّد، و لا يلزم اجتماع المثلين أصلاً، كما إذا قال: المولى أكرم كلّ عالم، ثمّ قال: أكرم كلّ عادل، فلا محالة يكون وجوب الإكرام في عالم عادل آكد منه في عالم غير عادل أو عادل غير عالم، و ليس هناك اجتماع المثلين، لتعدّد موضوع الحكمين في مقام الجعل، و كذا الحال لو كانت النسبة بين الموضوعين هي العموم المطلق، فيكون الحكم في مورد الاجتماع آكد منه في مورد الافتراق، كما إذا تعلّق النذر بواجب مثلاً، فإنّه موجب للتأكّد لا اجتماع المثلين، و المقام من هذا القبيل بلحاظ الموضوعين، فإنّ النسبة بين الصلاة بما هي، و الصلاة بما هي مقطوعة الوجوب هي العموم المطلق، فيكون الحكم في مورد الاجتماع آكد منه في مورد الافتراق، و من قبيل العموم من‏ وجه بلحاظ الوجوب و القطع به، إذ قد لا يتعلّق القطع بوجوب الصلاة مع كونها واجبة في الواقع، و القطع المتعلّق بوجوبها قد يكون مخالفاً للواقع، و قد يجتمع وجوب الصلاة واقعاً مع تعلّق القطع به، و يكون الملاك فيه أقوى فيكون الوجوب بنحو آكد.([69])

مناقشة بعض الأساطين> في استدلال المحقّق الخوئي!

ما ذكره يتمّ في موارد نسبة العموم من وجه مثل: أكرم العالم و أكرم الهاشمي، فيتأكّد الحكم في المجمع، و نسبة العموم و الخصوص المطلق، كما إذا نذر صلاةً واجبةً، و لا يتمّ فيما نحن فيه، و السرّ في ذلك أنّ الحكمين في تلك الموارد عرضيّان، و ليس معنى التأكّد حدوث الحكمين ثم اندكاك أحدهما في الآخر، لأنّ اجتماع المثلين حدوثاً غير معقول كذلك، بل المراد أنّه مع ثبوت‏ الدليلين و كون كلّ واحد منهما ذا اقتضاء تامّ، يكشف عن جعل الحكم الواحد في المجمع من أوّل الأمر. أمّا فيما نحن فيه فالحكمان طوليّان، فلابدّ من الحكم المجعول حتّى يتحقّق القطع به ليكون موضوعاً للحكم الثاني، و بمجرّد تحقّق الحكم الأوّل، يمتنع تحقّق الحكم الثاني للزوم اجتماع المثلين آناً ما، و مع الطولية لا معنى للتأكّد.([70])

المورد الثالث: أخذ القطع بالحكم في موضوع ضدّ الحكم المقطوع به

مثال ذلك أن يقول الشارع للمكلّف: «إن قطعت بوجوب الصّلاة فالصّلاة محرّمة عليك».

استدلال صاحب الكفاية! على امتناع هذا المورد([71])

يستلزم منه اجتماع الضدّين، و ما قلناه في المورد الثاني يتوجّه إلى المورد الثالث أيضاً، إلّا أنّ المحذور في المورد الثاني اجتماع المثلين و هنا اجتماع الضدّين على موضوع واحد.

مناقشة المحقّق العراقي!([72]) في ما أفاده صاحب الكفاية

و أمّا ما أفيد من استلزامه حينئذ لمحذور اجتماع الضدّين و لو في الجملة و في بعض الموارد، فيدفعه: طولية الحكمين الموجبة لاختلاف الرتبة بينهما إذ لا محذور حينئذ في أخذه في الموضوع بنفس ذاته بعد عدم حجيته شرعاً.

إیراد المحقّق الخوئي! علی مناقشة المحقّق العراقي!([73])

و أمّا أخذ القطع بحكم في موضوع ضده، كما إذا قال المولى: إذا قطعت بوجوب الصلاة تحرم عليك الصلاة، فقد يقال (القائل المحقّق العراقي!): إنّه لا يلزم منه اجتماع الضدّين، إذ الوجوب قد تعلّق‏ بالصلاة بما هي، و الحرمة قد تعلّقت بها بما هي مقطوعة الوجوب، فيكون الموضوع للحكمين متعدّداً بحسب الجعل، نعم لا يمكن الجمع بينهما في مقام الامتثال، إذ الانبعاث نحو عمل و الانزجار عنه في آنٍ واحد محال، و بعد عدم إمكان امتثالهما لا يصحّ تعلّق الجعل بهما من المولى الحكيم من هذه الجهة. ([74])

استدلال المحقّق الخوئي! على الامتناع

التحقيق لزوم اجتماع الضدّين، إذ الحرمة و إن تعلّقت بالصلاة بما هي مقطوعة الوجوب في مفروض المثال، إلّا أنّ الوجوب قد تعلّق بها بما هي، و إطلاقه يشمل ما لو تعلّق القطع بوجوبها، فلزم اجتماع الضدّين، فإنّ مقتضى إطلاق الوجوب كون الصلاة واجبة، و لو حين تعلّق القطع بوجوبها، و القطع طريق محض، و مقتضى كون القطع بالوجوب مأخوذاً في موضوع الحرمة كون الصلاة حراماً في هذا الحين. و هذا هو اجتماع الضدّين. ([75])

المورد الرابع: أخذ القطع بمرتبة من الحكم في مرتبة أخرى منه أو مثله أو ضدّه‏

و مثال ذلك ما إذا قال الشارع للمكلف: «إن قطعت بوجوب الصّلاة إنشاءً، وجبت عليك فعلًا بنفس ذاك الوجوب‏ أو مثله أو حرمت عليك فعلًا.»

استدلال صاحب الكفاية! علی إمكان هذا المورد

قال صاحب الكفاية! بصحّة أخذ القطع في مرتبة أخرى منه أو مثله أو ضدّه لأنّه بالتوفيق بين مراتب الحكم ترفع محاذير الدور و اجتماع المثلين و اجتماع الضدّين.

بيان المحقّق الإيرواني! في تأیید صاحب الكفاية!

توهم: و قيل: لا يصحّ بعين الوجه الّذي لم يكن يصحّ به أخذ القطع بحكم في موضوع نفس ذلك الحكم.

بيان ذلك: أنّ كلّ مرتبة من الحكم تقوم بما قامت به مرتبته الأخرى، و لا تقوم مرتبة الفعلية بغير ما قامت به مرتبة الإنشاء، و إلّا لم تكن الفعلية فعلية تلك الإنشاء، بل فعلية مرتبة إنشاء قائمة بما قامت به هذه الفعلية، فالإنشاء الّذي يصير بالقطع فعلياّ، إن كان إنشاء هذا الفعلي لزم دخل القطع فيه، كدخله في الفعلية، فيكون القطع بالحكم الإنشائيّ دخيلاً في الحكم الإنشائيّ، و هذا محال، و إن كان إنشاء غير هذا الفعلي، لم يكن ذلك من أخذ القطع بمرتبة من الحكم في موضوع، مرتبة أخرى منه.

الجواب عليه: المختارصحّة أخذ القطع‏ بمرتبة من الحكم في موضوع مرتبة أخرى منه، فيؤثّر القطع المتعلّق بالمصلحة في بلوغها إلى درجة التأثير في الفعلية، و ذلك لأنّ مرتبة الفعلية إنّما تقوم بما قامت به مرتبة الإنشاء، إذا كانت مرتبة الإنشاء علة تامّة للفعلية، أمّا إذا كانت من مجرّد الاقتضاء، فلا محيص من دخل عدم المانع في الفعلية مع عدم دخله في الاقتضاء، و ليكون المقام من ذلك، فيكون القطع مزيلاً للمانع المتمّم لفعلية التأثير.([76])

استدلال المحقّق الإصفهاني! علی إمكان هذا المورد([77])

فإذا كان القطع بالإنشاء الواقعي من متمّمات السبب السابق كان الحكم الفعلي فعليّة ذلك الحكم المنشئ.

و إن كان بنفسه سبباً من غير دخل للمصلحة الداعية إلى الحكم الواقعي كان هذا الحكم مماثلاً للحكم الفعلي الذي كان المورد في سبيل الترقّي و البلوغ إليه.

لكنّه يشكل بأن الإنشاء الذي قطع به السبب لحكم فعلي مماثل: إن كان انشاء بلا داعٍ فهو محال، لأنّه من الأفعال الاختيارية فيستحيل صدوره بلا داعٍ.

و إن كان إنشاء بداعي جعل الداعي فلا محالة إذا قطع به يبلغ مرتبة الفعلية، فيلزم اجتماع الحكمين الفعليّين.

و إن كان إنشاء لغير داعي جعل الداعي من سائر الدواعي، فهو مصداق لذلك الداعي.

فالإنشاء بداعي الإرشاد إرشاد و بداعي الامتحان امتحان، و يستحيل أن ينقلب عمّا هو عليه، فيصير بعثاً حقيقيّاً و حكماً فعليّاً.

فالإنشاء المزبور ليس من مراتب الحكم الحقيقي حتّى يندرج تحت عنوان أخذ القطع بمرتبة من الحكم في مرتبة أخرى منه، أو في مرتبة أخرى من مثله أو من ضدّه.

فإن قلت: هذا إذا أريد من المرتبة مرتبة الإنشاء، و أمّا إذا أريد مرتبة الاقتضاء فلا محذور فيها، لأنّ القطع بالمقتضي لا يستدعي فعليّة مقتضاه، بل يمكن أن يكون المقتضي المقطوع به فاقد الشرط أو واجد المانع، بخلاف المقتضي للحكم المماثل، لإمكان فقدانه للمانع، و وجدانه للشرط.

قلت: المقتضي بمعنى السبب الفاعلي كذلك، لثبوت مقتضاه في مرتبة ذاته، فيتعدّد المقتضى بتعدّد المقتضي، و لكلّ تعيّن، في مرتبة مقتضيه بتعيّن المقتضي.

بخلاف المقتضي بمعنى الغاية الداعية، فإنّ المدعوّ إليه لا ثبوت له في مرتبة ذات غايته، بل الغاية أثر لذيها لا العكس.

و إذ لا ثبوت له في مرتبة الغاية فلا تعيّن له بتعيّن الغاية، كي يتعدّد ذو الغاية بتعدّد الغاية، فلا معنى لأن يقال: إنّ الحكم الفعلي المعلول لعلّة غائيّة مماثل لما لا تعيّن له في مرتبة الغاية الغير الداعية بالفعل، بل لا مدفع للإشكال.

إلّا أن يقال: إنّ الإنشاء بداعي جعل الداعي المقطوع به يمكن أن يكون منوطاً شرعاً بأمر غير حاصل، فلا يبلغه إلى مرتبة الفعلية، بخلاف الحكم الفعلي المماثل، فإنّ مجرّد القطع بالإنشاء المزبور سبب تام له، فلا يلزم اجتماع المثلين، فتدبّر.

استدلال المحقّق الخوئي! علی الإمكان([78])

و أمّا ما ذكره صاحب الكفاية! أخيراً من أنّه يمكن أخذ القطع بمرتبة من الحكم في مرتبة أخرى منه أو من مثله أو من ضدّه- فهو صحيح على مسلكه من أنّ للحكم مراتب أربع: الاقتضاء و الإنشاء و الفعلية و التنجّز، إذ لا محذور في أخذ القطع بحكم إنشائي محض في موضوع حكم فعلي، بلا فرق بين أن يكون الحكم الفعلي هو نفس الحكم الإنشائي الواصل إلى مرتبة الفعلية أو يكون مثله أو ضدّه، و لا يتصوّر مانع من أن يقول المولى: إذا قطعت بأنّ الشي‏ء الفلاني واجب بالوجوب الإنشائي المحض، وجب عليك ذلك الشي‏ء فعلاً، أو حرم عليك فعلاً. و أمّا على المبنى المختار من أنّه ليس للحكم إلّا مرتبتان:

الأولى: مرتبة الجعل و الإنشاء بداعي البعث و التحريك بنحو القضية الحقيقية كقوله سبحانه و تعالى: (وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا).([79])

الثانية: مرتبة الفعلية و الخروج عن التعليق و التقدير بتحقّق موضوعه خارجاً، كما إذا صار المكلّف مستطيعاً، و أمّا الإنشاء لغرض الامتحان أو التهديد أو الاستهزاء و نحوها، فليس من مراتب الحكم، و لا يطلق عليه الحكم أصلاً، و كذا الحال في مرتبة الاقتضاء، إذ مجرّد وجود الملاك للحكم مع وجود مانع من إنشائه لا يستحق إطلاق الحكم عليه، فلا يمكن أخذ القطع بمرتبة الجعل من حكم في موضوع مرتبة الفعلي منه، إذ ليس المراد من القطع المأخوذ في مرتبة الفعلي من الحكم هو القطع بالحكم الثابت لغير القاطع، و إلّا فإمكانه بمكان من الوضوح بلا حاجة إلى فرض تعدّد المرتبة، لصحّة ذلك، و لو مع وحدة المرتبة، كما لو فرض‏ أنّ القطع بوجوب الحجّ على زيد قد أخذ في موضوع وجوبه على عمرو، بل المراد هو القطع بالحكم الثابت لنفس القاطع و حينئذٍ لا يمكن أخذ القطع بمرتبة الجعل من حكم في موضوع مرتبة الفعلي منه، إذ ثبوت الحكم لشخص القاطع جعلاً ملازم لفعليّته، فلا محالة يتعلّق القطع بالحكم الفعلي، و حيث إنّ المفروض دخل القطع في فعليّة الحكم لزم الدور.

توضيح ذلك: أنّ وجوب الحجّ مثلاً- المجعول على المستطيع بنحو القضية الحقيقية- لا يشمل هذا المكلّف، و لا يكون حكماً له إلّا بعد حصول الاستطاعة خارجاً، و إلّا فليس حكماً مجعولاً له، بل هو حكم مجعول لغيره، فلا يمكن تعلّق القطع بشمول الحكم له جعلاً إلّا بعد حصول الاستطاعة له خارجاً، و معه يكون الحكم فعلياً في حقّه، فلو فرض أخذ القطع بالحكم المجعول بنحو القضية الحقيقية في موضوع مرتبة الفعلي منه، لا يعلم بثبوت الحكم له جعلاً إلّا بعد حصول القطع، و حصول القطع به يتوقّف على ثبوته له جعلاً، إذ القطع طريق إلى الحكم، فلابدّ في تعلّقه به من تحقّق الحكم و ثبوته في رتبة سابقة على تعلّق القطع به، و هذا هو الدور.

[1]. سورة البقرة(2):187.

[2] . فرائد الأصول، ج1، ص30.

[3] . و أمثلة ذلك بالنسبة إلى حكم‏ غير القاطع كثيرة، كحكم الشارع على المقلّد بوجوب الرجوع إلى الغير في الحكم الشرعي إذا علم به من الطرق الاجتهاديّة المعهودة، لا من مثل الرمل و الجفر، فإنّ القطع الحاصل من هذه و إن وجب على القاطع الأخذ به في عمل نفسه، إلّا أنّه لا يجوز للغير تقليده في ذلك، و كذلك العلم الحاصل للمجتهد الفاسق أو غير الإماميّ من الطرق الاجتهاديّة المتعارفة، فإنّه لا يجوز للغير العمل بها، و كحكم الشارع على الحاكم بوجوب قبول خبر العدل المعلوم له من الحسّ لا من الحدس، إلى غير ذلك. فرائد الأصول، ج1، ص33.

[4] . فقد يدلّ على ثبوت الحكم لشي‏ء بشرط العلم به، بمعنى انكشافه للمكلّف من غير خصوصيّة للانكشاف، كما في حكم العقل بحسن إتيان‏ ما قطع العبد بكونه مطلوبا لمولاه، و قبح ما يقطع بكونه مبغوضا، فإنّ مدخليّة القطع بالمطلوبيّة أو المبغوضيّة في صيرورة الفعل حسنا أو قبيحا عند العقل لا يختصّ ببعض أفراده. و كما في حكم الشارع‏ بحرمة ما علم أنّه خمر أو نجاسته بقول مطلق‏، بناء على أنّ الحرمة و النجاسة الواقعيّتين إنّما تعرضان مواردهما بشرط العلم- لا في نفس الأمر- كما هو قول بعض‏.

و قد يدلّ دليل ذلك الحكم على ثبوته لشي‏ء بشرط حصول القطع به من سبب خاصّ أو شخص خاصّ، مثل ما ذهب إليه بعض الأخباريين‏: من عدم جواز العمل في الشرعيات بالعلم الغير الحاصل من الكتاب و السنّة، و ما ذهب إليه بعض: من منع عمل القاضي بعلمه في حقوق الله تعالى‏. فرائد الأصول، ج1، ص31 – 32.

[5] . فرائد الأصول، ج1، ص33.

[6]. فرائد الأصول، ج‏1، ص33: «ثم من خواصّ القطع الذي هو طريق إلى الواقع قيام الأمارات الشرعية … بخلاف المأخوذ في الحكم على وجه الموضوعية، فإنه تابع لدليل الحكم‏ فإن ظهر منه أو من دليل خارج‏ اعتباره على وجه الطريقية للموضوع … و إن ظهر من دليل الحكم‏ اعتبار القطع‏ في الموضوع من حيث كونها صفة خاصة قائمة بالشخص» إلخ.

[7]. في كفاية الأصول، ص263: «الأمر الثالث … يؤخذ [القطع] طوراً بما هو كاشف و حاك عن متعلقه و آخر بما هو صفة خاصة للقاطع أو المقطوع به و ذلك لأنّ القطع لما كان من الصفات الحقيقية ذات الإضافة و لذا كان العلم نوراً لنفسه و نوراً لغيره صح أن يؤخذ فيه بما هو صفة خاصة و حالة مخصوصة بإلغاء جهة كشفه أو اعتبار خصوصية أخرى فيه معها كما صحّ أن يؤخذ بما هو كاشف عن متعلقه و حاك عنه.» الخ.

[8]. قال المحقق الصدر!: أمّا بالنسبة إلى تقسيم الشيخ! فقيل: بأنّ القطع الموضوعي دائماً يكون مأخوذاً بما هو كاشف و لا يمكن أخذه بما هو صفة و بقطع النّظر عن حيثية الكشف لأن الكاشفية ذاتية للقطع بل ليس القطع شيئاً زائداً على الكشف ليعقل أخذه بما هو صفة و بقطع النّظر عن كاشفيته، إذن فليس القطع الموضوعي مأخوذاً إلا بنحو الكاشفية. غاية الأمر تارة يكون بنحو تمام الموضوع و أخرى بنحو جزء الموضوع و الواقع جزؤه الآخر.

و كأن المحقق الخراسانيّ! أراد الإجابة على هذا الإشكال بعبارة في الكفاية يحتمل فيها أحد وجهين كلاهما غير تام:

الأول- أنّ العلم كما اشتهر بين الحكماء نور في نفسه و نور لغيره فله جنبتان نورية، فقد تلحظ نوريته لنفسه فيكون صفتياً، و قد يلحظ نوريته لغيره فيكون بنحو الكاشفية.

و فيه- أنّ المقصود أنّ العلم نفسه النور و الظهور فكل شي‏ء يوجد و يظهر في النّفس بالعلم، و أمّا العلم فظهوره بنفسه، و حينئذ إن أريد من أخذ العلم بنحو الصفتية أخذه بما هو حالة حاضرة في النّفس و مع قطع النّظر عن نوريته فما أكثر الأمور غيره من حالات النّفس أيضا كالحب و البغض فيكون الموضوع مطلق ما يحضر في النّفس من المجردات و هو خلاف المفروض، و إن أريد خصوصية النورية فهي عين الكاشفية.

الثاني- أنّ العلم من الصفات الحقيقية- أي المتأصلة لا الاعتبارية- ذات الإضافة- أي ليست كالأعراض تحتاج إلى موضوع فقط بل تحتاج إلى ما تضاف إليه و تتعلق به أيضا- فإنّ أخذ العلم موضوعاً للحكم بقطع النّظر عن إضافته إلى متعلقه كان صفتياً، و إن أخذ بما هو مضاف إلى متعلقه كان على نحو الكاشفية.

و فيه- إن أريد إضافة العلم إلى المعلوم بالذات فإضافته إليه إضافة إشراقية- بحسب مصطلح الحكماء لا مقولية أي: لا تعدد بينهما و لا تغاير إلا بالاعتبار و التحليل- فهي عين العلم و ليس شيئا آخر زائداً عليه، و إن أريد إضافته إلى المعلوم بالعرض خارجاً فهما و إن كانا شيئين و وجودين و لكنه ليست هذه الإضافة من مقومات العلم و لا لازماً فيه بدليل أنّه قد لا يكون مصادفاً للواقع أصلاً، بل في فرض المصادفة أيضاً ليست الإضافة حقيقية بل مجازية، و بالعرض. و سوف يأتي مزيد تعليق على إرادة هذه الإضافة.

و الصحيح في تصوير هذا التقسيم أن يقال: أنّ العلم و إن كان بنفسه انكشافا لكن له ملازمات في الخارج وجودية أو عدمية كراحة النّفس و اطمئنانها و استقرارها و سكونها و غير ذلك، و حينئذ تارة يؤخذ العلم بما لها هذه الخصوصيات الصفتية الموضوعية، و أخرى يؤخذ بما هو انكشاف و ظهور بالذات للمعلوم، و الأول هو الموضوع على نحو الصفتية و الثاني هو الموضوع على نحو الكاشفية.

و إن شئت قلت: إنّ العلم فيه جنبتان: جنبة أنّه انكشاف للعالم، و جنبة أنّه انكشاف فيه أي: انكشاف لغيره، و الخصيصة الثانية ليست مقومة للعلم بدليل ثبوت العلم للباري مع أنّه نفس المنكشف له لا غيره، و عليه فإذا لوحظ العلم بما هو انكشاف في النّفس كان صفتيا، و إذا لوحظ بما هو انكشاف للعالم كان على نحو الكاشفية، و ظاهر دليل أخذ العلم موضوعا أخذه بما هو انكشاف له لا بما هو انكشاف فيه، فهذا التقسيم لا غبار عليه. بحوث في علم الأصول، ج‏4، ص70.

[9]. درر الفوائد، ج2-1، ص331: «و المراد من كونه ملحوظاً على أنّه صفة خاصة ملاحظته من حيث أنّه كشف تامّ» إلخ.

[10]. و هو المحقّق الحائري!.

[11]. التي تقدّمت في كلماته و هي قوله: قلت: لا ريب أن للقطع جهات عديدة:

منها: أنّه عرض، فلو اعتبر في موضوع الحكم بهذا الاعتبار كان سائر الأعراض حالها حاله.

و منها: أنّه من مقولة الكيف، و حينئذ يشاركه جميع أنواع مقولة الكيف إذا اعتبر في الحكم بهذه الحيثية.

و منها: أنّه من نوع الكيف المختصّ بذوات الأنفس، فتشاركه سائر الكيفيات القائمة بالأنفس.

و منها: أنّه كيف نفساني له إضافة إلى طرفه، إضافة إشراقية، فحينئذ يشاركه الظنّ و الاحتمال، بل التصوّر المحض أيضاً.

و منها: أنّه كاشف و طريق كشفاً تصديقياً، فحينئذ يشاركه خصوص الظنّ.

و منها: أنّه كاشف تامّ بحيث لا يبقى بينه و بين المطلوب حجاب، و هذا هو الذي يكون به القطع قطعاً، و لا شبهة في أنّ القطع المأخوذ من حيث الكاشفية و الطريقية يراد به هذه المرتبة الأخيرة من الكشف، دون مطلق الكاشف، و إلّا لعمّ الدليل للظنّ من دون حاجة إلى التنزيل.

[12]. كما في كلمات صاحب الكفاية! و قد نقلناها في الهامش الأول من ص224.

[13]. فرائد الأصول، ج1، ص31 – 33.

[14]. القائل هو المحقق النائيني!. فوائد الأصول، ج3، ص10.

[15]. فوائد الأصول، ج3، ص11.

[16]. بحر الفوائد، (ط ج): ج1، ص40.

[17]. نهاية الدراية في شرح الكفاية، ج‏3، ص46.

[18]. مصباح الأصول (ط. ق): ج2، ص33 و (ط.ج): ج2، ص34: « للعلم جهتان: الأولى- كونه من الصفات المتأصلة و له تحقق واقعي» إلخ.

[19]. في كفاية الأصول، ص263: «الأمر الثالث … و قد يؤخذ [القطع] في موضوع حكم آخر … تارة بنحو يكون تمام الموضوع … و أخرى بنحو يكون جزءه و قيده … و في كل منهما يؤخذ طوراً بما هو كاشف و حاك عن متعلقه و آخر بما هو صفة خاصة للقاطع أو المقطوع به» إلخ.

[20]. في مصباح الأصول (ط. المؤسسة) ج‏2، ص35: «و أما القطع المأخوذ في الموضوع بنحو الطريقية فلايمكن أخذه تمام الموضوع، إذ معنى كونه تمام الموضوع أنّه لا دخل للواقع في الحكم أصلاً، بل الحكم مترتب على نفس القطع و لو كان مخالفاً للواقع و معنى كونه مأخوذاً بنحو الطريقية أنّ للواقع دخلاً في الحكم، و أخذ القطع طريقاً إليه، فيكون الجمع بين أخذه في الموضوع بنحو الطريقية و كونه تمام الموضوع من قبيل الجمع بين المتناقضين.»

[21]. في مصباح الأصول (ط. المؤسسة) ج‏2، ص35: «و أما ما ذكره‏ صاحب الكفاية! من أنّ القطع المأخوذ في الموضوع بنحو الصفتية قد يؤخذ صفة للقاطع و قد يؤخذ صفة للمقطوع به، ففيه: أنّه إن كان المراد من أخذه صفة للمعلوم كونه صفة للمعلوم بالذات- أي الصورة الذهنية الحاكية عن الخارج- فهو يرجع إلى أخذه صفة للقاطع … و إن كان مراده من أخذ القطع صفة للمقطوع به هو أخذه صفة للمعلوم بالعرض- أي الموجود الخارجي- … فهذا ليس إلا لحاظ القطع طريقاً و كاشفاً» إلخ.

[22]. جاء في بحوث في علم الأصول، ج‏4، ص72-73: «و أما بالنسبة إلى تقسيم الكفاية لكل من القسمين إلى ما أخذ تمام الموضوع و ما أخذ جزء الموضوع و الجزء الآخر هو الواقع المنكشف به فقد اعترضت عليه مدرسة المحقق النائيني! بأنّ العلم المأخوذ بنحو الكاشفية لا يكون إلا جزء الموضوع و لا يعقل أخذه بنحو تمام الموضوع لأن معنى كونه تمام الموضوع أنّه لا دخل للواقع في الحكم، و معنى كونه مأخوذاً بنحو الطريقية أنّ للواقع دخلاً في الحكم فالجمع بين الأمرين تناقض.

و الواقع أنّ صاحب هذا الإشكال يفهم من الكاشفية غير ما يريده صاحب التقسيم الرباعي و غير ما افترضه صاحب الإشكال المتقدم، فالكاشفية التي يريدها صاحب التقسيم للعلم الانكشاف الذاتي الحاصل للعلم سواء كان مصادفاً للواقع أم لا، و الكاشفية التي تفترضها مدرسة الميرزا الانكشاف بالعرض و المجاز أي: الإصابة للواقع، فلو أريد أخذ هذه الحيثية العرضية في العلم موضوعا فهذا كما أفيد لا يمكن أن يكون إلا بنحو جزء الموضوع بحسب النتيجة لا تمام الموضوع لأن فرض الإصابة لا يمكن إلا مع فرض وجود الواقع، إلا أنّ هذه الحيثية ليست من مقومات العلم و لا يكون أخذ مفهوم العلم و اليقين في موضوع حكم مساوقاً مع أخذ إصابته للواقع و كاشفيته بهذا المعنى المجازي، بل على العكس يكون مقتضى إطلاق دليل أخذ العلم موضوعاً نفي الكاشفية بهذا المعنى لأنه يقتضي أخذ مطلق العلم سواء كان مطابقاً للواقع أو مخالفاً له، فكما يتمسك بإطلاق العلم بلحاظ مناشئه و أسبابه كذلك يتمسك بإطلاقه من حيث الإصابة و عدم الإصابة.

و هكذا يتّضح أنّه يصح تقسيم القطع الموضوعي إلى الأقسام الأربعة كما أفاد صاحب الكفاية.

نعم أضاف في الكفاية قسماً جديداً للقطع المأخوذ على نحو الصفتية و هو القطع المأخوذ بما هو صفة للمقطوع به حيث قسمه إلى ما يكون على نحو جزء الموضوع أو تمامه.

و فيه: إن أراد من المقطوع به المعلوم بالذات فليس هذا قسما آخر للقطع الصفتي في قبال ما مضى، فان القطع المأخوذ بنحو الصفتية للقاطع تكون خصوصية المعلوم أيضاً مأخوذة فيه و إلا لزم ثبوت الحكم عند القطع بأي شي‏ء من الأشياء، فإضافة العلم إلى معلوم معين كإضافته إلى العالم مأخوذ في موضوع الحكم عليه و إلا كان كل قطع و من كل قاطع محققاً لموضوع الحكم في حق غير القاطع أيضاً، و إن أريد من المقطوع به المعلوم بالعرض فقد عرفت أنّ هذا هو الكاشفية بالمعنى المجازي و الّذي ذكرنا أنّ مفهوم القطع ليس مساوقاً معه؛ على أنّه حينئذ لا يصح تقسيمه إلى ما يكون تمام الموضوع و ما يكون جزء الموضوع لأنّ هذه الإضافة المجازية مساوقة مع الإصابة و لزوم وجود الواقع فلا يكون الحكم ثابتاً من دونه.

و من مجموع ما تقدم يتّضح أنّ كيفية أخذ القطع في موضوع حكم شرعي يعقل بأحد أنحاء خمسة:

1- أخذه بما هو تمام الموضوع.

2- أخذه بما هو صفة جزء الموضوع.

3- أخذه بما هو انكشاف بالذات تمام الموضوع.

4- أخذه بما هو انكشاف بالذات جزء الموضوع.

5- أخذه بما هو انكشاف للواقع بالعرض و المجاز و هو يساوق كونه جزء الموضوع، كما اتّضح أنّ ظاهر أخذه بنحو الكاشفية أخذه بما هو انكشاف بالذات لا بالعرض و المجاز».

[23]. مصباح الأصول، (ط.ج): ج2، ص35 و (ط.ق): ج2، ص34.

[24]. فرائد الأصول، ج‏1، ص33: «فإن ظهر منه أو من دليل خارج‏ اعتباره على وجه الطريقية للموضوع- كالامثلة المتقدمة – قامت الأمارات و بعض‏  الأصول مقامه.»‏

و في تقريرات آية الله المجدد الشيرازي، ج‏3، ص249: «قد يكون على وجه يقوم مقامه الأمارات و بعض الأصول، كما إذا كان جعله موضوعاً للحكم من حيث جهة كشفه عن متعلقه و كونه طريقاً إليه.»

و في فوائد الأصول، ج‏3، ص21: «إعلم أنّ الوجوه أو الأقوال في قيام الطرق و الأمارات و الأصول التنزيلية مقام القطع ثلاثة: … الثالث: قيامها مقام القطع الطريقي مطلقاً و لو كان مأخوذاً في الموضوع، و عدم قيامها مقام القطع الصفتي، و هذا هو الأقوى.‏»

و في مصباح الأصول، ج‏1، ص42: «حال الأصول المحرزة هي حال الأمارات في أنها تقوم مقام القطع الطريقي و القطع المأخوذ في الموضوع بنحو الطريقية.»

و اختار هذا القول أيضاً المحقق العراقي!: قال في نهاية الأفكار، ج‏3، ص23: «و أمّا إن كان القطع مأخوذاً على نحو الطريقية فتقوم مقامه الأمارات على المختار فيها من تتميم الكشف، و أما على القول بتنزيل المؤدى فيها ففي قيامها مقام القطع الموضوعي إشكال، إذ بعد عدم تكفّل دليلها لتتميم كشفها و إثبات كونها علماً بالواقع و لو عنايةً و إدّعاءً لايبقى مجال لقيامها مقامه».

ص24: «ثم إنّ في المقام إشكالاً للمحقق الخراساني! في أصل قيام الأمارات مقام القطع الموضوعي بعد تسليم قيامها مقام القطع الطريقي … و لكنّه كما ترى إذ نقول إنّ ما أفيد إنّما يتم إذا كان التنزيل في موارد الطريقية المحضة متوجهاً إلى نفس الواقع بلحاظ الحكم الشرعي المترتب عليه و إلا فبناء على كون التنزيل فيها راجعاً إلى نفس وصول الواقع و العلم به بلحاظ الآثار العملية المترتبة على وصول الواقعيات على ما هو التحقيق من تتميم الكشف فيها فلا­يرد في البين محذور من إطلاق التنزيل، حيث أنّه من الممكن حينئذٍ كون التنزيل في التعبد بالظنّ ناظراً إلى جهة وصول الواقع و العلم به بلحاظ مطلق الآثار العملية المترتبة عليه بجعل الظنّ بشي‏ء كالعلم به في كونه جارياً مجراه في الوصول الراجع إلى الأمر بالمعاملة معه معاملة العلم من الحركة و الجري العملي على وفقه في أي أثر يقتضيه العلم، إما بموافقة حكم نفسه، و إما بموافقة متعلقه كما لو كان العلم حاصلاً بالوجدان، و بذلك يقوم الظنّ مقام العلم بكلا نحويه بلا ورود محذور في البين، و عدم كون الأثر شرعياً في القطع الطريقي غير ضارّ بصحة إطلاق التنزيل لأنّ شرعيته في طرف المنزل كافية في صحة التنزيل و إن لم‌يكن كذلك في طرف المنزل عليه فتدبّر».

[25]. و ممن اختار هذا القول المحقق الإصفهاني! و سيأتي منّا في ص254 عند ذكر نظرية المحقق الإصفهاني! حول قيام الأمارات مقام القطع الموضوعي على وجه الطريقية:

«إنّ المحقق الإصفهاني! قد يتفق مع صاحب الكفاية! في عدم جواز قيام الأمارات مقام … القطع الموضوعي على وجه الطريقية و لكنّه استشكل استدلال صاحب الكفاية! و سلك طريقاً آخر».

[26]. في كفاية الأصول، ص263: «و منه قد انقدح عدم قيامها [أي الطرق و الأمارات المعتبرة] بذاك الدليل مقام ما أخذ في الموضوع على نحو الكشف فإنّ القطع المأخوذ بهذا النحو في الموضوع شرعاً كسائر ما لها دخل في الموضوعات أيضاً فلايقوم مقامه شي‏ء بمجرد حجيته و قيام دليل على اعتباره ما لم‌يقم دليل على تنزيله و دخله في الموضوع كدخله و توهّم كفاية دليل الاعتبار … فاسد جداً فإنّ الدليل الدال على إلغاء الاحتمال لايكاد يكفي إلا بأحد التنزيلين حيث لابدّ في كل تنزيل منهما من لحاظ المنزل و المنزل عليه و لحاظهما في أحدهما آلي و في الآخر استقلالي» إلخ.

[27]. نهاية الدراية، ج3، ص51: «لا يذهب عليك أن القطع و الظن حين تعلقهما بشي‏ء طريق صرف‏» إلخ.

[28]. أجود التقريرات (ط.ق): ج‏2، ص9، و (ط.ج): ج3، ص31 و 19: «الثالث: قيامها مقام القطع الطريقي المحض أو المأخوذ في الموضوع على وجه الطريقية، و هذا هو الذي اختاره شيخنا العلامة الأنصاري و سيد أساتيذنا العلامة الشيرازي قدّس سرّهما و هو الحق عندنا و لتوضيح ذلك نقدم مقدمات‏» إلخ.

و تبعه في ذلك المحقق الخوئي! راجع مصباح الأصول (ط.ق): ج2، ص36 (ط.ج): ج2، ص38: «و فيه: أنّ تنزيل مؤدى الأمارة منزلة الواقع مبني على القول بالسببية و الموضوعية في باب الأمارات‏» إلخ.

[29]. نهاية الدراية، ج3، ص56-59: «و الجواب مبني على مقدمة هي أنّ اعتبارات الشارع و مجعولاته التشريعية على ثلاثة أقسام» إلخ.

[30]. نهاية الدراية، ج‏3، ص57: «إنّ اعتبار الإحراز في مورد الأمارة من القسم الثاني دون الأول و هو واضح‏» إلخ.

[31]. نهاية الدراية، ج‏3، ص58: «و إن كان موضوع الاستحقاق عقلاً مخالفة التكليف المحرز بالمعنى الأعم من الحقيقي و الاعتباري»‏ إلخ.

[32]. نهاية الدراية، ج‏3، ص59: «التحقيق أنّ اعتبار المؤدى واقعاً أو اعتبار الأمارة إحرازاً لا يصحّ إلا على الوجه الثالث‏» إلخ.

[33] . نهاية الدراية، ج‏3، ص60: «مثل قوله عليه السلام: «نعم»‏ بعد السؤال عن أن «يونس بن عبد الرحمن ثقة آخذ عنه معالم ديني» يفيد تنزيل المأخوذ منه منزلة معالم الدين، و هو تنزيل منزلة الواقع» إلخ.‏

[34] . رجال الكشي، ص490؛ ‏الوسائل، ج27، ص147، كتاب القضاء، باب 11 من أبواب صفات القاضي، ح33.

[35] . «عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْحِمْيَرِيِّ وَ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى جَمِيعاً عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ الْحِمْيَرِيِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ% قَالَ: سَأَلْتُهُ وَ قُلْتُ: مَنْ أُعَامِلُ (وَ عَمَّنْ) آخُذُ وَ قَوْلَ مَنْ أَقْبَلُ؟ فَقَالَ: الْعَمْرِيُّ ثِقَتِي فَمَا أَدَّى إِلَيْكَ عَنِّي فَعَنِّي يُؤَدِّي وَ مَا قَالَ لَكَ عَنِّي فَعَنِّي يَقُولُ فَاسْمَعْ لَهُ وَ أَطِعْ فَإِنَّهُ الثِّقَةُ الْمَأْمُونُ، قَالَ: وَ سَأَلْتُ أَبَا مُحَمَّدٍ% عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ، فَقَالَ: الْعَمْرِيُّ وَ ابْنُهُ ثِقَتَانِ فَمَا أَدَّيَا إِلَيْكَ عَنِّي فَعَنِّي يُؤَدِّيَانِ وَ مَا قَالا لَكَ فَعَنِّي يَقُولَانِ فَاسْمَعْ لَهُمَا وَ أَطِعْهُمَا فَإِنَّهُمَا الثِّقَتَانِ الْمَأْمُونَانِ الْحَدِيثَ». الكافي، ج1، ص330، كتاب الحجة، باب في تسمية من رآه‏، ح1؛ الغيبة، ص359: (رواه بإسناده عن محمد بن يعقوب مثله)؛ الوسائل، ج27، ص138، كتاب القضاء، باب 11 من أبواب صفات القاضي، ح4.

[36] . (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ). سورة الحجرات(49):6.

[37] . (وَ مَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ). سورة التوبة (9):122.

[38]. نهاية الدراية، ج3، ص46: «لا ريب أن للقطع جهات عديدة: منها أنه عرض … و منها أنه كيف نفساني له إضافة إلى طرفه، إضافة إشراقية، فحينئذ يشاركه الظن و الاحتمال، بل التصور المحض أيضاً» إلخ.

     و ص50: «إنّ الإضافة المقولية إلى ما في الخارج ليست من لوازم العلم لإمكان العلم و لا معلوم في الخارج و الإضافة الإشراقية مقومة له، و طرفها ماهية المعلوم في أفق النفس فقط.»

     و ص57: «هذا مع قطع النظر عن فساد جميع ما ذكر من الجهات المزبورة في صفة العلم، كما أشرنا إلى بعضها فيما تقدم، و تفصيل القول موكولٌ إلى فنّه.»

[39]. نهاية الدراية، ج3، ص198: «و هذا الوجه يجدي فيما كان حجيته بمعنى جعل الحكم المماثل بلسان وجوب تصديق العادل أو حرمة نقض اليقين بالشك، و أما ما كان بمعنى تنجيز الواقع كحجية الظواهر فلا».

[40]. مصباح الأصول (ط.ق): ج2، ص37 (ط.ج): ج2، ص39: «ثم إنّ الصحيح في باب الأمارات هو القول بأن المجعول هو الطريقية و الكاشفية، لا القول بأن المجعول هو المنجزية و المعذرية» إلخ.

[41]. تحقيق الأصول، ج1، ص48و راجع المجلد الأوّل من هذا الكتاب (عيون الأنظار)، ص 50 في الإيراد على المحقق النائيني!.

[42]. باختصار و تصرف منّا في العبارة.

[43]. نهاية الدراية، ج3، ص52: «يمكن تقريب الإشكال بوجه آخر، و هو أن القطع و الظن حيث إنهما متقومان بذات المقطوع و المظنون، فثبوت أحدهما يستلزم ثبوت الآخر» إلخ.

[44]. ثمرة هذا البحث:

قال المحقق العراقي! في شرح تبصرة المتعلمين، ج2، ص152 في شرح هذه العبارة من التبصرة: «الثالث الشكّ إن كان في عدد الثنائية أو الثلاثية أو الأوليين من الرباعية أعاد الصلاة»: «… ثم إنّه على مشي الطريقية فلاشبهة في قيام الأمارة مقامه … و أمّا لو كان البناء على مشي الموضوعية فعلى المختار من قيام الأمارة مقام العلم الموضوعي أيضاً فكذلك لو كان أخذ الشكّ في الموضوع لا من باب الصفتية» إلخ.

و قال المحقق الصدر! في شرح العروة الوثقى، ج4، ص125في التعليقة على قول السيد محمد كاظم اليزدي!: «مسألة 8: لو شهد أحدهما بنجاسة الشيء فعلاً و الآخر بنجاسته سابقاً مع الجهل بحاله فعلاً فالظاهر وجوب الاجتناب و كذا إذا شهدا معاً بالنجاسة السابقة لجريان الاستصحاب»: «توضيح الحال في ذلك بناءً على اختصاص الحجّية بالبينة إنّ الشاهدين تارة يشهدان بالنجاسة في الزمان الفعلي و أخرى بالنجاسة في وقت معين سابق و ثالثة يشهد أحدهما بالنجاسة فعلاً و الآخر بالنجاسة سابقاً و لا اشكال في الصورة الأولى، و أما الصورة الثانية فلا اشكال في ثبوت النجاسة السابقة بالبينة و حينئذٍ فإن كان عدم طهر و المطهر معلوماً ثبتت النجاسة الفعلية بها لكونه مدلولاً التزاماً و إن كان مشكوكاً جرى الاستصحاب، و قد يستشكل: بأنّ النجاسة الواقعية غير متيقنة الحدوث لتستصحب و النجاسة الظاهرية المجعولة بلسان الأمر بتصديق البينة غير محتملة البقاء لعدم نظر البينة إلى نفي المطهر، و يجاب من قبل مدرسة المحقق النائيني! عادةً: بأنّ الأمارة تقوم مقام العلم بالحدوث فيجري استصحاب النجاسة الواقعية بهذا اللحاظ حيث إنّ المجعول في دليل حجّية الأمارة الطريقية و الكاشفية، و التحقيق إنّ دفع الاستشكال المذكور لايتوقف على الالتزام بهذا المبنى بل يمكن دفعه بقطع النظر عن المبنى المذكور من قيام الأمارة مقام القطع الموضوعي و ذلك أولاً بالتمسك بالاستصحاب الموضوعي.»

و في شرح العروة الوثقى، ج2، ص125: «فإن قيل: إنّ البينة الثانية إذا كانت تعبدية فالتمسك أيضاً بإطلاق دليل حجّية البينة، لا بإطلاق دليل الاستصحاب، لأنّ الاستصحاب حكم شرعي للحالة السابقة، و دليل حجّية البينة القائمة على الحالة السابقة يتعبدنا بأحكامها التي منها الاستصحاب، فالاستصحاب يثبت بإطلاق ذلك الدليل لا بإطلاق دليل الاستصحاب قلت أوّلاً: إنّ هذا لايتم بناءً على أنّ المأخوذ في موضوع الاستصحاب اليقين بالحالة السابقة، و أنّ الأمارة تقوم بلحاظ دليل حجّيتها مقام القطع الموضوعي، لأنّ حكومة دليل الحجية على القطع الموضوعي حكومة واقعية، فيتحقق بها توسعة واقعية لموضوع دليل الاستصحاب، و بهذا يكون التمسك لإثبات النجاسة الفعلية -مثلاً- بإطلاق دليل الاستصحاب.»

و قال السيد كاظم الحائري> في القضاء في الفقه الإسلامي، ص199 – 200: «و المنقول عن السيد الگلبايگاني! في تقرير بحثه الّذي كتبه السيد علي الميلاني بيان المطلب بصياغة أخرى تختلف شيئاً ما عن صياغة صاحب الجواهر: و هي أنّه لئن ثبت في علم الأصول قيام الأمارة مقام القطع الموضوعي المأخوذ على وجه الكاشفية – دون الصفتية – فقيام القطع مقام الأمارة – و هي الظنّ المأخوذ على وجه الكاشفية – بطريق أولى، إذن فقطع القاضي يقوم مقام البينة، و الحاصل أنّ البينة لئن كانت تقوم مقام العلم فقيام العلم الذي هو أقوى من البينة مقامها أولى، إلا أنّ هذا التقريب غير مقبول لدينا مبنى، لما حققناه في علم الأصول من عدم قيام الأمارة مقام القطع الموضوعي المأخوذ على وجه الكاشفية، إلا بمعنى يرجع إلى القضية بشرط المحمول بأن يقصد بأخذ القطع موضوعاً على وجه الكاشفية أخذ مطلق الكاشف الأعم من التكويني و التعبدي موضوعاً.»

و في ص701 – 702: «لا إشكال في أنّ مقتضى القاعدة حرمة الحلف على نفي الواقع لدى الجهل به، بل مقتضى القاعدة حرمة نفس الإخبار عن نفي الواقع بلا حلف لدى الجهل به، لأنّ الإخبار عن شيء إخبار عن العلم به، و هو كذب، مضافاً إلى النصوص الناهية عن الحلف بغير العلم و لكن قد يتصور جواز الحلف على نفي الواقع اعتماداً على الظاهر بدعوى قيام الأمارة أو الأصل مقام العلم الموضوعي.»

[45]. «الْحُسَيْنُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ صَفْوَانَ عَنِ ابْنِ بُكَيْرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ% قَالَ: كُلُّ مَا شَكَكْتَ فِيهِ مِمَّا قَدْ مَضَى فَامْضِهِ كَمَا هُوَ». التهذيب، ج2، ص344، كتاب الصلاة، باب أحكام السهو، ح 14؛ الوسائل، ج8، ص237 – 238، كتاب الصلاة، باب 23 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، ح3.

[46]. «أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي نَصْرٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى عَنْ حَرِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ زُرَارَةَ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ%: رَجُلٌ شَكَّ فِي الْأَذَانِ وَ قَدْ دَخَلَ فِي الْإِقَامَةِ، قَالَ: يَمْضِي، قُلْتُ: رَجُلٌ شَكَّ فِي الْأَذَانِ وَ الْإِقَامَةِ وَ قَدْ كَبَّرَ، قَالَ: يَمْضِي، قُلْتُ: رَجُلٌ شَكَّ فِي التَّكْبِيرِ وَ قَدْ قَرَأَ، قَالَ: يَمْضِي، قُلْتُ: شَكَّ فِي الْقِرَاءَةِ وَ قَدْ رَكَعَ، قَالَ: يَمْضِي، قُلْتُ: شَكَّ فِي الرُّكُوعِ وَ قَدْ سَجَدَ، قَالَ: يَمْضِي عَلَى صَلَاتِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا زُرَارَةُ، إِذَا خَرَجْتَ مِنْ شَيْ‏ءٍ ثُمَّ دَخَلْتَ فِي غَيْرِهِ فَشَكُّكَ لَيْسَ بِشَيْ‏ءٍ.» التهذيب، ج2، ص352، كتاب الصلاة، باب أحكام السهو، ح47؛ الوسائل، ج8، ص237، كتاب الصلاة، باب 23 من ابواب الخلل الواقع في الصلاة، ح1.

[47]. مصباح الأصول (ط.ق): ج2، ص39 و (ط.ج): ج2، ص41: «إنّ الأمارات أيضاً قد أخذ في موضوعها الشك، غاية الأمر أنّ الأصول قد أخذ الشك في موضوعها في لسان الدليل اللفظي، و في الأمارات قد ثبت ذلك بالدليل اللبي» إلخ.

[48]. سورة النحل(16):43 و سورة الأنبياء(21):7.

[49]. مصباح الأصول (ط.ج): ج‏1، ص41: «و لو كان هذا جمعاً بين النقيضين لزم التناقض في جميع موارد التنزيل» إلخ.

[50]. مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنِ الْوَشَّاءِ قَالَ: كَتَبْتُ إِلَيْهِ يَعْنِي الرِّضَا% أَسْأَلُهُ عَنِ الْفُقَّاعِ، قَالَ: فَكَتَبَ حَرَامٌ وَ هُوَ خَمْرٌ وَ مَنْ شَرِبَهُ كَانَ بِمَنْزِلَةِ شَارِبِ الْخَمْرِ، قَالَ: … وَ قَالَ [أَبُو الْحَسَنِ الْأَخِيرُ%]: «هِيَ خُمَيْرَةٌ [خَمْرَةٌ] اسْتَصْغَرَهَا النَّاسُ». الكافي، ج6، ص423، كتاب الأشربة، أبواب الأنبذة، باب الفقاع، ح9؛ التهذيب، ج9، ص125، كتاب الصيد و الذباحة، الباب2، ح275؛ الاستبصار، ج4، ص95، كتاب الأطعمة و الأشربة، باب تحريم شرب الفقاع، ح6 : (رواه بإسناده عن أحمد بن محمّد بن عيسى عن الوشّاء مثله‏)؛ الوسائل، ج25، ص365، كتاب الأطعمة و الأشربة، باب 28 من أبواب الأشربة المحرمة، ح1.

[51]. مصباح الأصول (ط.ق): ج2، ص38 (ط.ج): ج2، ص40-41: «و توهّم أنّه قد أخذ في موضوع الأصول الشك، فكيف يمكن اعتبارها علماً … مدفوعٌ بأن الشك المأخوذ في موضوع الأصول هو الشك الوجداني، و العلم تعبدي‏» إلخ.

[52]. مصباح الأصول (ط.ق): ج2، ص39و40 و (ط.ج): ج2، ص42: «نعم يستثني من ذلك ما لو التزمنا فيه بقيام الأصل مقام القطع المأخوذ في الموضوع بنحو الطريقية لزم إلغاء اعتبار القطع رأساً» إلخ.

[53]. منتهى الدراية، ج4، ص88: «إذا فرض أن الشارع أخذ العلم في موضوع جواز الشهادة بما هو صفة خاصة … و في موضوع حكم الركعتين الأوليين العلم بما هو صفة خاصة أيضاً، فلا يقوم في هذين الموردين شي‏ء من الأمارات أو الظنون مقامه إلا بدليل خاص‏».

[54]. قال في الكفاية (ص266 – 267): لا يكاد يمكن أن يؤخذ القطع بحكم في موضوع نفس هذا الحكم للزوم الدور و لا مثله للزوم اجتماع المثلين و لا ضده للزوم اجتماع الضدّين. نعم يصحّ أخذ القطع بمرتبة من الحكم في مرتبة أخرى منه أو مثله أو ضدّه.

[55]. نهاية الدراية، ج3، ص68.

[56]. المصدر السابق.

[57]. فوائد الأصول، ج3، ص35.، و أوضح تقريب الدور في ج1، ص147: أخذ العلم بالحكم قيداً للموضوع في مرحلة الإنشاء و إن لم يلزم منه الدّور المصطلح، إلّا أنّه يلزم منه توقّف الشّي‏ء على نفسه ابتداء بدون توسيط الدّور.

و توضيح ذلك: هو أنّ الدّور عبارة عن الذّهاب و الإياب في سلسلة العلل و المعلولات، بأن يقع ما فرض كونه علّة لوجود الشّي‏ء في سلسلة معلوله، إمّا بلا واسطةٍ كتوقّف (ا) على (ب) و (ب) على (ا) أو مع الواسطة كما إذا فرض توسط (ج) في البين، و الأوّل هو المصرّح، و الثّاني هو المضمر.

و الوجه في امتناع الدّور هو لزوم تقدّم الشّي‏ء على نفسه الّذي هو عبارة عن اجتماع النّقيضين، فإنّ هذا هو الممتنع الأوّلي العقلي الّذي لا بدّ من رجوع كلّ ممتنع إليه، و إلّا لم يكن ممتنعا، فالممتنع الأولى هو أن يكون الشّي‏ء موجوداً في حال كونه معدوماً الّذي هو عبارة عن اجتماع الوجود و العدم في شي‏ء واحد في آن واحد، و الدّور إنّما يكون ممتنعاً لأجل استلزامه ذلك، فإنّ توقّف (ا) على (ب) يستدعي تقدّم‏ (ب) في الوجود على (الف)، فلو فرض توقّف (ب) على (الف) أيضاً يلزم تقدّم (الف) على (ب) المفروض تأخّره عنه، و يرجع بالأخرة إلى توقّف (الف) على نفسه، فلو فرض في مورد لزوم هذا المحذور بلا توسّط الدّور، فهو أولى بأن يحكم عليه بالامتناع.

و بعد ذلك نقول في المقام: لو أخذ العلم بالحكم قيداً للموضوع في مرحلة الإنشاء يلزم تقدّم الشّي‏ء على نفسه، و ذلك لأنّه لا بدّ من فرض وجوده بما أنّه مرآة لخارجه قبل وجود نفسه، إذ الإنشاءات الشّرعيّة إنّما تكون على نهج القضايا الحقيقيّة الّتي هي المعتبرة في العلوم، و ليست من القضايا العقليّة الّتي لا موطن لها إلّا العقل، و لا من أنياب الأغوال الّتي تكون مجرّد فرض لا واقعيّة لها أصلاً، بل الإنشاءات الشّرعيّة إنّما هي عبارة عن جعل الأحكام على موضوعاتها المقدّرة وجوداتها، و هذا الجعل إنّما يكون قبل وجود الموضوعات في الخارج، و عند وجودها تصير تلك الأحكام فعليّةً.

و حينئذ لو فرض أخذ العلم بالإنشاء قيداً للموضوع في ذلك المقام، فلا بدّ من تصور الموضوع بما له من القيود لينشأ الحكم على طبقه، و المفروض أنّ من قيود الموضوع العلم بهذا الإنشاء نفسه، فلا بدّ من تصوّر وجود الإنشاء مرآة لخارجه قبل وجود نفسه، و هذا كما ترى يلزم منه تقدّم الإنشاء على نفسه، و هو ضروريّ الامتناع.

و الحاصل: أنّه لو أخذ العلم بالحكم قيداً في مقام الإنشاء، و المفروض أنّه لا حكم سوى ما أنشأ، فلا بدّ من تصوّر وجود الإنشاء قبل وجوده ليمكن أخذ العلم به قيداً، و ليس ذلك مجرّد قضيّة فرضيّة من قبيل أنياب الأغوال، حتّى يقال: لا مانع من تصوّر وجود الشّي‏ء قبل نفسه لإمكان فرض اجتماع النّقيضين، بل قد عرفت: أنّ الأحكام الشّرعيّة و إنشاءاتها إنّما تكون على نهج القضايا الحقيقيّة القابلة الصّدق على الخارجيّات، و تصوّر وجود الشّي‏ء القابل للانطباق الخارجي قبل وجود نفسه محال هذا كلّه في الانقسامات اللاحقة للموضوع المترتّبة على الحكم.

[58]. نهاية الدراية، ج3، ص69.

[59]. نهاية الدراية، ج3، ص69. قرّر السيد محمد الروحاني! في المنتقى، ج4، ص88: أحدهما: أنّ متعلق العلم لما كان هو الوجود الذهني للحكم، سواء كان هناك خارج أم لا، كان مفروض الوجود هو الوجود الذهني له، و الثابت على تقديره و معلقاً عليه هو الوجود الخارجي له، فلا يلزم تعليق الشي‏ء على نفسه أو فرض ثبوت الشي‏ء قبل ثبوته، للتغاير بين الوجود الخارجي للحكم و الذهني.

و ثانيهما: أنّ الوجود الفرضي للشي‏ء غير الوجود التحقيقي له، و لا مانع من تعليق الوجود التحقيقي للحكم على الوجود الفرضي له، و المأخوذ في الموضوع هو الوجود التقديري الفرضي للحكم و هو غير وجوده التحقيقي، فتدبر.

[60] . منتقى الأصول، ج‏4، ص89.

[61]. كلامه هنا ناظر إلى ما قاله بعد الردّ على المحقق النائيني!: نعم، يمكن فرض الخلف من وجه آخر، و هو أنّ فرض تعليق الوجوب على العلم به هو فرض عدم الوجوب لطبيعي الصلاة مثلاً، و فرض نفس القيد و هو العلم بوجوب الصلاة هو فرض تعلق الوجوب بطبيعي الصلاة.

لا يقال: هذا إذا كان العلم قيداً للواجب، و أما إذا كان الواجب ذات الحصّة الملازمة للعلم، فالوجوب متعلّق بذات الصلاة بحيث لا يتعدى إلى ما لا يلازم العلم.

لأنّا نقول: طبيعي الصلاة لا يتخصّص‏ بالعلم بالوجوب و الجهل به، بل الواجب بما هو واجب يتخصّص بالمعلوم و المجهول، و فرض العلم بوجوب الصّلاة فرض تعلق الوجوب بطبيعي الصّلاة لا بحصّة منه، و لازمه الخلف.

[62] . مصباح الأصول، ج2، ص44.

[63]. قال في الكفاية، ص266 – 267.

[64] . نهاية الدراية في شرح الكفاية، ج‏3، ص71.

[65]. و الصحيح: فيه.

[66]. هكذا في المطبوع لكن الصحيح: لانتزاع.

[67]. هكذا في المطبوع و الصحيح: و منشأه.

[68]. أجود التقريرات، ج‏2، ص17.

[69]. مصباح الأصول (مباحث الحجج و الأمارات – مكتبة الداوري)، ج‏1، ص45، صاحب المنتقى في المنتقى، ج4، ص90: و التحقيق: أنّه قد تقدم الكلام في تضاد الأحكام و تماثلها- في مبحث اجتماع الأمر و النهي- و قد عرفت التزام المحقق الأصفهاني! بعدم تضادها الا من‏ ناحية المنتهى، أعني مقام الامتثال، إذ يمتنع امتثال الحكم الزاجر و الحكم الباعث في عرض واحد، لامتناع تحقق الانزجار و الانبعاث في آن واحد، و هكذا يمتنع تحقق داعيين مستقلين نحو فعل واحد في آن واحد، و نتيجة ما ذكره: أنّه لا يتحقق التعارض فيما لو كان أحد الحكمين مجهولاً لعدم محركية نحو متعلقه، فلا يتحقق التكاذب بين دليليهما، على خلاف الحال فيما لو قيل بتحقق التضاد في المبدأ إذ لا يرتبط ذلك بالعلم و الجهل، بل وجود المصلحة و المفسدة و الإرادة و الكراهة واقعي‏.

كما عرفت- هناك- مخالفتنا مع المحقق الأصفهاني! و التزامنا بالتضاد في المبدأ أيضا، إذ لا يمكن اجتماع مصلحة و مفسدة ملزمتين، و نتيجته عدم اجتماع الكراهة و الإرادة لأنهما ينشئان بلحاظ وجود المفسدة الراجحة و المصلحة الراجحة، بل إمّا إن تتساوى المصلحة و المفسدة فلا إرادة و لا كراهة، و إمّا إن ترجح المصلحة فتتحقق الإرادة أو المفسدة فتتحقق الكراهة، و هكذا يلتزم بعدم إمكان تحقق إرادتين مستقلتين بفعل واحد، لا من جهة عدم إمكان تحقق مصلحتين ملزمتين، فإنّه ممكن لا محذور فيه، و إنّما هو من جهة أنّ تعدد المصلحة لا يصير منشئاً لتعدد الإرادة، بل يصير منشئاً لحصول إرادة واحدة أكيدة.

فعدم اجتماع المثلين يختلف عن عدم اجتماع الضدين من الحكمين، فالمقصود من عدم اجتماع المثلين عدم اجتماعهما بحدّهما مع وجودهما بواقعهما، بخلاف المقصود من عدم اجتماع الضدين فإنّ المراد به عدم اجتماعهما بواقعهما – نعم لا تضاد و لا تماثل بين الإنشاءين، فإن الإنشاء خفيف المئونة-.

و على ما ذكرناه و اخترناه نقول: أنّه لا يمكن اجتماع حكمين متماثلين- كوجوبين- مستقلين في الداعوية و الحد، بل يمكن اجتماع حكمين بنحو التأكد، بمعنى أن يكون هناك حكم واحد مؤكد لإمكان اجتماع مصلحتين توجبان تأكد الإرادة و هي توجب تأكد البعث، بمعنى أنها توجب إنشاء البعث المؤكد، فان الحكم هو التسبيب للبعث الاعتباري العقلائي، و بما أنّ البعث يتصف خارجا بالشدة و الضعف أمكن اعتبار البعث الأكيد كما أمكن اعتبار البعث الضعيف.

و مما يشهد لصحّة ما ذكرناه صحّة تعلق النذر بواجب و انعقاده، و لازمه تأكد الحكم، و لم يتوهم أحد إنّ وجوب الوفاء بالنذر في المقام يستلزم اجتماع المثلين المحال، كما يشهد له شمول الحكمين الاستغراقيين لما ينطبق عليه موضوعاهما نظير العالم الهاشمي الّذي ينطبق عليه: «أكرم العالم» و «أكرم الهاشمي»، و لم يتوهم خروج المورد عن كلا الحكمين لاستلزامه اجتماع المثلين.

و مما يقرب ما نقوله أيضاً في اجتماع المثلين، أنّه لم يرد في العبارات بيان امتناع وجوب الإطاعة شرعاً من باب أنّه يستلزم اجتماع المثلين، مع أنّ البعض يرى أنّ الإطاعة عبارة عن نفس العمل، أو أنّها و إن كانت من العناوين الانتزاعية، لكن الأمر بالأمر الانتزاعي يرجع إلى الأمر بمنشإ انتزاعه- كما عليه المحقق النائيني!-، بل ادّعى كون محذوره التسلسل و نحوه مما يظهر منه أنّ اجتماع المثلين بالنحو الّذي ذكرناه أمر صحيح ارتكازاً.

و بالجملة: التماثل بمعنى التأكد و وجود واقع الحكمين لا مانع منه. و أمّا اجتماع حكمين مستقلين متماثلين فلا نقول به لامتناعه مبدأ و منتهى.

و عليه، فلا مانع من تعليق حكم مماثل على القطع بالحكم إذا كان بنحو التأكد.

[70]. تحقيق الأصول، ج‏5، ص178.

[71]. قال في الكفاية، ص266 – 267.

[72]. نهاية الأفكار، ج3، ص28.

[73]. مصباح الأصول، ج2، ص44.

[74]. هذا الجواب لا يدفع الإشكال المبنيّ على اختلاف المرتبة، لأن الحكم الذي موضوع القطع متأخّر عن القطع، أمّا الحكم الذي تعلّق به القطع فمتقدّم عليه، و يستحيل أن يكون في مرتبة القطع فضلًا عن التأخّر عنه، فكلٌّ منها في مرتبةٍ، و مع اختلاف المرتبة لا اجتماع للضدّين.

إذن، ينحصر الجواب بلزوم اجتماع الضدّين في ذهن القاطع و لحاظه، لأنّ من قطع بالوجوب يرى عدم الحرمة، لكن المفروض كونه قاطعاً بالحرمة هو يراها، فيلزم اجتماع الحرمة و عدم الحرمة في أفق ذهنه، فالمحذور لازم بحسب مقام الفعليّة و إن لم يلزم بحسب مقام الجعل لتعذّر المرتبة على المبنى. تحقيق الأصول، 5، ص179.

[75]. مصباح الأصول، ج2، ص44.

[76]. نهاية النهاية في شرح الكفاية، ج‏2، ص33.

[77]. نهاية الدراية في شرح الكفاية، ج‏3، ص73.

[78]. مصباح الأصول (مباحث الحجج و الأمارات – مكتبة الداوري )، ج‏1، ص46.

[79] . سورة آل عمران(3):97.

محتوای آکارئون
5/5 - (2 امتیاز)

اين مطلب را به اشتراك بگذارید

اشتراک گذاری در telegram
اشتراک گذاری در whatsapp
اشتراک گذاری در twitter

سؤال دارید؟

در بخش کامنت همین پست بنویسید پاسخ شما از طرف استاد داده میشه ⬇️

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد.

از شما متشكریم

عضويت شما در سايت با موفقيت انجام شد

5/5

ايميل ها بزودی برای شما ارسال می شوند