فهرست مطلب

[سلسله دروس فقه اقتصاد / استاد محقق حاج شیخ محمد علی بهبهانی]

الربا في الآیات القرآنیة

إنّ لفظة الربا قد وردت في خمس آیات من كتاب الله تعالى:

الآية الأولى:

( الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُه الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا، و أَحَلَّ الله الْبَيْعَ و حَرَّمَ الرِّبا ، فَمَنْ جاءَه مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّه، فَانْتَهى، فَلَه ما سَلَفَ، و أَمْرُه إِلَى الله و مَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ، يَمْحَقُ الله الرِّبا، ويُرْبِي الصَّدَقاتِ والله لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ )((البقرة (2): 275 – 276))

الآیة الثانية:

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ الله ورَسُولِه وإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ ولا تُظْلَمُونَ)((البقرة (2): 278 – 279))

الآیة الثالثة:

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً واتَّقُوا الله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ واتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ((آل عمران (3): 130 – 131.))

الآیة الرابعة:

(فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ، وبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ الله كَثِيراً وأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وقَدْ نُهُوا عَنْه وأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً )((النساء (4): 159 – 160))

الآیة الخامسة:

(وَ مَا آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ الله، وما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْه الله فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ)((الروم (30): 39))

تعریف الربا

إنّه لابدّ من تعریف الربا لغةً و اصطلاحاً.

تعریف الربا لغةً:

هو بمعنى الزيادة و الفضل و النموّ.

قال الشهید الثاني! في مسالك الأفهام:((مسالك الأفهام، الشهید الثاني، ج3، ص316)) «الربا لغة: الزيادة، قال الله تعالى: (فَلا يَرْبُوا عِنْدَ الله)((الروم (30): 39))».

و قال الطریحي: «و الربا: الفضل و الزيادة».((مجمع البحرين، الشيخ فخر الدين الطريحي، ج 1، ص 174))

و قال الزبیدي: «وَ رَباَ الشَيءُ يَرْبُو رُبُوّاً… : زادَ ونَمَا وعَلا». ((تاج العروس، الزبيدي، ج 19، ص 441))

تعريف الربا اصطلاحاً:

الربا ینقسم علی قسمین رئیسین: الربا المعاوضي و الربا القرضي، و لذلك لابدّ من تعریف الربا اصطلاحاً لکلا البابین مع أنّ الربا المعاوضي یشمل البیع الربوي و الصلح الربوي و المعاوضة المطلقة الربویة.

و الربا المعاوضي هو الزیادة المأخوذة في أحد طرفي العقود المعاوضیة، جزءً أو شرطاً، سواء كان أخذه حلالاً أو حراماً.

تعریفات ثلاثة للربا من الشهید الثانی!:

قد أفاد الشهید الثاني! في تعریف الربا المعاوضي شرعاً ثلاثة تعریفات:

التعریف الأول: «بيع أحد المتماثلين المقدّرين بالكيل أو الوزن في عهد صاحب الشرع$ أو في العادة بالآخر، مع زيادةٍ في أحدهما حقيقةً أو حكماً، أو اقتراض أحدهما مع الزيادة و إن لم يكونا مقدّرين بهما، إذا لم يكن باذل الزيادة حربيّاً، و لم يكن المتعاقدان والداً مع ولده، و لا زوجاً مع زوجته.»

التعریف الثاني: «معاوضة أحد المتماثلين المقدّرين بالكيل أو الوزن … مع زيادةٍ في أحدهما حقيقةً أو حكماً …الخ»

و هذا التعریف مبنيّ على القول بثبوت الربا في كل معاوضةٍ فهذا التعریف لا یفترق عن التعریف السابق إلا في تبدیل كلمة البیع بكلمة المعاوضة.

التعریف الثالث: «إنّه زيادة أحد العوضين المتماثلين المقدّرين بالكيل أو الوزن حقيقةً أو حكماً.» ((مسالك الأفهام، الشهید الثاني!، ج3، ص316))

قال صاحب العروة!: «هو عبارة عن الزيادة في أحد العوضين المتجانسين، أو البيع المشتمل على الزيادة بالشروط الآتية.»((العروة الوثقى، السيد اليزدي، ج6، ص10، مسألة3))

تطبیق ماهیة الربا على أقسام الزيادة

إنّ البحث حول ماهیة الربا و تفسیرها بالزیادة یقتضي الکلام حول تطبیقه موضوعاً على أقسام الزیادة من الزیادة العینیّة و الحکمیّة، و أنّه هل یختصّ بالزیادة التي هي جزء للمعاملة أو تعمّ الزیادة التي اشترطت فيها.

قال صاحب العروة! في اقسام الزیادة ما حاصله:

أقسام الزیادة سبعة:

الأوّل: الزيادة العينيّة و هي على قسمين:

1) الزيادة العينيّة على وجه الجزئيّة من جنس العوضين أو من غيره.

2) الزيادة العينيّة على وجه الاشتراط.

الثاني: الزيادة غير العينية و تسمی بالزيادة الحكمية و هي على خمسة أقسام:

1) الزيادة الحكمیة (غير العينيّة) التي تكون مالاً كسكنى دار.

2) الزيادة الحكمیة (غير العينيّة) التي تكون عملاً له ماليّة كخياطة ثوب.

3) الزيادة الحكمیة (غير العينيّة) التي تكون منفعة كاشتراط مصالحة أو بيع محاباتي أو اشتراط خيار أو تسليم في مكان معيّن.

4) الزيادة الحكمیة (غير العينيّة) التي تكون مشتملة على غرض عقلائي كاشتراط كنس المسجد أو إعطاء شيء للفقير أو قراءة القرآن أو إتيان الصلاة أوّل الوقت، أو المواظبة على صلاة الليل، أو الإتيان بالواجبات الشرعيّة أو نحو ذلك.

5) الزیادة الحكمیة (غير العينيّة) التي تكون أجلاً؛ كما اصطلح في لسان الفقهاء قولهم: «للأجل قسط من الثمن» و قد أشار إلیه المحقّق الأردبیلي! فقال: «و تحصل بانضمام الأجل، بأن يبيع قفيزاً نقداً بقفيز نسية، فإن فيه زيادة حكمية و إن لم تكن ظاهرة وعينية، لأن للأجل عندهم قسطاً من الثمن.» ([12])

الأدلة ثلاثة أُقيمت على شمول ماهیّة الربا لأقسام الزيادة:

الدليل الأول على شمول الربا لأقسام الزیادة: الإجماع

إنّ هذا الدلیل یقتضي إلحاق اشتراط الزیادة بالزیادة الجزئیّة و قد نقله صاحب العروة! من صاحب الجواهر!([13])، و على هذا تشمل أدلّة الربا بعض أقسام الزیادة التي كان الربا فیها بالشرط.

إیراد صاحب العروة! على الدلیل الأول:

(موارد خمسة من الزیادة قیل فیها بعدم تحقق الربا): إنّ صاحب العروة ! استشهد ببعض كلمات الأعلام و أقوالهم و تفصیلاتهم في عدم تحقّق الربا بالنسبة إلى موارد الزیادة الحكمیة لنفي الاتّفاق المذكور:

المورد الأول: ما عن المحقق الأردبيلي! من عدم الربا في الزيادة الحكميّة.

و صاحب الجواهر! أیضاً قد نقل ذلك عن المحقق الأردبیلي! مستبعداً لما أفاده، فقال: «ومنه يعلم غرابة ما عن الأردبيلي من الميل إلى عدم البأس في اشتراط الزيادة الحكمية مطلقاً حاكياً له عن الجماعة المزبورة ، للأصل و إطلاق الأدلة، خصوصاً نصوص خير القرض ما جرّ نفعاً، بعد عدم الإجماع و عدم ظهور تناول دليل الربا له.» ([14])

و فىه: أنّ ما أفاده المحقق الأردبىلي! لىس إنكارالإجماع في الزىادة الحكمىة بجمىع أقسامها، و ىظهر ذلك من كلامه حىث قال: «فأما دليل اشتراط اتفاق الجنس و الكيل و الوزن، فالظاهر هو الإجماع عند الأصحاب، و إن كان في النسية الإجماع محل التأمل؛ كما سيظهر مستنداً إلى الأخبار.»([15])

و مراده هو أنّ البىع مع تحقق شرط اتفاق الجنسىن و شرط كونهما مكىلاً أو موزوناً مع تماثل الطرفىن في ما إذا كان أحد الطرفىن نسىئةً، فهو بىع ربوي و لكنّه المورد الخامس من أقسام الزىادة الحكمىة، فما أنكره لىس بالنسبة إلى جمىع أقسام الزىادة الحكمىة.

المورد الثاني: ما عن القواعد و جامع المقاصد من جواز اشتراط البيع بثمن المثل، بل محاباة أيضاً في القرض الذي هو أضيق دائرة، كما تدلّ عليه جملة من الأخبار في مسألة الربا، و كذا جواز اشتراط الرهن على القرض بل على دين آخر.

المورد الثالث: ما عن جماعة من جواز اشتراط التسليم في بلد غير بلد القرض كما يدلّ عليه جملة من الأخبار.([16])

المورد الرابع: ما عن جماعة من جواز اشتراط ضمان أو كفالة أو إشهاد أو رهن.

المورد الخامس: ما يظهر من صاحب الجواهر! من جواز اشتراط وصف الخاتميّة في بيع الفضّة بالفضّة بعد ما منع من جواز اشتراط صياغة خاتم في بيع الدرهم بالدرهم.

قال!: «نعم لو كان الشرط مثلاً بيعه (أي بىع الدرهم) بفضّة مصوغة خاتماً، أمكن عدم تحقّق الربا، لعدم اشتراط العمل، فهو كبيعه الفضّة بالفضّة من الدراهم مثلاً، أو بفضة من جنس المصوغ على وجه خاص، و نحو ذلك بما هو أفراد للمبيع، و بالوصف والشرط يتعيّن بعض أفراده، و مثله لا يتحقّق به الربا قطعاً؛ إذ ليس مطلق الاشتراط في أحد العوضين يتحقّق به ذلك، و لعلّ من ذلك اشتراط الخيار لأحدهما، فإنه لا يتحقّق به الربا أيضاً؛ إذ أقصاه صيرورة البيع بالنسبة إلى أحدهما جايزاً.» ([17])

ثمّ قال صاحب العروة!: «فدعوى الاتّفاق المذكور على عمومه محلّ منع.»

الدليل الثاني على شمول الربا لأقسام الزیادة: الأخبار الدالةعلی اعتبار المثلیة

إنّ المستفاد من أخبار الباب الثامن من أبواب الربا من وسائل الشیعة هو أنّ التخلص من الربا فيما إذا اتّحد الجنس إنما يتمّ بكون العوضين «على السواء» كما في موثقة السماعة؛ و «مِثلاً بمثل» كما في صحيحة عبدالرحمن بن أبي عبد الله و صحيحة الحلبي و «رأساً برأس» كما في صحيحة أبي بصير و «واحداً بواحد» كما في صحيحة الحلبي.

و سنشیر إلى تلك الروایات في الفصل الثامن من هذا الکتاب بعنوان «أحکام الربا المعاملي و ما یشترط فیه»

و الزيادة بجميع أقسامها توجب خروج البيع عن كون الطرفين على السواء و مِثلاً بمثل و رأسا برأس و واحداً بواحد.

إیرادان لصاحب العروة! على الدلیل الثاني:

أولاً: الأخبار الدالّة على اعتبار المثليّة فظاهرها المثليّة في القدر لا في جميع الجهات.([18])

ثانیاً: و على فرض الشمول لمثل الشرط نمنع أنّ كل شرط ينافي المثليّة. ([19])

ملاحظة على الإیراد الأوّل:

إنّه! سیقرّ و یعترف بعد أسطر بأنّه لىس المراد من المثلىة، المثلىة بحسب القدر فقط؛ وإلىك نصّ عبارته: «القدر المتيقّن شرط الزيادة العينيّة أو ما بمنزلتها بحيث يخرج المعاملة عن كونها واقعة على مثل بمثل.» ([20])

الدليل الثالث على شمول الربا لأقسام الزیادة:

صحيحة خالد بن الحجّاج

مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى‏ عَنْ يَحْيَى بْنِ الْحَجَّاجِ عَنْ خَالِدِ بْنِ الْحَجَّاجِ قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ الرَّجُلِ كَانَتْ لِي عَلَيْهِ مِائَةُ دِرْهَمٍ عَدَداً قَضَانِيهَا مِائَةً [دِرْهَمٍ] وَزْناً قَالَ‏: لَا بَأْسَ مَا لَمْ يَشْتَرِطْ .قَالَ وَ قَالَ: جَاءَ الرِّبَا مِنْ قِبَلِ الشُّرُوطِ إِنَّمَا يُفْسِدُهُ الشُّرُوطُ. ([21])

إیراد صاحب العروة! على الدلیل الثالث:

أولاً: خبر خالد هو في القرض، وكون البيع كالقرض في ذلك محلّ منع.

ثانیاً: دعوى أنّ قوله%: «جاء الربا من قبل الشروط» قاعدة كلّية لا في خصوص المورد، محلّ منع.([22])

یلاحظ علیه:

إنّ الظاهر من الروایة هو إفادة قاعدة كلیة و الدلیل علیه قطع الكلام السابق و نقل هذه العبارة مع تكرار كلمة «قال» كأنّه قول آخر من الإمام% ولیس ذلك تتمةً للروایة السابقة.

ثالثاً: على فرضه فالقدر المتيقّن منه شرط الزيادة العينيّة، أو ما يكون له ماليّة فلايراد منه كلّ شرط.

فالأقوى عدم إلحاق الشرط بالجزء في إيجاب الربا على إطلاقه، بل القدر المتيقّن شرط الزيادة العينيّة أو ما بمنزلتها بحيث تخرج المعاملة عن كونها واقعة على مثل بمثل و إلاّ فمقتضى العمومات و دليل الشرط جوازه، لكنّ الأحوط المنع من كلّ ما فيه منفعة، و أحوط من ذلك إلحاقه به مطلقاً حتّى ممّا لا منفعة فيه بل فيه غرض عقلائي.

یلاحظ علیه:

إنّ ما أفاده وإن كان تامّاً من جهة أنّ كلّ زیادة لایعدّ من الربا إلا أن الزیادة الحكمیة من قبیل المنفعة و الغرض العقلائي أیضاً قد تكون ربویّة و هي ما إذا كانت لهما مالیة ملحوظة؛ مثل كنس المسجد في ما إذا شرطه متولي المسجد بدل أخذ المال عن المستقرض.

نتیجة البحث:

ثبوت الربا في كل زیادة عینیة و كل زیادة حكمیة مما یكون مالاً أو العمل الذي له المالیة و أیضاً في ما یكون منفعة أو غرضاً عقلائیاً إذا لوحظ فیهما النفع المالي.

و أما ما یكون زیادة حكمیة من أجل كونه أجلاً ففیه بحث سنشیر إلیه في المبحث الآتي و هو اشتراط القرض في عقد القرض و في مبحث احکام الربا المعاملي و ما یشترط فیه.

بقي أمور:

الأمر الأول: اشتراط القرض في عقد القرض

إنّ القرض هو أن یدفع المقرض للمقترض مالاً و في قباله یشتغل ذمة المقترض بضمانه و الشارع اعتبر فيه التماثل فلو زاد أحد الطرفين على الآخر مع اشتراط ذلك يعدّ ذلك القرض ربوياً.

نعم، إنّ للمقترض زيادة محتملة عند العرف في بعض الأحيان، لأنّه يستفيد و یربح من المال في بعض الأحيان بسبب المعاملات المربحة التي تقع على المال و مع ذلك أن القرض من قبیل تبادل المثلین و إن اشتمل على الأجل فاشتراط الأجل لایوجب خروج القرض عن تبادل المثلین، و أما ما اشتهر بین فقهاؤنا: «إنّ للأجل قسطاً من الثمن»، فلایرتبط بباب القرض بل هو أمر عرفي في المعاملة نسیئةً، فذلك لايوجب الزيادة العينية أو الحكمية الربوية في القرض، فإنّ الأجل لیس إلا شرطاً و سبباً أحیاناً لتحقق المعاملة التي هي مقتضی تحقق الزیادة فقد یتوصّل المقترض عند وجود ذلك الشرط إلى جلب زیادة في ماله بالمعاملة و قد لا یتیسّر له ذلك بل یضرّه.

فالأجل لیس زیادة عینیة و لا حكمیة بل غایة الأمر أنّه شرط لمقتضي الزیادة، فإنّ مقتضي الزیادة المعاملة الّتي تقع على المال، فالمغالطة نشأت من الخلط بین الشيء و بین ما هو شرط لمقتضیه.

و من ذلك ظهر أنّ القرض تبادل المثلين أو المتساويين عند العرف فلو اشترط في عقد القرض قرضاً آخر لايعدّ ذلك زيادة عرفاً.

بل إنّ المقرض و المقترض في تلك الموارد يتقابلان بالنسبة إلى شرط مقتضي الزيادة المحتملة فكما أن العقد الأول أعطی للمقترض شرطاً لمقتضي الزيادة المحتملة بالأجل في أداء الدين والقرض؛ فكذلك العقد الثاني يعطي لطرفه شرطاً لمقتضي الزيادة المحتملة بذلك الأجل و كأنّه تساوی أمرهما من حيث الأجل الذي هو الشرط لمقتضي الزيادة، إلا إذا كان مبلغ القرض و أجله في العقد الأول متفاوتاً مع العقد الثاني ولكن ذلك لايضرّ في المقام لأن الأجل الذي هو شرط لمقتضي الزيادة المحتملة و عدّوه قسطاً من الثمن لايعدّ زيادة في باب الربا.

مناقشة في جواز اشتراط القرض في القرض:

ما قاله الفقهاء من «أنّ للأجل قسطاً من الثمن» یدلّ على أنّ من اشترط القرض اشترط في الحقیقة قسطاً من الزیادة، و هذا الاشتراط زیادة حكمیة، فلا یجوز اشتراط القرض في ضمن قرض آخر.

و الجواب عن المناقشة:

هو ما تقدّم من أنّ الأجل شرط لتأثیر المقتضي في جلب المنفعة و الزیادة المحتملة، و قد لا یجلبها العامل المقترض بل المعاملة مع المال القرضي قد توجب الضرر على المقترض و ذلك لوجود الموانع أو عدم تحقق الشروط الأخر.

مع أنّ الشارع ألغی حیثیة الزیادة في القرض و جعله اصطناعاً للمعروف؛ و لذا اشتراط القرض في ضمن القرض لیس بمعناه العرفي السوقي من اشتراط الزیادة، بل هو بمعنی اشتراط المعروف قبال معروف آخر و لیس ذلك قبیحاً، فإنّ الشارع اعتبر القرض أمراً حسناً و اصطناعاً للخیر، فالأدلّة الواردة في المقام منصرفة عن اشتراط القرض.

فإن العرف لایری للأجل في باب القرض قسطاً من الثمن، نعم یراه قسطاً من الثمن في باب البیع نسیئةً.

و إن أبیت عن ذلك فلا أقلّ من الشك في إطلاقه لاشتراط القرض، و مقتضی القاعدة جواز الاشتراط؛ لأنّ الأصل عدم تحقّق الزیادة.

والحاصل: أن اشتراط القرض في ضمن عقد القرض لايوجب الربا في القرض.

الأمر الثاني: في أنّ الشرط یمنع عن الربا أم لا؟ 

قال صاحب العروة!:

«هل الشرط كما أنّه موجب للربا يمنع عنه أيضاً كما إذا باعه منّين من الحنطة بمنّ و اشترط عليه خياطة ثوب مثلاً؟ الظاهر أنّه لايمنع».([23])

يلاحظ عليه:

إنّ الزيادة لابدّ أن تكون عرفية و أين الزيادة العرفية في هذا العقد؟ هل هي تكون في ناحية المبيع أو هي في ناحية الثمن؟ فإن قلنا إنّ منّاً من الحنطة یقع بإزاء خیاطة الثوب فلا زیادة في البین. فهذا الشرط ضمیمة للبیع المذکور و لها المالیة العرفیة، و سیأتي إن شاء الله تعالى أنّ انضمام الضمیمة من طرق التخلّص عن الربا.

نعم، قد یزید أحد الطرفین عند العرف على الطرف الآخر فیرید أن يتخلّص من الربا باشتراط عمل لامالية له عرفاً في قبال ما زاد في أحد طرفي البيع، فالضمیمة المذکورة لا مالیة لها فلا یمکن أن یتخلّص بها من الربا، فهذا البیع یعدّ ربویاً.

الأمر الثالث: انضمام الشرطین بطرفي البیع الربوي و مانعیته عن الربا

قال صاحب العروة!:

«لو جعل شرطاً في قبال شرط بأن باعه منّاً بمنّ و شرط عليه خياطة ثوب و شرط الآخر عليه كتابة مثلاً، يمكن أن يقال بالصحّة؛ لصدق المساواة خصوصاً مع تساوي الأُجرتين، لكنّه مع ذلك مشكل خصوصاً مع تفاوتهما كثيراً».([24])

یلاحظ علیه:

إنّ البیع هنا صحیح لانضمام الضمیمة بکلا الطرفین مع اختلاف الضمیمتین جنساً بل انضمام ضمیمة واحدة یوجب التخلّص عن الربا إلا مع عدم المالیة لکلا الشرطین لدی العرف؛ فإنّه حینئذ تصدق الزیادة في أحد الطرفین فیكون البیع ربویاً.

الأمر الرابع: الزيادة من غير اشتراط

يجوز أخذ الزيادة من غير أن یکون جزءً لطرفي العقد أو شرطا، و يدل عليه: صحيحتا إبراهيم بن عمر اليماني.

الصحيحة الأُولى: لإبراهيم بن عمر اليماني

مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُمَرَ الْيَمَانِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ% قَالَ: الرِّبَا رِبَاءَانِ رِبًا يُؤْكَلُ وَ رِبًا لَا يُؤْكَلُ فَأَمَّا الَّذِي يُؤْكَلُ فَهَدِيَّتُكَ إِلَى الرَّجُلِ تَطْلُبُ مِنْهُ الثَّوَابَ أَفْضَلَ مِنْهَا فَذَلِكَ الرِّبَا الَّذِي‏ يُؤْكَلُ وَ هُوَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏ (وَ ما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ) ([25])‏ وَ أَمَّا الَّذِي لَا يُؤْكَلُ‏ فَهُوَ الَّذِي نَهَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَنْهُ وَ أَوْعَدَ عَلَيْهِ النَّارَ. ([26])

الصحيحة الثانية: لإبراهيم بن عمر اليماني

[مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بِإِسْنَادِهِ] عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِـيسَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ%‏ فِي قَوْلِهِ‏: (وَ ما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ‏)([27]) قَالَ هُوَ هَدِيَّتُكَ إِلَى الرَّجُلِ تُرِيدُ مِنْهُ الثَّوَابَ أَفْضَلَ مِنْهَا فَذَلِكَ رِبًا يُؤْكَلُ. ([28])

أما السند: فصحیح، لأنّ حماد بن عیسی من أصحاب الإجماع و إبراهیم بن عمر الیماني من ثقات الإمامیة.

الأمر الخامس: الشك في تحقق الزیادة و التفاضل

و قد یعبّر عن ذلك بالشك في التماثل أو التفاضل.

أمّا في باب البیع:

فالبحث هنا في أنّ المعاملة إن كانت واجدة لكلا الشرطین المعتبرین في باب الربا المعاملي و هما اتّحاد جنس العوضین و كونهما من المكیل و الموزون، و لكن شككنا في تحقق الزیادة أو التماثل، فهل یحكم بأنّ الأصل عدم تحقق الزیادة فتصحّ المعاملة أو یحكم ببطلانها لعدم العلم بالتماثل؟

مقتضی التحقیق في باب البیع وفاقاً لصاحب العروة! ([29]) الحكم بالبطلان؛ لأنّ المستفاد من الأخبار هو أنّ التماثل شرط لصحة المعاملة؛ كما سیأتي إن شاء الله تعالى في البحث عن الحكم الوضعي للبیع الربوي؛ فإنّ مفاد الأخبار هو اعتبار كون البیع مثلاً بمثل، فلابدّ من إحراز التماثل حتّی یحكم بصحّته.

أمّا في باب الصلح:

إنّ القاعدة عند الشك في وجود التماثل هي صحّة الصلح، خلافاً لما تقدّم في البیع؛ لأنّ ما یدلّ على لزوم التماثل و شرطیّته مختصّ بباب البیع و لا إطلاق له بالنسبة إلى الصلح.

أمّا في باب القرض:

فللشك صورتان:

الصورة الأولى: إن كان الشك في مثلیّة ما یُجعل بدل ما في الذمّة في عقد القرض فالقاعدة البطلان؛ لأنّ الشك في ذلك یؤدّي إلى الشك في تحقّق القرض.

الصورة الثانیة: إن كان الشك في أنّ ما یشترطه زیادة عینیة أو حكمیة أم لا، فالقاعدة تقتضي الصحّة؛ لأنّ المثلیة المعتبرة في ذات القرض حاصلة، بحیث لو فقدت المثلیة لم یكن العقد قرضاً، و لكن إذا فرضنا تحقق القرض و شككنا في أنّ هذا الأمر الخارجي مثل اشتراط أمر فیه، موجب للزیادة العینیة أو الزیادة الحكمیة فیه أم لا، فمقتضی القاعدة عدم الإشكال؛ لأنّ الأصل عدم تحقّق الزیادة.

[12]‌. مجمع الفائدة و البرهان، المقدّس الأردبیلي!، ج8، ص459.

[13]‌. العروة الوثقى، السيد اليزدي!، ج6، ص10، مسألة3؛ جواهر الكلام، الشيخ محمد حسن النجفي، ج23، ص335.

[14]‌. جواهر الكلام، الشیخ محمد حسن النجفي، ج25، ص11.

[15]‌. مجمع الفائدة و البرهان، المقدّس الأردبیلي!، ج8، ص459.

[16]‌. قال صاحب الجواهر!: «بل قد يقال بعدم تحقق الربا باشتراط غير موضع العقد للتسليم، نحو ما قيل في القرض، بل لا أجد خلافاً فيه بين من تعرّض لذلك، كالفاضلين و الشهيد و المحقق الثاني و غيرهم، و الظاهر أن ذلك منهم فيه، للأصل و العمومات مع فقد المانع من نص و إجماع؛ لاختصاصهما بالمنع عن القرض بشرط النفع و ليس الإنقاد في بلدٍ آخر منه، و لعلّ ما نحن فيه كذلك؛ إذ ليس هو الاشتراط موضع خاص من مواضع التسليم غير ما انصرف إليه العقد و حينئذ فيكون ما ورد من الصحيح (في الرجل يسلف الرجل الورق على من ينقدها بأرض أخرى، و يشترط عليه ذلك، قال: لا بأس) و نحوه الخبر، مؤكداً لما عرفته من القاعدة». جواهر الکلام، الشیخ محمد حسن النجفي، ج24، ص33

و قال المحقق الكركي!: «قوله: فلو شرط القضاء في بلد آخر جاز، لعموم: (المؤمنون عند شروطهم). قوله: سواء كان في حمله مؤونة، أو لا. وسواء كانت المصلحة في ذلك في جانب المقرض أم المقترض، لكن لو كانت مصلحة الأداء في بلد آخر بالنسبة إلى المقرض، كالخلاص من مؤونة الحمل، أو السلامة من خوف النهب و نحوه، جاء احتمال فساد القرض لجر النفع، و قد صرح به شيخنا الشهيد في بعض فوائده. و قد عرفت أن الممنوع منه الزيادة في مال القرض عينا أو صفة، و ليس هذا واحداً منهما.» جامع المقاصد، المحقق الكركي، ج5، ص33.

[17]‌. جواهر الكلام، الشیخ محمد حسن النجفي، ج24، ص33.

[18]‌. العروة الوثقى، السيد اليزدي!، ج6، ص12، مسألة3.

[19]‌. العروة الوثقى، السيد اليزدي!، ج6، ص12، مسألة 3.

[20]‌. العروة الوثقى، السيد اليزدي!، ج6، ص12، مسألة 3.

[21]‌. الكافي، ج‏5، ص 244، کتاب المعیشة، باب الصروف، ح1؛ تهذيب الأحكام، ج‏7، ص112، کتاب التجارات، باب8، ح89(رواه بإسناده عن أحمد بن محمد)؛ وسائل الشيعة، ج‏18، ص190، کتاب التجارة، أبواب الصرف، باب12، ح1.

[22]‌. العروة الوثقى، السيد اليزدي، ج6، ص12، مسألة 3.

[23]‌. العروة الوثقی، السید الیزدي!، ج6، ص17، م 6.

[24]‌. العروة الوثقی، السید الیزدي!، ج6، ص17، م 6.

[25]‌. الروم (30): 39.

[26]‌. الكافي، ج‏5، ص145، کتاب المعیشة، باب الربا، ح6؛ تهذيب الأحكام، ج‏7، ص 17، کتاب التجارات، باب1، ح73 (رواه بإسناده عن علي بن إبراهیم)؛ وسائل الشيعة، ج‏18، ص125، کتاب التجارة، أبواب الربا، باب3، ح1.

[27]‌. الروم (30): 39.

[28]‌. من لا يحضره الفقيه، ج‏3، ص275، کتاب المعیشة، باب الربا، ح3995 (رواه بإسناده عن إبراهیم بن عمر)؛ تهذيب الأحكام، ج‏7، ص15،کتاب التجارات، باب1، ح67؛ وسائل الشيعة، ج‏18، ص126، کتاب التجارة، أبواب الربا، ح2.

[29]‌. العروة الوثقی، السید الیزدي!، ج6، ص40، م 17.

اين مطلب را به اشتراك بگذارید

اشتراک گذاری در telegram
اشتراک گذاری در whatsapp
اشتراک گذاری در twitter

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *