الطريق الخامس: بيع أحد طرفي المعاملة بثمن معیّن و اشتراء الطرف الآخر بذلك الثمن

فهرست مطلب

و هذا الطريق بتبديل بيع العوضين في المعاملة الربوية بالبيعين و هو ممّا نصّ عليه العلّامة الحلي(قدس سره) في نهاية الإحكام، فقال: «طريق التخلّص من الربا بيع السلعة بجنس غيرها، ثم يشتري بها الأخرى.» ((نهاية الإحكام، العلّامة الحلّي، ج2، ص553.))

و لهذا الطريق صورتان:

الصورة الأُولى:

و هي اشتراء المعوّض الآخر بثمن آخر مساوٍ للثمن الذي اشتری به المعوّض الأول.

إنّ آخذ الربا هو مالك الطرف الناقص و معطي الربا هو مالك الطرف الزائد، و لابدّ لآخذ الربا في تخلّصه من الربا أن يبيع الطرف الناقص بثمن معين مثل ألف دينار ثمّ يشتري من معطي الربا الطرف الزائد بمقدار الثمن المعين المذكور و هو ألف دينار آخر من أمواله مثلاً و يمكن أن يجعل الثمن جنساً آخر غير الدينار و الدرهم و الإسكناس مثل مائة كيلو أرز.

كما إذا باع آخذ الربا مائة كيلو من الحنطة بألف دينار من معطي الربا، ثمّ اشترى مأتين كيلو من الحنطة بألف دينار.

قال صاحب العروة(قدس سره): لا فرق في ذلك بين أن يشترط البيع الثاني في البيع الأوّل أو لا.

الصورة الثانية:

و هي اشتراء المعوّض الآخر بعين الثمن الذي اشتری به المعوّض الأول.

هنا نظريتان: بطلان هذا الطريق و هي نظرية الشيخ الطوسي(قدس سره) و صحّته و هي نظرية صاحب العروة(قدس سره) و هي المختار عندنا. فلنبحث عن دليل القولين:

النظرية الأُولى: عن الشيخ الطوسي(قدس سره)

و هي أنّ آخذ الربا إذا باع الطرف الناقص بثمن معين فلايجوز أن يشتري بعين الثمن المذكور الطرف الزائد من معطي الربا. و هذه النظرية هو ما ذهب إليه الشيخ الطوسي(قدس سره) في التهذيب و غيره.

الدليل الأول على النظرية الأُولى:

إنّ عوض العوض عوض، وعليه فإذا باع حنطة مثلاً بدراهم، لا يجوز له أن يأخذ عوض الدراهم حنطة أزيد؛ لأنّه بمنزلة أن يكون باع حنطة بحنطة بزيادة، وكذا إذا اشترى حنطة بدراهم لا يجوز أن يأخذ بدل الحنطة دراهم بزيادة؛ لأنّه بمنزلة أن يكون اشتری دراهم بدراهم بزيادة.

الدليل الثاني على النظرية الأُولى: صحيحة عليّ بن جعفر(عليه السلام)

[مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ] بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى عَنْ بُنَانِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُوسَى بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ رَجُلٍ لَهُ عَلَى آخَرَ تَمْرٌ أَوْ شَعِيرٌ أَوْ حِنْطَةٌ أَ يَأْخُذُ بِقِيمَتِهِ‏ دَرَاهِمَ؟ قَالَ(عليه السلام): إِذَا قَوَّمَهُ دَرَاهِمَ فَسَدَ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الَّذِي يَشْتَرِي بِهِ، دَرَاهِمُ؛ فَلَا يَصْلُحُ دَرَاهِمُ بِدَرَاهِمَ وَ سَأَلْتُهُ عَنْ رَجُلٍ أَعْطَى عَبْدَهُ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ عَلَى أَنْ يُؤَدِّيَ الْعَبْدُ كُلَّ شَهْرٍ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ أَ يَحِلُّ ذَلِكَ؟ قَالَ: لَا بَأْسَ. ((تهذيب الأحكام، ج‏7، ص 30؛ كتاب التجارة، باب3، ح17؛ الاستبصار، ج‏3، ص 74، كتاب البيوع، باب47؛ وسائل الشيعة، ج‏18، ص308؛ كتاب التجارة، أبواب السلف، باب 11،ح12.))

أمّا من جهة السند: فهي صحيحة لأنّ محمد بن أحمد بن يحيی من الأجلّاء و هو صاحب النوادر و كذلك موسی بن القاسم البجلي و أمّا بنان بن محمد فهو أخ أحمد بن محمد بن عيسی الأشعري و ما قيل من أنّه مجهول غير مرضيّ فإنّه من رجال نوادر الحكمة و كامل الزيارات.

أمّا من جهة الدلالة: فالتعليل المذكور في هذه الصحيحة و هو قوله(عليه السلام):«إِذَا قَوَّمَهُ دَرَاهِمَ فَسَدَ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الَّذِي يَشْتَرِي بِهِ، دَرَاهِمُ» يدلّ على البطلان.

مناقشات صاحب العروة(قدس سره) في الدليلين: ((العروة الوثقى، السيد اليزدي(قدس سره)، ج6، ص76، مسألة 61.))

أمّا مناقشته في الدليل الأول:

قال(قدس سره): نمنع كون عوض العوض بمنزلة العوض.

أمّا مناقشاته في الدليل الثاني:

أوّلاً: إنّ الخبر المذكور ظاهر في المنع ولو من غير زيادة، و الشيخ عدل عن هذه الفتوى في بعض كتبه.(( الخلاف، الشيخ الطوسي(قدس سره)، ج3، ص61، م98.))

و ثانياً: الخبر المذكور ضعيف معرض عنه.
و فيه أنّه قد تقدّم صحّة الخبر المذكور.

و ثالثاً: الخبر المذكور معارض بجملة من الأخبار المطلقة الدالة علی الجواز.

و لعلّ مراده من الأدلّة التي تعارض الخبر المذكور هذه الأخبار الثلاثة:

الخبر الأوّل: صحيحة علي بن محمد القاساني

[مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ] بِإِسْنَادِهِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ وَ قَدْ سَمِعْتُهُ مِنْ عَلِيٍّ قَالَ: كَتَبْتُ إِلَيْهِ رَجُلٌ لَهُ عَلَى رَجُلٍ تَمْرٌ أَوْ حِنْطَةٌ أَوْ شَعِيرٌ أَوْ قُطْنٌ فَلَمَّا تَقَاضَاهُ، قَالَ: خُذْ بِقِيمَةِ مَا لَكَ عِنْدِي دَرَاهِمَ، أَ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ فَكَتَبَ(عليه السلام): يَجُوزُ ذَلِكَ عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ. ((تهذيب الأحكام، ج‏6، ص 205، كتاب الديون، باب82 ‏، ح23؛ و أيضا: ج‏7، ص 44، ح 79، كتاب التجارة، باب3، (رواه بإسناده الصفار عن علي بن محمد قال: كَتَبْتُ إِلَيْهِ وَ ذَكَرَ مِثْلَه‏)وسائل الشيعة، ج‏18، ص 308، أبواب السلف، باب11، ح11.))

أمّا السند: فإسناد الشيخ إلى محمد بن الحسن الصفّار صحيح و هو من أجلّاء الطائفة و محمد بن عيسی بن عبيد أيضاً من الأجلّاء و علي بن محمد القاساني من ثقات الإمامية، فالسند صحيح.

و أمّا الدلالة: فلا نسلّم تعارضها مع صحيحة عليّ بن جعفر(عليه السلام)، لأنّ صحيحة القاساني ليس صريحاً بل و لا ظاهراً في أنّ المعاملة وقعت دراهم بدراهم حتّی تعارض صحيحة علي بن جعفر(عليه السلام).

الخبر الثاني: صحيحة يعقوب بن شعيب

[مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ] بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبَانٍ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ شُعَيْبٍ‏ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام) عَنْ رَجُلٍ‏ بَاعَ‏ طَعَاماً بِدَرَاهِمَ‏ فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الْأَجَلُ تَقَاضَاهُ فَقَالَ لَيْسَ عِنْدِي دَرَاهِمُ خُذْ مِنِّي طَعَاماً. قَالَ(عليه السلام): لَا بَأْسَ إِنَّمَا لَهُ دَرَاهِمُهُ يَأْخُذُ بِهَا مَا شَاءَ. ((الكافي، ج‏5، ص 186، كتاب المعيشة، باب السلم في الطعام، ح8(رواه عن حُميد بن زياد عن الحسن بن محمد بن سماعة عن غير واحد عن أبان عن يعقوب بن شعيب و عبيد بن زرارة)؛ من لا يحضره الفقيه، ج‏3، ص 262، كتاب المعيشة، باب السلف في الطعام و الحيوان، ح3944؛ تهذيب الأحكام، ج‏7، ص33، كتاب التجارات، باب3، ح24(رواه بإسناده عن الحسن بن محمد بن سماعة)؛ الاستبصار، ج‏3، ص77، كتاب البيوع، باب 48، ح2؛ وسائل الشيعة، 18، ص307، كتاب التجارة، أبواب السلف، باب11، ح10.))

أمّا السند: فصحيح فإنّ إسناد الصدوق إلى أبان بن عثمان صحيح و هو من أصحاب الإجماع و يعقوب بن شعيب من ثقات الإمامية.

و لكن هذه الرواية أجنبية عمّا نحن بصدده، لأنّ الكلام في معاملة الدراهم بدراهم و هذه الرواية واردة في مقام معاوضة الطعام بطعام آخر عند عدم وجود دراهم عند المشتري.

الخبر الثالث: صحيحة أبان بن عثمان

[مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ عَنْ] أَحْمَدِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام) فِي‏ الرَّجُلِ‏ يُسْلِمُ‏ الدَّرَاهِمَ‏ فِي الطَّعَامِ إِلَى أَجَلٍ فَيَحِلُّ الطَّعَامُ فَيَقُولُ لَيْسَ‏ عِنْدِي طَعَامٌ وَ لَكِنِ انْظُرْ مَا قِيمَتُهُ فَخُذْ مِنِّي ثَمَنَهُ. فَقَالَ(عليه السلام): لَا بَأْسَ بِذَلِكَ. ((الكافي، ج‏5، ص 185، كتاب المعيشة، باب السلم في الطعام، ح6؛ تهذيب الأحكام، ج7، ص30، كتاب التجارات، باب بيع المضمون، ح15؛ الاستبصار، ج3، ص75، كتاب البيوع، باب47، ح7؛ وسائل الشيعه، ج18، ص305، ح، كتاب التجارة، أبواب السلف، باب11، ح5.))

أمّا السند: فهو معتبر؛ فإنّ أحمد بن محمد بن عيسی من أجلاء الطائفة، و ابن أبي عمير من أصحاب الإجماع و مشايخ الثقات، و أبان بن عثمان أيضاً من أصحاب الإجماع، و مرسلات أصحاب الإجماع عندنا صحاح باصطلاح القدماء. و من جهة آخر الرواية موجودة في الكافي، فهي معتبرة على مبنی المحقّق النائيني(قدس سره) و بعض الأعلام.

و هذه الرواية ظاهرة في معاوضة الدراهم بدراهم إلا أنّه لم يصرّح بأنّ الثمن الذي يأخذه بدلاً من الطعام من بائع الطعام هي الدراهم، و حينئذٍ إن لم نقل بظهورها في أنّ الثمن أيضاً من الدراهم، يمكن القول بأنّ هذه الرواية مطلقة و صحيحة عليّ بن جعفر(عليه السلام) مقيدة لها، لكن الظاهر هو أنّ الثمن أيضاً من جنس الدراهم، فيتعارضان و القاعدة عند التعارض تقتضي الترجيح بالشهرة الروائية، و رواية أبان هي المشتهرة بالشهرة الروائية، فهي تتقدّم على صحيحة علي بن جعفر(عليه السلام).
نتيجة البحث: عدم الإشكال في الصورة الثانية، خلافاً للشيخ الطوسي(قدس سره).

النظرية الثانية: عن صاحب العروة(قدس سره) و هي المختار

و هي جواز التخلّص من الربا بكلا الوجهين و هما: الشراء بعين الثمن أو الشراء بفرد آخر من الثمن يساوي مقداره و هي مختار صاحب العروة(قدس سره).

و الدليل على ذلك: هو ترجيح صحيحة أبان لشهرتها على صحيحة علي بن جعفر(عليه السلام) بعد تعارض الأخبار التي أشرنا إليها.

تنبيه: شمول هذه الطريقة للربا المعاملي و للربا القرضي

هذه الطريقة تشمل الربا القرضي أيضاً يعني البيع الأول يكون نقدياً لكن البيع الثاني من جانب المقترض لابدّ من أن يكون سلفاً بأن يأخذ الثمن المعين و يعطي الجنس الزائد في الأجل الآتي.

اين مطلب را به اشتراك بگذارید

اشتراک گذاری در telegram
اشتراک گذاری در whatsapp
اشتراک گذاری در twitter

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *