عموم حکم الربا لأنواع العقود

فهرست مطلب

[سلسله دروس فقه اقتصاد / استاد محقق حاج شیخ محمد علی بهبهانی]

لا خلاف بین الأعلام في جریان الربا في البیع و القرض، و الكلام هنا في جریان الربا في سائر العقود، فلابدّ أولاً من ملاحظة الأقوال و الآراء، ثمّ بیان مقتضی الأدلة و الأخبار، و بعد ذلك تصل النوبة إلى تعیین العقود التي یجري فیها الربا و ما لا یجري فیها الربا.

أما الأقوال:

إنّ مختار بعض الفقهاء هو القول باختصاص الربا بالبیع و القرض؛ و مختار بعضهم هو القول بالتعمیم؛ لكن بعض الأعلام اختلفت كلماتهم في المواضع المختلفة من كتبهم فالمستفاد من بعضها القول بالتعمیم؛ كما أن المستفاد من بعض كلماتهم هو القول باختصاص الربا بالبیع و القرض، فنشیر إلى ذلك حسبما أفاده صاحب مفتاح الكرامة(قدس سره) و صاحب الحدائق(قدس سره).

أمّا القائلون بالتعمیم:

إنّ السید العاملي(قدس سره) صاحب مفتاح الكرامة قد عدّ القائلین بعموم الربا لسائر العقود، فقال:

قد حكي عن السيّد و الشيخ و القاضي و ابن المتوّج و فخر المحقّقين من أنّه يثبت في كلّ معاوضة، و لا يختصّ بالبيع و هو خيرة الشهيدين في صلح «الدروس و المسالك و الروضة» و غصب الأوّلين (أي الدروس و المسالك) و أبي العباس (ابن فهد الحلي) في صلح «المهذّب والمقتصر» و الفخر في صلح «الإيضاح» و الصالح القطيفي و المحقّق الثاني و الفاضل الميسي و المقدّس الأردبيلي و غيرهم؛ و هو صريح «الشرائع» في باب الغصب و ظاهرها في باب الصلح.

و قال صاحب الحدائق(قدس سره): … و بالعموم صرّح الشهيد الثاني و ثاني المحققين في المسالك و شرح القواعد، و ذكر بعض المحققين أنه قول الأكثر، و ظاهر صاحبي المسالك و شرح القواعد الاستناد في العموم إلى قوله عز وجل: ﴿وَ حَرَّمَ الرِّبا﴾. ((الحدائق الناضرة، المحقق البحراني، ج 19، ص 270.))

أما القائلون بالاختصاص:

إنّ صاحب مفتاح الكرامة(قدس سره) أشار إلى القائلین بالاختصاص، فقال:

لكن ظاهرها (أي ظاهر الشرایع) في المقام و صريح «السرائر» في باب الغصب و «المختلف» في الباب المذكور و ظاهر غصب «المبسوط و الشرائع و التحرير و التذكرة» في موضع منها (على ما فهمه منهم الشهيد في «الدروس» لا على ما فهمه الشهيد الثاني) و صريح «الإرشاد و الكتاب» في المقام و «المختلف» في باب الصلح أنّه إنّما يثبت في البيع و هو ظاهر الأصحاب.(( مفتاح الكرامة، ج 14، ص 17.))

و قال صاحب الحدائق(قدس سره):
… بالاختصاص يشعر كلام المحقق في كتاب البيع من الشرايع ، والعلامة في الإرشاد والقواعد ، إلا أن المحقق في باب الغصب صرح بثبوته في كل معاوضة ، وهو ظاهر اختياره في باب الصلح ، و العلامة في باب الصلح من القواعد تردد في ذلك على ما نقله الشارح المتقدم.(( الحدائق الناضرة، المحقق البحراني، ج 19، ص 270.))

أدلّة القول بالتعمیم

أما الأدلّة التي أقاموها على عموم الرّبا لسائر العقود:

الدلیل الأول: العمومات، منها عموم الآیة

إنّ الربا هو الزيادة و العمومات الناهیة عن الربا؛ مثل آیة: ﴿وأَحَلَّ الله الْبَيْعَ و حَرَّمَ الرِّبا﴾ ((البقره(2): 275.)) تشمل جمیع العقود إلا ما خرج بالدلیل

الدلیل الثاني: إطلاقات الأدلة

إنّ بعض الأدلّة الناهیة عن الربا مطلقة و لاتختصّ بالبیع:

الروایة الأُولى: صحيحة عبدالرحمن بن أبي عبد الله البصري
[مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ] عَنْهُمْ [عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا] عَنْ سَهْلٍ وَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ جَمِيعاً عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ عَنْ أَبَانٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(علیه السلام) أَ يَجُوزُ قَفِيزٌ مِنْ حِنْطَةٍ بِقَفِيزَيْنِ مِنْ شَعِيرٍ. فَقَالَ: لَا يَجُوزُ إِلَّا مِثْلاً بِمِثْلٍ. ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الشَّعِيرَ مِنَ الْحِنْطَةِ.(( الكافي، ج‏5، ص188، کتاب المعیشة، باب المعاوضة في الطعام، ح5؛ تهذيب الأحكام، ج‏7، ص 96، کتاب التجارات، باب8 ،ح16(رواه بإسناده عن أحمد بن محمد عن ابن أبي نصر)؛ وسائل الشيعة، ج18، ص138، کتاب التجارة، أبواب الربا، باب8، ح2.))

أمّا السند: فإنّ عدة الکلیني(قدس سره) كلّهم ثقات بلا كلام و سهل بن زیاد الآدمي هو مختلف فیه فقال المحقق الخوئي(قدس سره) و تلمیذه الأستاذ المحقق التبریزی(قدس سره) بعدم وثاقته و احتاط فیه بعض أعاظم الأصولیین من أساتیذنا و ذهب السيد المحقق الزنجاني إلى وثاقته و هو المختار، و محمد بن یحیی العطار من الأجلاء، و هکذا أحمد بن محمد بن عیسی الأشعري، و أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي من مشایخ الثقات و أصحاب الإجماع، و أبان بن عثمان من أصحاب الإجماع، و عبد الرحمن بن أبي عبد الله البصري من ثقات الإمامیة.

الروایة الثانیة: صحيحة أبي بصير
[مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ] عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ عَنْ صَفْوَانَ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ حَازِمٍ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ وَ غَيْرِهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(علیه السلام) قَالَ: الْحِنْطَةُ وَ الشَّعِيرُ رَأْساً بِرَأْسٍ لَا يُزَادُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ.(( الكافي، ج‏5، ص187، کتاب المعیشة، باب المعاوضة في الطعام،‏ ح2؛ من لا يحضره الفقيه، ج‏3، ص281، کتاب المعیشة، باب الربا، ح4013(رواه بإسناده عن أبي بصیر)؛ تهذيب الأحكام، ج‏7، ص95، کتاب التجارات، باب8، ح8 (رواه بإسناده عن الحسین بن سعید عن صفوان)؛ وسائل الشيعة، ج‏18، ص138، کتاب التجارة، أبواب الربا، باب8، ح3.))
و رجال الروایة کلّهم من الثقات و الأجلّاء.

الروایة الثالثة: صحیحة سماعة
[مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ] عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عِيسَى عَنْ سَمَاعَةَ قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ الْحِنْطَةِ وَ الشَّعِيرِ فَقَالَ إِذَا كَانَا سَوَاءً فَلَا بَأْسَ قَالَ وَ سَأَلْتُهُ عَنِ الْحِنْطَةِ وَ الدَّقِيقِ‏ فَقَالَ إِذَا كَانَا سَوَاءً فَلَا بَأْسَ. ((الكافي، ج‏5، ص 188، کتاب المعیشة، باب المعاوضة في الطعام، ح4؛ تهذيب الأحكام، ج‏7، ص95، کتاب التجارات، باب8، ح11(رواه بإسناده عن الحسین بن سعید عن عثمان بن عیسی)؛ وسائل الشيعة، ج‏18، ص139، کتاب التجارة، أبواب الربا، باب8، ح6.))
و رجاله من الأجلّاء و سماعة بن مهران أیضاً جلیل و نسبة الوقف إلیه مخدوشة.

الروایة الرابعة: صحیحة سیف التمار:
[مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ] عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ سَيْفٍ التَّمَّارِ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي بَصِيرٍ أُحِبُّ أَنْ تَسْأَلَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) عَنْ رَجُلٍ اسْتَبْدَلَ قَوْصَرَتَيْنِ فِيهِمَا بُسْرٌ مَطْبُوخٌ بِقَوْصَرَةٍ فِيهَا تَمْرٌ مُشَقَّقٌ قَالَ فَسَأَلَهُ أَبُو بَصِيرٍ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ هَذَا مَكْرُوهٌ فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ وَ لِمَ يُكْرَهُ؟ فَقَالَ: إِنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ(علیه السلام) كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَسْتَبْدِلَ وَسْقاً مِنْ تَمْرِ الْمَدِينَةِ بِوَسْقَيْنِ مِنْ تَمْرِ خَيْبَرَ لِأَنَّ تَمْرَ الْمَدِينَةِ أَدْوَنُهُمَا وَ لَمْ يَكُنْ عَلِيٌّ(علیه السلام) يَكْرَهُ الْحَلَالَ.(( الكافي، ج‏5، ص 188، کتاب المعیشة، باب المعاوضة في الطعام، ح7؛ تهذيب الأحكام، ج‏7، ص 96، کتاب التجارات، باب8، ح18(رواه بإسناده عن الحسن بن محبوب مثله و ترك قوله: لِأَنَّ تَمْرَ الْمَدِينَةِ أَدْوَنُهُمَا)؛ وسائل الشيعة، ج‏18، ص 151، کتاب التجارة، أبواب الربا، باب15، ح1.))

أما السند: فهو صحیح، فإنّ محمد بن یحیی العطار من أجلّاء الطائفة، و أحمد بن محمد بن عیسی الأشعری من الأجلّاء و الحسن بن محبوب من أصحاب الإجماع على قول، و سیف التمّار ثقة إمامي.

الدلیل الثالث: ما كان صریحاً في غیر البیع

صحیحة محمد بن مسلم:
[مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ] عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(علیه السلام) قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ الرَّجُلِ يَدْفَعُ إِلَى الطَّحَّانِ الطَّعَامَ فَيُقَاطِعُهُ عَلَى أَنْ يُعْطِيَ لِكُلِّ عَشَرَةِ أَرْطَالٍ اثْنَيْ عَشَرَ دَقِيقاً. قَالَ: لَا. قُلْتُ: فَالرَّجُلُ يَدْفَعُ السِّمْسِمَ إِلَى الْعَصَّارِ وَ يَضْمَنُ لَهُ لِكُلِّ صَاعٍ أَرْطَالاً مُسَمَّاةً. قَالَ: لَا.(( الكافي، ج‏5، ص189، کتاب المعیشة، باب المعاوضة في الطعام، ح11؛ من لا يحضره الفقيه، ج‏3، ص233، کتاب المعیشة، باب البیوع، ح3860 (رواه بإسناده عن العلاء إلّا أنه قال لکل عشرة أمنان عشرة أمنان)؛ تهذيب الأحكام، ج‏7، ص96، کتاب التجارات، باب8، ح17(رواه بإسناده عن أحمد بن محمد عن علي بن الحکم عن عن أبي ایوب عن العلاء جمیعا) و أیضا ج‏7، ص 45، کتاب التجارات، باب3، ح85 (رواه بإسناده عن أحمد بن محمد عن علي بن الحکم عن أبي أیوب عن محمد بن مسلم)؛ وسائل الشيعة، ج‏18، ص141، کتاب التجارة، أبواب الربا، باب 9،ح3.))

أدلّة القول بالاختصاص

الدلیل الأول: اختصاص تعریف الربا بهما

إن الربا المنهي عنه هو البيع و القرض الربویان؛ و بعبارة أخری نفس البیع و القرض مع وصف الزيادة؛ كما يؤمي إليه تعريف بعضهم للربا بالبیع و القرض المشتمل علی الزیادة، أو إنّه الزيادة في البیع و القرض خاصّة لغةً أو شرعاً.

جواب صاحب الجواهر(قدس سره):
إنه لا شاهد لها، بل الشواهد جميعاً على خلافها حتّى ما ورد في وجه تحريمه من تعطيل المعاش، و اصطناع الناس المعروف و نحوهما.(( جواهر الكلام، الشیخ محمد حسن النجفي، ج23، ص338.))

الدلیل الثاني: اختصاص أدلّة التحریم بهما

إنّ أدلّة حرمة الربا مختصّة بالبیع و القرض، و لذا نری أنّ الفقهاء قسّموا الربا في المباحث الفقهیة إلى الربا في البیع و الربا في القرض، فلا یجري الربا في غیرهما.

یلاحظ علیه: قد تقّدم أنّ إطلاق الأدلّة یشمل غیرهما، كما أنّ صحیحة محمد بن مسلم صریحة في غیرهما.

المعاملات التي یجري فیها الربا

الأولى: المعاوضات بالمعنی الأعمّ مثل الصلح و غیره

و الظاهر جريانه في المعاوضات بالمعنی الأعم كالصلح ، وكالمبادلة والمعاوضة بالمعنی الأخصّ و هي المبادلة من غير تعيين للبائع والمشتري كما إذا تعاوضا و تبادلا جنساً بجنس؛ فإنّها معاملة مستقلّة غير البيع، و لا يجري فيها الأحكام المختصّة بالبیع. و الدلیل علیه شمول الأدلّة التي أقاموها للمعاوضات بالمعنی الأعمّ.

قال المحقق الخوئي(قدس سره): «الأظهر اختصاصه بما كانت المعاوضة فيه بين العينين، سواء أ كانت بعنوان البيع أو الصلح مثل أن يقول صالحتك على أن تكون هذه العشرة التي لك بهذه الخمسة التي لك الخ»(( منهاج الصالحین، المحقق الخوئي(قدس سره)، ج2، ص52)) و لکن بعض الأساطین من أساتیذنا مدّ ظلّه قال بالاحتیاط في الصلح.(( منهاج الصالحین، مع تعلیقة الأستاذ المحقق الوحید الخراساني مد ظلّه، ج3، ص56، الفصل التاسع.))

الثانیة: الهبة المعوّضة

قد اختلف في جريانه في الهبة المعوّضة:
النظریة الأولى:
و هي جریان الربا في الهبة المعوّضة و هذا القول مختار المحقّق الحلّي(قدس سره) في الشرائع و أیضاً مختار صاحب الجواهر(قدس سره)؛ لأنّها و إن كانت هبة في مقابلة هبة، إلاّ أنّها في اللبّ مبادلة بين الموهوبين.

یلاحظ علیها:
إنّ الهبة المعوّضة هي الهبة التي اشترط فیها وقوع هبة أُخری من جانب الطرف الآخر من غیر أن ینتقل الموهوب في الهبة الثانیة التي لم یقع إلى الواهب بنفس وقوع الهبة الأولى، و بعبارة أخری بنفس انتقال الموهوب الأول لم ینتقل الموهوب الآخر؛ لعدم تحقق الهبة الثانیة حین وقوع الهبة الأولى، فكیف یقع المبادلة بین الموهوبین.

النظریة الثانیة:
و هي عدم جریان الربا فیها و هذه النظریة هي المختار من بین الأقوال.
و الوجه في عدم جریان الربا في الهبة المعوضة هو انصراف الأخبار عنها؛ لأنّ الظاهر من تلك الروایات هو أنّ محطّها العقود المعاوضیة، لا المعاوضة بین العقود.

و أمّا صاحب العروة(قدس سره) فقال أول الأمر بأنّ الظاهر هو جریان الربا في الهبة المعوّضة و لكن قال بعد ذلك بأنّه یمكن أن یقال بانصراف الأخبار عن الهبة المعوّضة. ((العروة الوثقى، السيد اليزدي(قدس سره)، ج6، ص 18- 17، مسألة 7.))

الثــالثة: الإبـراء

النظریة الأولى:
مقتضى القول بجریانه في الهبة المعوضة هو جريانه في الإبراء بشرط الإبراء، كما إذا قال: أبرأتك ممّا لي عليك من عشرة دراهم بشرط أن تبرئني ممّا لك عليَّ من عشرين درهماً.

النظریة الثانیة:
و هي عدم جریانه في الإبراء و هو المختار.

أمّا الوجه في عدم جریان الربا في الإبراء المشروط بالإبراء هو أنّ الأخبار منصرفة عن الإبراء؛ كما تقدّم في الهبة المعوضة و لاأقلّ من الشك في إطلاق الأخبار بالنسبة إلى الإبراء و القاعدة عند الشك هو عدم الحجّیة.

و صاحب العروة(قدس سره) ذهب إلى أنّ الظاهر هو جریان الربا في الإبراء كما تقدّم في الهبة المعوّضة و لكن قال بعد ذلك بأنّه یمكن أن یقال بانصراف الأخبار عن الإبراء.(( العروة الوثقى، السيد اليزدي(قدس سره)، ج6، ص 18- 17، مسألة 7.))

الـرابعة: التعاوض

و اختلف الأصحاب في جریانه في التعاوض لا بعنوان المعاوضة بین الطرفین بل بمعنی قبول العوض و للتعاوض ثلاثة موارد:
المورد الأول: الوفاء بالديون.
المورد الثاني: الغرامات.
المورد الثالث: القسمة.

أما المورد الأول للتعاوض: و هو الوفاء بالدیون

و قد مثّلوا لذلك مثالین:
المثال الأول: و هو ما إذا كان عليه عشرة دراهم فيوفيه بدفع اثني عشر درهماً. فإنّه ليس بعنوان المعاوضة إلاّ أنّ المدفوع عوض عمّا في ذمّته إذا قصد الوفاء بالمجموع لا بالعشرة منها و هبة الزائد.

المثال الثاني: إذا كان عليه عشرة مؤجّلا فيرضى الدائن بثمانية حالّاً، إذا كان القصد إلى كون الثمانية وفاءً عن عشرة لا عن ثمانية و يكون إبراءً عن الاثنين.

الاستدلال على جریان الربا في الوفاء بالدیون:
و ربّما يحتمل كونه ربا، لأنّه تعاوض بل في اللبّ معاوضة فتشمله الأخبار.

یلاحظ علیه:
لو فرضنا شمول الأخبار لهذا المورد فلابد أن نلتزم بتخصیص عمومات الربا و تقیید إطلاقاته لما ورد في الترخیص عنه.
الاستدلال على عدم جریان الربا فیه:

أولاً: إنّ الوفاء بالدین خارج عن عمومات أدلة حرمة الربا تخصّصاً و ینصرف عنه إطلاقات تلك الأدلة؛ لأنّ تلك الأدلة كلها واردة في موارد البیع والقرض و العقود المعاوضیة.

ثانیاً: صحیحة خالد بن حجاج
[مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ] عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى‏ [عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى] عَنْ يَحْيَى بْنِ الْحَجَّاجِ عَنْ خَالِدِ بْنِ الْحَجَّاجِ قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ الرَّجُلِ كَانَتْ لِي عَلَيْهِ مِائَةُ دِرْهَمٍ عَدَداً قَضَانِيهَا مِائَةً [دِرْهَمٍ] وَزْناً قَالَ‏: لَا بَأْسَ مَا لَمْ يَشْتَرِطْ .قَالَ وَ قَالَ: جَاءَ الرِّبَا مِنْ قِبَلِ الشُّرُوطِ إِنَّمَا يُفْسِدُهُ الشُّرُوطُ.

فإنّ ظهور هذه الصحیحة هو الوفاء بالدین و صریح الروایة عدم تحقّق الربا فیه من غیر اشتراط في نفس القرض.

ثالثاً: صحیحة محمّد بن مسلم
[مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ] عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ[الخزاز] عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِاللَّهِ(علیه السلام) عَنِ الرَّجُلِ يَسْتَقْرِضُ مِنَ الرَّجُلِ قَرْضاً وَ يُعْطِيهِ الرَّهْنَ إِمَّا خَادِماً وَ إِمَّا آنِيَةً وَ إِمَّا ثِيَاباً فَيَحْتَاجُ إِلَى شَيْ‏ءٍ مِنْ مَنْفَعَتِهِ‏ فَيَسْتَأْذِنُ فِيهِ فَيَأْذَنُ لَهُ قَالَ إِذَا طَابَتْ نَفْسُهُ فَلَا بَأْسَ. قُلْتُ: إِنَّ مَنْ عِنْدَنَا يَرْوُونَ أَنَّ كُلَّ قَرْضٍ يَجُرُّ مَنْفَعَةً فَهُوَ فَاسِدٌ. فَقَالَ(علیه السلام): أَ وَ لَيْسَ خَيْرُ الْقَرْضِ مَا جَرَّ مَنْفَعَةً. ((الكافي، ج‏5، ص255، کتاب المعیشة، باب القرض یجر المنفعة، ح1؛ من لا يحضره الفقيه، ج‏3، ص285، کتاب المعیشة، باب الربا، ح 4029(رواه بإسناده عن محمد بن مسلم)؛ تهذيب الأحكام، ج‏6، ص201، کتاب الدیون، باب82، ح6(رواه بإسناده عن علي بن إبراهیم)؛ وسائل الشيعة، ج‏18، ص354 ، کتاب التجارة، أبواب الدین و القرض، باب19، ح4.))
و السند صحیح و رجال السند کلهم من الأجلاء.

رابعاً: صحیحة الحلبي
[مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ] عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ حَمَّادٍ عَنِ الْحَلَبِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(علیه السلام) قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ الرَّجُلِ يَسْتَقْرِضُ الدَّرَاهِمَ الْبِيضَ عَدَداً ثُمَّ يُعْطِي‏ سُوداً وَزْناً وَ قَدْ عَرَفَ أَنَّهَا أَثْقَلُ مِمَّا أَخَذَ وَ تَطِيبُ‏ نَفْسُهُ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ فَضْلَهَا فَقَالَ لَا بَأْسَ بِهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَرْطٌ وَ لَوْ وَهَبَهَا لَهُ كُلَّهَا صَلَحَ [كَانَ أَصْلَح‏].(( الكافي، ج‏5، ص253، کتاب المعیشة، باب الرجل یقرض الدراهم و یأخذ أجود منها، ح1؛ من لا يحضره الفقيه، ج‏3، ص284، کتاب التجارات، باب الربا، ح4025(رواه بإسناده عن ابن مسکان عن الحلبي)؛ تهذيب الأحكام، ج‏6، ص200، کتاب الدیون، باب82، ح2(رواه بإسناده عن علي بن إبراهیم)؛ و أیضا: ج‏7، ص109، کتاب التجارات، باب8، ح76(رواه بإسناده عن الحسین بن سعید عن ابن أبي عمیر)؛ وسائل الشيعة، ج‏18، ص191،کتاب التجارة، أبواب الصرف، باب12، ح2.))
و المستفاد منها عدم تحقق الربا في الوفاء بالدیون إذا لم یشترط الزیادة في نفس عقد القرض.

المناقشة في أدلّة عدم تحقق الربا في الوفاء بالدیون:

المناقشة الأولى: تعارض الروایات
إنّ الظاهر من بعض الروایات تحقّق الربا و لو مع عدم اشتراط الزیادة.

المعارض الأول: صحیحة هشام
[مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ] عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ وَ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ جَمِيعاً عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِاللَّهِ(علیه السلام) قَالَ: سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يَبِيعُ الرَّجُلَ الطَّعَامَ الْأَكْرَارَ فَلَا يَكُونُ عِنْدَهُ مَا يُتِمُّ لَهُ مَا بَاعَهُ فَيَقُولُ لَهُ خُذْ مِنِّي مَكَانَ كُلِّ قَفِيزِ حِنْطَةٍ قَفِيزَيْنِ مِنْ شَعِيرٍ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ مَا نَقَصَ مِنَ الْكَيْلِ. قَالَ: لَا يَصْلُحُ لِأَنَّ أَصْلَ الشَّعِيرِ مِنَ الْحِنْطَةِ وَ لَكِنْ يَرُدُّ عَلَيْهِ الدَّرَاهِمَ بِحِسَابِ مَا يَنْقُصُ مِنَ الْكَيْلِ. ((الكافي، ج‏5، ص187، کتاب المعیشة، باب المعاوضة في الطعام، ح1؛ تهذيب الأحكام، ج‏7، ص96، کتاب التجارات، باب8، ح15(رواه بإسناده عن الحسن بن محبوب)؛ وسائل الشيعة، ج 18، ص137، کتاب التجارة، أبواب الربا، باب8، ح1.))

المعارض الثاني: صحیحة الحلبي
[مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ] عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عُثْمَانَ عَنِ الْحَلَبِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(علیه السلام) قَالَ: قَالَ: لَا يُبَاعُ مَخْتُومَانِ مِنْ شَعِيرٍ بِمَخْتُومٍ مِنْ حِنْطَةٍ وَ لَا يُبَاعُ إِلَّا مِثْلاً بِمِثْلٍ وَ التَّمْرُ مِثْلُ ذَلِكَ. قَالَ: وَ سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يَشْتَرِي الْحِنْطَةَ فَلَا يَجِدُ صَاحِبُهَا إِلَّا شَعِيراً أَ يَصْلُحُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ اثْنَيْنِ بِوَاحِدٍ؟ قَالَ: لَا إِنَّمَا أَصْلُهُمَا وَاحِدٌ وَ كَانَ عَلِيٌّ(علیه السلام) يَعُدُّ الشَّعِيرَ بِالْحِنْطَةِ. ((الكافي، ج‏5، ص187، کتاب المعیشة، باب المعاوضة في الطعام، ح3 ؛ تهذيب الأحكام، ج‏7، ص94، کتاب التجارات، باب8، ح5؛ وسائل الشيعة، ج 18، ص 138، کتاب التجارة، أبواب الربا، باب8، ح4.))

الجواب عن المناقشة الأولى:
هو أنّ تلك الروایات واردة في باب المعاوضة بالمعنی الأخصّ لأنّ ظاهر الروایات المعارضات هو المبادلة بین الجنس المذكور في البیع المفقود عند التسلیم و بین جنس آخر مع زیادة علیه.

المناقشة الثانیة:
إنّ الربا في القرض أیضاً لیس إلا في ما إذا اشترط الزیادة و أمّا مع عدم اشتراط الزیادة فلا یتحقّق الربا في القرض فكما أنّ الربا جارٍ في عقد القرض فهو جارٍ أیضاً في الوفاء بالدین.

الجواب عن المناقشة الثانیة:
لو فرضنا اشتراط الزیادة في مقام الوفاء بالدین من دون اشتراطٍ في نفس القرض فلاحرمة في الوفاء بالدین أیضاً لما تقدّم في الدلیل الأول للقائل بعدم تحقق الربا في الوفاء بالدین و هو انصراف أدلة حرمة الربا عن التعاوض المذكور.
فالمتحصل عدم تحقق الربا في الوفاء بالدین، و تظهر ثمرة ذلك في طرق التخلص عن الربا.

أما المورد الثاني للتعاوض: و هو الغرامات

إنّ المختار هو ما ذهب إلیه صاحب العروة(قدس سره) ((العروة الوثقى، السيد اليزدي(قدس سره)، ج6، ص21، مسألة 7.))من أنّ الأقوى عدم جريان الربا في الغرامة عن التالف؛ لأنّ ما یدفع بعنوان الغرامة عوض عن التالف فيكون بينهما تعاوض؛ لأنّها ليست بعنوان المعاوضة بل بعنوان الغرامة فلا بأس بزيادة أحدهما على الآخر، خلافاً للمحقّق(قدس سره) في الشرائع و شيخ الطائفة(قدس سره) حیث جعل الغرامة من باب المعاوضة و حكم بثبوت الربا فيها.

قال المحقق الحلي(قدس سره): «و الذهب والفضة يضمنان بمثلهما، وقال الشيخ: يضمنان بنقد البلد كما لو أتلف ما لا مثل له.و لو تعذر المثل، فإن كان نقد البلد مخالفا للمضمون في الجنس، ضمنه بالنقد و إن كان من جنسه، و اتفق المضمون و النقد وزنا، صح، و إن كان أحدهما أكثر، قوم بغير جنسه ليسلم من الربا. و لا تظنن أن الربا يختص بالبيع، بل هو ثابت في كل معاوضة على ربوبيين، متفقي الجنس». ((شرائع الإسلام، المحقق الحلي، ج4، ص766.))

مثال ذلك: أنّه إذا أتلف الرجل من مال رجل آخر منّاً من الحنطة الجيّدة فدفع إلى المالك منّاً و نصفاً من الرديئة أو منّين من الشعير.

أما المورد الثالث للتعاوض: و هو القسمة

إنّ القسمة تقع على وجهین:

الأول: القسمة بین الشریكین و معنی القسمة هنا التعاوض بين ما لكلّ من الشريكين في كلّ من الحصّتين.

الثاني: القسمة عند الاختلاط و هي القسمة الظاهریة بتمیّز ما اختلط من المالین في ما إذا اختلطا بحيث لا يكون بينهما تميز.

و الأقوى عدم جريان الربا في القسمة كما ذهب إلیه صاحب العروة(قدس سره) ((العروة الوثقى، السيد اليزدي(قدس سره)، ج6، ص22، مسألة 7. ))؛ فلو كانت الشركة بالمناصفة واقتسما بالثلث والثلثين لا يكون من الربا.

و الدلیل على ذلك: هو عدم كون القسمة من المعاوضة و قد تقدّم أنّ الربا یتحقّق في العقد المعاوضي؛ و عنوان القسمة هو التميز بين الحقّين و لیس من مصادیق المعاوضة بل هو التعاوض.

الخامسة: الإقالة

لا تجوز الإقالة بزيادة أو نقصان في الثمن أو المثمن و لكن یقع الكلام في الإقالة التي تقع مع الشرط؛ و ذلك مثل ما إذا اشترط في الإقالة شرطاً؛ فهنا قولان:

القول الأول:
إنّ المشهور حكموا بعدم صحّة الشرط و ذلك لإطلاق صحیحة خالد بن حجّاج. ((صحیحة خالد هي الدلیل الثاني علی عدم جریان الربا في الوفاء بالدیون و هو المورد الأوّل من موارد التعارض.))

القول الثاني:
إنّ المختار هو ما ذهب إلیه صاحب العروة(قدس سره) حیث قال: «الأقوى جواز اشتراط شرط؛ لعموم المؤمنون عند شروطهم وعدم المانع، وعلى ما قلنا من جوازه ليست معاوضة بل هي فسخ و إن كانت مستلزمة للتعاوض.»(( العروة الوثقى، السيد اليزدي(قدس سره)، ج6، ص22، مسألة 7.))

اين مطلب را به اشتراك بگذارید

اشتراک گذاری در telegram
اشتراک گذاری در whatsapp
اشتراک گذاری در twitter

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *