الطریق التاسع: بیع الدین بثمن أقلّ(تنزیل الصکوك)

فهرست مطلب

بیع الدین بثمن أقلّ(تنزیل الصکوك) ((في معجم ألفاظ الفقه الجعفري، ص127: «تنزیل الأوراق: أن یأخذ الدائن من شخص مبلغاً أقل من دینه علی أن یستوفي هذا الشخص من المدین دین الأوّل کاملاً کأن یکون لعمرو 400 دینار عند زید فیأخذ عمرو من خالد 350 دینار علی أن یأخذ خالد من زید 400 دینار».))

قبل الورود في البحث نقول إنّ بيع الدين في نفسه جائز لعموم (أحلّ الله البيع) ((البقرة (2): 275.)) و لکن الکلام في فرعين:

الفرع الأوّل: بيع الدين بالدين

و هذا البيع لا يجوز لورود النصّ عليه؛ و الدليل عليه موثّقة طلحة بن زيد:
مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَن‏أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مِهْزَمٍ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام) قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ:‏ لَا يُبَاعُ الدَّيْنُ بِالدَّيْنِ. ((الکافي، ج5، ص100، کتاب المعيشة، باب بيع الدين، ح1؛ تهذيب الأحکام، ج6، ص189، کتاب الديون و الکفالات و الحوالات و الضمانات و الوکالات، باب الديون و أحکامها، ح25؛ وسائل الشيعة، ج18، ص289، أبواب السلف، باب حکم جعل ما في الذمة ثمناً في السلف، ح2، و ص347، أبواب الدين و القرض، باب15، ح1 و في الکافي «طلحة بن يزيد» بدل «طلحة بن زيد».))

أمّا السند: فموثّق فإنّ محمد بن يحيی العطار و أحمد بن محمد بن عيسی و إبراهيم بن مهزم الأسدي کلّهم من أجلّاء الطائفة و الحسن بن محبوب من أصحاب الإجماع على قول و طلحة بن يزيد ثقة عامي و له کتاب اعتمد عليه الأصحاب.

الفرع الثاني: بيع الدين على من هو عليه و على غيره من الناس مطلقاً

هنا نظريتان:

النظرية الأُولى: عن العلامة الحلّي(قدس سره) و من تبعه

إنّ العلامة الحلّي(قدس سره) و من تبعه من أعلام العصر مثل المحقق الخوئي(قدس سره) و المحقق الشيخ حسين الحلّي(قدس سره) ذهبوا إلى إطلاق جواز بيع الدين بغير الدين و لو بالأقلّ.

قال العلامة الحلّي(قدس سره): يجوز بيعه [أي بيع الدين] بغير الدَّيْن على‏ مَنْ هو عليه و على‏ غيره من الناس بأكثر ممّا عليه و بأقلّ و بمساوٍ إلّا في الربوي، فتشترط المساواة.

استدلال العلامة الحلّي عليه:

إنّ نهيه عن بيعه بالدَّيْن يدلّ من حيث المفهوم على‏ تسويغه بغيره مطلقاً. ((تذکرة الفقهاء، العلامة الحلي، ج13، ص20.))

قال المحقق الخوئي(قدس سره): يصح بيع الدين بمال موجود و إن كان أقل منه إذا كان من غير جنسه أو لم يكن ربوياً. ((منهاج الصالحين، المحقق الخوئي(قدس سره)، ج‏2، ص173.))

قال العلامة المحقق الشيخ حسين الحلّي(قدس سره): كمبيالات((في معجم ألفاظ الفقه الجعفري، ص351 «الکمبيالة: ورقة يأخذها الدائن من المديون تعبر عن قرض حقيقي کمائة دينار على مدة معلومة و إن کانت تعبر عن قرض صوري فهي تسمی مجاملة».)) … و هي المعبرة عن وجود قرض حقيقي بين الدائن و المدين فيمثل لها بما لو كان لزيد في ذمة شخص آخر مبلغ، قدره مائة دينار و موعد استحقاق هذا القرض بعد مرور ثلاثة أشهر من تاريخ حصول المداينة بين الطرفين. و في هذه الحالة، يأخذ زيد الورقة المذكورة لينزلها عند شخص ثالث بمبلغ ثمانية و تسعين ديناراً و لا بدّ لحامل الورقة و الشخص الثالث من اعتبار هذه المعاملة بيعية لا قرضية و يتولى الشخص الثالث بعد ذلك مطالبة المدين بالمبلغ المذكور و هو المائة دينار في الموعد المحدّد.

و من الواضح عدم تحقق الربا في هذه الصورة، و إن تحققت الزيادة لأن هذه العملية تكون من صغريات مسألة بيع الدين بأقلّ منه مع أن الدين لم يكن من جنس ربوي، بل هو من الأوراق غير المكيلة و لا الموزونة.
و في الوقت نفسه لا قرض في البين ليتحقق الربا، ليقال: إن وجود القرض مع الفرق يحقق الزيادة حتى و لو لم يكن الموضوع مكيلاً أو موزوناً، بل هو بيع لما له بذمة الآخر إلى أجل.

و بتعبير أوضح: إنّ الدين لو كان ربوياً كما لو كان لشخص بذمة آخر وزنة من الحنطة أو مائة مثقال من الذهب، أو الفضة، و ما شاكل هذا مما هو مكيل أو موزون فإنه لا يجوز بيعه بشي‏ء من جنس ذلك سواء كان بأقل، أو بأكثر. لأن الزيادة في أحد المتجانسين المكيلين أو الموزونين في البيع تكون موجبة لتحقق الربوية و إن لم يكن أحدهما ديناً. أما لو كان بيع الدين بغير جنسه كما في بيع وزنة من الحنطة بوزنتين من التمن، أو كانت المجانسة محفوظة و لكن لم يكونا من المكيل، أو الموزون- كما في الأوراق النقدية- فلا مانع من بيع هذا الدين بأقل منه، أو بالأكثر. إذ لا يكون البيع ربوياً- حينئذ. و الذي يظهر لنا في هذه الصورة هو وجود الدين الحقيقي بين الطرفين لأن ذمة المدين حقيقة مشغولة بالمبلغ المذكور للدائن فيبيع الدائن ما له بذمة المدين من الشخص الثالث. ((بحوث فقهية، المحقق الشيخ حسين الحلي(قدس سره)، ص119-121.))

النظرية الثانية: عن الشيخ الطوسي(قدس سره) و من تبعه

إنّ الشيخ الطوسي(قدس سره) على ما نسب العلامة الحلّي(قدس سره) إليه قال: «لو باع الدَّيْن بأقلّ ممّا له على‏ المديون، لم يلزم المديون أكثر ممّا وزن المشتري من المال»؛ ((تذکرة الفقهاء، العلامة الحلي، ج13، ص20. قال في النهاية، ص311 «و من باع الدين بأقل ممّا له علی المدين لم يلزم المدين أکثر مما وزن المشتري من المال».)) و قد تبعه في ذلك السيد المحقق الصدر(قدس سره).

قال السيد الصدر(قدس سره): … و لكن أصل تخريج خصم الكمبيالة((في أحکام البنوك و الأسهم و السندات و الأسواق المالية، ص78 «6- خصم الکمبيالات أو تنزيلها يراد بالخصم و التنزيل أن يدفع البنك أو غيره قيمة الکمبيالة قبل الموعد المحدد لها مقابل استقطاع مبلغ معين».)) على أساس بيع الدين بأقل منه موضع بحث؛ لأن هذا المبلغ و إن لم يكن ربوياً لأن الدين المبيع ليس من الذهب و الفضة، و لكنّ هناك روايات خاصة دلت على أن الدائن إذا باع دينه بأقل منه فلا يستحق المشتري من المدين الّا بقدر ما دفع إلى البائع و يعتبر الزائد ساقطاً من ذمة المدين رأساً.

و هذا يعني أن البنك إذا فسرنا عملية الخصم لديه بأنها شراء للدين بأقل منه لا يستحق على المدين إلّا بمقدار ما دفع و يعتبر تنازل الدائن عن الزائد لصالح المدين دائماً لا لصالح المشتري و إن قصد الدائن ذلك. ((البنك اللاربوي، المحقّق الصدر(قدس سره)، ص159.))

أدلة النظرية الثانية:

الدليل الأول: صحيحة أبي حمزة الثمالي

مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَن‏أَحْمَدِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفُضَيْلِ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ(عليه السلام) عَنْ رَجُلٍ كَانَ لَهُ عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَاشْتَرَاهُ مِنْهُ [بِعَرْضٍ‏] ثُمَّ انْطَلَقَ إِلَى الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ فَقَالَ لَهُ أَعْطِنِي مَا لِفُلَانٍ عَلَيْكَ فَإِنِّي قَدِ اشْتَرَيْتُهُ مِنْهُ كَيْفَ يَكُونُ الْقَضَاءُ فِي ذَلِكَ؟ فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ(عليه السلام): يَرُدُّ عَلَيْهِ الرَّجُلُ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ مَالَهُ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ مِنَ الرَّجُلِ الَّذِي لَهُ الدَّيْنُ. ((الکافي، ج5، ص100، کتاب المعيشة، باب بيع دين بالدين، ح2؛ وسائل الشيعة، ج18، ص347، أبواب الدين و القرض، باب عدم جواز بيع الدين بالدين و حکم ما لو بيع بأقل منه، ح2؛ و في تهذيب الأحکام، ج6، ص189 «أحمد بن محمد بن عيسی عن الحسن بن علي… سئل أبوجعفر(عليه السلام) … فاشتری منه بعوض… فکيف يکون القضاء… فقال له أبوجعفر(عليه السلام)… ماله الذي اشتراه من الرجل الذي له عليه الدين».))

أمّا السند: فإنّ محمد بن يحيی العطار رواه عن أحمد بن محمد بن عيسی و هما من الأجلّاء و الحسن بن علي مردد بين الحسن بن علي الوشاء و هو من أجلّاء الإمامية و الحسن بن علي بن الفضّال و هو من أصحاب الإجماع على قول، و محمد بن الفضيل الصيرفي هو من ثقات الإمامية و من رجال نوادر الحکمة، و أبو حمزة الثمالي من أجلّاء ثقاتنا.

الدليل الثاني: صحيحة محمد بن الفضيل:

مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى وَ غَيْرُهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفُضَيْلِ قَالَ: قُلْتُ لِلرِّضَا(عليه السلام) رَجُلٌ اشْتَرَى دَيْناً عَلَى رَجُلٍ ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى صَاحِبِ الدَّيْنِ فَقَالَ لَهُ ادْفَعْ إِلَيَّ مَا لِفُلَانٍ عَلَيْكَ فَقَدِ اشْتَرَيْتُهُ مِنْهُ قَالَ يَدْفَعُ إِلَيْهِ قِيمَةَ مَا دَفَعَ إِلَى صَاحِبِ الدَّيْنِ وَ بَرِئَ الَّذِي عَلَيْهِ الْمَالُ مِنْ جَمِيعِ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ‏. ((الکافي، ج5، ص100، ح3؛ تهذيب الأحکام، ج6، ص191، ح35 و فيه «محمد بن أحمد بن يحيی عن محمد بن عيسی» الخ ؛ وسائل الشيعة، ج18، ص348، ح3..))

و السند: صحيح فإنّ محمد بن أحمد بن يحيی الأشعري و هو صاحب النوادر روی عن محمد بن عيسی بن عبيد و کلاهما من الأجلّاء و محمد بن فضيل أيضاً من ثقات الإمامية.

ثمّ استدلّ السيد المحقق الصدر(قدس سره) بروايتي أبي حمزة و محمد بن فضيل و قال:
«و بالرغم من بعض الثغرات ((في تاج العروس «کل فرجة ثغرة … الثغرة: الثلمة».)) في الاستدلال بهاتين الروايتين فإني شخصياً لا أنسجم نفسياً و لا فقهياً مع الأخذ بالرأي المعاكس، و لا أجد في نفسي و حدسي الفقهي ما يبرر لي بوضوح ترك هاتين الروايتين و الأخذ برأي يناقضهما.

و على هذا الضوء فليس بإمكان البنك اللاربوي أن يمارس عملية خصم الكمبيالة على أساس شراء الدين بأقل منه ثم يستأثر بالمقدار المخصوم لنفسه لأن بيع الدين بأقل منه ينتج دائماً بموجب الروايات المتقدمة سقوط الزائد من ذمة المدين و براءتها منه.» ((البنك اللاربوي، المحقّق الصدر(قدس سره)، ص160.))

إيراد العلامة الحلّي(قدس سره) علی الصحيحة الأُولى:

هو [رواية أبي حمزة] مع ضعف سنده ((قد بحثنا حول صحّة سندها فما أفاده العلامة الحلّي(قدس سره) من جهة السند فلا يمکن المساعدة عليه.)) غير صريح فيما ادّعاه الشيخ؛ لجواز أن يكون المدفوع مساوياً.

و أيضاً يُحتمل أن يكون ربويّاً، و يكون قد اشتراه بأقلّ، فيبطل الشراء، و يكون الدفع جائزاً بالإذن المطلق المندرج تحت البيع.

إذا ثبت هذا، فالواجب على‏ المديون دفع جميع ما عليه إلى المشتري مع صحّة البيع. ((تذكرة الفقهاء، العلامة الحلّي(قدس سره)، ج‏13، ص19.))

اين مطلب را به اشتراك بگذارید

اشتراک گذاری در telegram
اشتراک گذاری در whatsapp
اشتراک گذاری در twitter

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *