الطريق الرابع: بيع العُملة (إسكناس) بدل القرض و المعاملات الربوية

فهرست مطلب

[سلسله دروس فقه اقتصاد / استاد محقق حاج شیخ محمد علی بهبهانی]

هنا نظريات ثلاث في بيع العملة و الأوراق النقدية.

النظرية الأُولى: صحّة بيع العُملة مطلقاً و هي المختار

إنّه قد تقدّم ((راجع الفصل الثامن، هل يجري الربا في الأوراق النقدية؟)) جواز بيع الإسكناس مع التفاضل سواء كان جنس الإسكناس واحداً أو مختلفاً، و سواء كان نقداً أو نسيئةً؛ لأنّ الإسكناس من المعدود و لا ربا فيه و هذه النظرية هي مختار المشهور.

قال بعض أعلام العصر مدّ ظلّه: «إنّ الأوراق النقدية المالية بما أنّها لا تكون من الذهب والفضة، و لا أنّها نائبة عنهما لكي تكون محكومة بحكمهما، و لا من المكيل والموزون، فلذلك لا تعتبر المساواة بين الثمن و المثمن منها مع أنّها معتبرة في بيع الذهب بالذهب و الفضة بالفضة، كما أنّها معتبرة في بيع المكيل بالمكيل والموزون بالموزون، و على هذا فلا مانع من بيع تلك الأوراق نقداً بأزيد منها في الذمة مؤجلاً، كما إذا اشترى شخص عشرين ديناراً خارجياً مثلاً بخمسة وعشرين ديناراً كلياً في الذمة إلى ثلاثة أشهر.» ((أحكام البنوك و الأسهم و السندات و الأسواق المالية، الشيخ المحقّق الفياض مدّ ظلّه، ص42.))

نعم، قد اختاره بعض الأعلام مثل السيد المحقق الحكيم(قدس سره) و لكن احتاط في المقام استحباباً و قال: «الأوراق النقدية لمّا لم تكن من المكيل و الموزون لا يجري فيها الربا فيجوز التفاضل في البيع بها لكن في النفس منه شيء فالأحوط ضمّ جنس آخر إلى الأقلّ و لو كان من الدراهم في بيع الدنانير العراقية أو القران في التومان.» ((منهاج الصالحين، الفقيه المحقق السيد محسن الحكيم(قدس سره)، ج2، ص75.))

النظرية الثانية: التفصيل بين وحدة الجنس و اختلافه

إنّ بعض الأعلام قالوا بصحّة بيع العملة مع اختلاف الجنس و قالوا بالبطلان إذا اتّحد فيه جنس العوضين بأن لا يتمايز الثمن عن المثمن و لم تكن المعاملة شخصية، مثل المحقق الخوئي(قدس سره) فإنّه قال في أحكام الربا و في المستحدثات و مسائل البنوك:

«الأوراق النقدية لما لم تكن من المكيل و الموزون لا يجري فيها الربا فيجوز التفاضل في البيع بها لكن إذا لم تكن المعاملة شخصية لا بدّ في صحة المعاملة من امتياز الثمن عن المثمن كبيع الدينار العراقي في الذمة بالدينار الكويتي أو بالريال الإيراني مثلاً، و لا يجوز بيع الدينار العراقي بمثله في الذمة.» ((منهاج الصالحين، المحقق الخوئي(قدس سره)، ج‏2، ص55.))

و قال: «الأوراق النقدية بما أنها ليست من المكيل أو الموزون فإنه يجوز للدائن أن يبيع دينه منها بأقل منه نقداً، كأن يبيع العشرة بتسعة أو المائة بتسعين مثلا و هكذا.» ((منهاج الصالحين، المحقق الخوئي(قدس سره)، ج1، ص417.))

و المعاملة إذا كانت شخصية فالثمن موجود شخصيّ غير وجود المثمن و البيع يصدق بلا كلام، و أمّا إذا كانت المعاملة كلّية فالمثمن و إن كان أمراً شخصياً خارجياً إلّا أنّ الثمن أمر كليّ، و حينئذٍ تكون النسبة بين الثمن و المثمن نسبة الكلّي و الفرد و وجود الكلّي بوجود أفراده، كما قيل: «كلّي الطبيعيّ هي المهية وجوده وجودها شخصية».

و حينئذٍ لا يتمايز الثمن و المثمن، لاتّحادهما اتّحاد الكلّي و فرده، مع أنّ تمايز الثمن و المثمن شرط لتحقّق البيع، فلا يصدق البيع في المقام لعدم تمايزهما.

و لذلك قيد ذلك في المعاملات بما إذا كانت المعاملة شخصية و أخرج منها المعاملة الكلّية

الدليل الأول للنظرية الثانية: و هو المستفاد من كلام المحقق الخوئي(قدس سره)

إنّ البيع لا يصدق على مثل هذه المعاملة لأن البيع متقوم بالمغايرة بين الثمن والمثمن ولا مغايرة في المقام بينهما، لأن الثمن و هو الكلّي في الذمّة ينطبق على نفس المثمن الخارجي مع زيادة.

الجواب الأول بالحلّ: عن المحقّق الصدر و المحقّق الفياض

قال السيد الصدر(قدس سره): إن هذا التقريب يندفع بكفاية المغايرة الناشئة من كون المثمن عيناً خارجية والثمن أمراً كلياً في الذمة، و مجرد قابليته للانطباق ضمناً على تلك العين لا ينافي المغايرة المصحّحة لعنوان البيع. ((و قال المحقّق الفياض مدّ ظلّه: إنه يكفي في صدق البيع عرفا المغايرة الناشئة من كون المثمن عيناً خارجية والثمن أمراً كلياً في الذمة ، و مجرد كون الثمن منطبقا على المثمن في الخارج ، لا ينافي المغايرة بينهما الناشئة من كون أحدهما كليا في الذمة والآخر عيناً خارجية ، والمفروض في المقام أن الثمن هو الكلي الثابت في الذمة ، لا خصوص الحصة المنطبقة منه على المثمن في الخارج ، لكي يقال إنه لا مغايرة بينهما . أحكام البنوك و الأسهم و السندات و الأسواق المالية، الشيخ المحقّق الفياض مدّ ظلّه، ص43.))

الجواب الثاني بالنقض: عن المحقّق الصدر و المحقق الفياض

أجاب السيد الصدر(قدس سره) نقضاً بأنّه يلزم من ذلك البناء على عدم صحة بيع القيمي بجنسه في الذمة مع الزيادة، كبيع فرس بفرسين في الذمة ، مع أن هذا منصوص على جوازه في بعض الروايات وهذا يكشف عن أن المغايرة المقوّمة لحقيقة البيع يكفي فيها هذا المقدار. ((و قال المحقّق الفياض مدّ ظلّه: ومن هنا لا إشكال عرفاً في صدق البيع على بيع الشيء القيمي الخارجي بجنسه الكلي في الذمة بزيادة ، كبيع فرس معين خارجاً بفرسين في الذمة إلى أجل محدّد فإنه منصوص، وهذا يدل على أن هذا المقدار من المغايرة يكفي في صدق البيع . أحكام البنوك و الأسهم و السندات و الأسواق المالية، الشيخ المحقّق الفياض مدّ ظلّه، ص44.))

توهم و دفع:

إنّ المحقّق الفياض مدّ ظلّه أشار إلى هذا التوهّم و دفعه.
أمّا التوهّم: إن النظر العرفي في باب النقود إلى ماليتها دون خصوصياتها، فالمنظور إليه عرفا من بيع أربعين ديناراً بألف تومان، هو تبديل مالية بمالية، فإذا كان النظر العرفي إلى مالية الدنانير والتوامين التي وقعت ثمناً ومثمناً، فلا تغاير بين الثمن والمثمن حينئذ إلا في كون أحدهما أمراً خارجياً والآخر أمراً ذميّاً، و هذا معنى تبديل الشيء إلى مثله الذي هو معنى القرض.

و أمّا دفعه: إنّ المنظور إليه في باب النقود و إن كان المالية، إلا أنّه المالية الخاصة، فإن النظر العرفي إلى مالية الدينار في ضمن الدينار لا مطلقاً، و إلى مالية التومان في ضمن التومان و مالية الدولار في ضمن الدولار و هكذا، و على هذا ففي بيع الدينار بالتومان يكون النظر العرفي إلى تبديل مالية الدينار بمالية التومان، لا إلى تبديل مالية بمالية من دون خصوصية للدينار والتومان، فإذن يكون الثمن مغايراً للمثمن و لا مماثلة بينهما. ((أحكام البنوك و الأسهم و السندات و الأسواق المالية، الشيخ المحقّق الفياض مدّ ظلّه، ص47.))

الدليل الثاني للنظرية الثانية: دفاع السيد الصدر(قدس سره) عن المحقّق الخوئي(قدس سره)

المهم في الإشكال دعوى صدق القرض على هذه المعاملة و إن أُنشأت بعنوان البيع؛ و ذلك بتحكيم الارتكاز العرفي:
أما بلحاظ الصغرى أي تشخيص المراد الجدي للمتعاملين، فيقال إن المراد المعاملي لهما جداً بقرينة الارتكاز هو القرض، و ليس الإنشاء بالبيع إلا من باب تغيير اللفظ ((إنّ المحقّق الصدر قد نقل الإيراد عن بعضهم على ما أفاده من جهة الصغری، و لذلك قال بأنّ الإشكال الكبروي أفضل. أمّا ما يقال في دفع الإشكال الصغروي فأشار إليه بقوله: إن المقصود بالمراد الجدي يستكشف بلحاظ الارتكاز إن كان هو الغرض الشخصي للبائع والمشتري من المعاملة فمن الواضح أن مجرد كون الغرض الشخصي من هذه المعاملة نفس الغرض الشخصي في موارد القرض لا يخرجها عن كونها بيعا ، لأن الأغراض الشخصية للمتعاملين ليست مقوّمة لأنواع المعاملات المختلفة . و إن كان المقصود بالمراد الجدي المنشأ جدا في المعاملة، فمن الواضح أيضا أن الإنشاء الجدي سهل المئونة لأنه يرجع إلى الاعتبار و لا معنى لتحكيم ارتكاز خارجي على اعتبارات المتعاملين إذ بإمكان البائع و المشتري أن ينشأ التمليك بعوض في مقام الجعل و الاعتبار بدلا عن إنشاء التمليك على وجه الضمان. و دعوى أن التمليك بعوض في مقام بيع ثمانية دنانير بمثلها في الذمة عين التمليك على وجه الضمان و لهذا يكون قرضا مدفوعة بأن التمليك بعوض يشتمل على جعل الضمان المعاوضي و لهذا يحصل التمليك و التملك بنفس العقد في البيع، و أما التمليك على وجه الضمان فهو لا يشتمل على الضمان المعاوضي بل على التمليك بنحو يستتبع جريان قانون ضمان الغرامة بتفصيل لا يسعه المقام. و لهذا كان نفوذ القرض متوقفا على القبض و لم يكن عقد القرض مشتملا على المعاوضة. و هكذا يتضح أن التمليك بعوض و التمليك على وجه الضمان مجعولان اعتباريان مختلفان و إن تصادقا بحسب النتيجة في مورد تبديل ثمانية دنانير خارجية بمثلها في الذمة.))

و أما بلحاظ الكبرى أي بتوسعة دائرة القرض بحسب الإرتكاز العرفي بحيث يشمل هذه المعاملة و إن أريد بها البيع جداً فقال السيد الصدر(قدس سره):

الأفضل التمسك بالارتكاز العرفي و تحكيمه بلحاظ الكبرى، بحيث يقال: إنه لما كان القرض بمقتضى الأصل في الارتكاز العقلائي هو تبديل المال المثلي الخارجي بمثله في الذمة – و تعميمه للقيميات ليس إلا بنحو من العناية – فيصدق عرفاً عنوان القرض على المعاملة التي تتكفل بهذا التبديل ولو كان المنشأ فيها عنوان التمليك بعوض فالعرف لايريد من كلمة القرض إلا المعاملة التي تؤدي إلى ذلك النحو من التبديل و معه يصبح بيع ثمانية دنانير بمثلها في الذمة قرضاً عرفياً، و تلحقه أحكام القرض التي منها عدم جواز الزيادة. ((البنك اللا ربوي في الإسلام، السيد محمد باقر الصدر، ص 176– 177.))

ملاحظتنا على الدليل الثاني:

إنّه قد تقدّم في البحث عن القسم الثاني من الطريق الأوّل أنّ رجوع البيع إلى القرض، لا وجه له في المقام؛ فإنّ المفروض هو إنشاء البيع بقصد جدّي فيتحقّق البيع بمفهومه و بحقيقته مع جميع شرائط صحّته، و أمّا كونه نسيئةً و مفيداً للغرض المترتّب على القرض الربوي، فلا يوجب رجوعه إليه. ((أجاب المحقّق الفياض مدّ ظلّه عن التقرير الثاني الذي أفاده السيد المحقّق الصدر! و هو الجواب عن الارتكاز العرفي بلحاظ الكبری، فقال: الظاهر أن الامر ليس كذلك، فإن المرتكز لدى العرف العامّ، أن صدق عنوان البيع أو القرض أو غيره من المعاملات منوط بكون المنشأ فيه عن جدّ مفهومه، فإن كان مفهوم البيع كان بيعاً و ليس بقرض و لا غيره، و إن كان مفهوم القرض فهو قرض و ليس ببيع و لا غيره، و هكذا. و بكلمة: أن مفهوم القرض يتوقف على كون المال المقترض مثلياً خارجياً ، فإنه إذا كان كذلك و قصد تضمينه بمثله في الذمّة من دون لحاظ كون أحدهما ثمناً و الآخر مثمناً فهو قرض، و مفهوم البيع لايتوقف على ذلك؛ فإنه عبارة عن تمليك عين بعوض و إن لم تكن العين أو العوض موجودة في الخارج، فإذا قصد تمليك مائة دينار خارجي مثلاً بمائة وعشرة دنانير كلية في الذمة إلى ستة أشهر بجعل أحدهما ثمناً و الآخر مثمناً كان بيعاً، و لا يصدق عليه عنوان القرض. أحكام البنوك والأسهم والسندات والأسواق المالية، العلّامة الشيخ الفياض مدّ ظلّه، ص 44.))

النظرية الثالثة: التفصيل في ما إذا كان البيع نسيئةً

إنّ القائلين بهذه النظرية رأوا التفصيل في البيع نسيئةً بين صحّته في ما إذا كان بيعاً حقيقةً و بين بطلانه في ما إذا رجع إلى القرض من جهة أنّ النسيئة هنا توجب رجوع البيع إلى القرض الربويّ؛ أمّا البيع النقدي مع اختلاف الجنس فلا إشكال فيه لديهم.

قال العلّامة المحقّق الشيخ حسين الحلّي(قدس سره) على ما في تقريرات بحثه:
«بعد أن عرفنا حقيقة الأوراق النقدية، و أنها لا تحمل إلا جهة الاعتبار الصرف من الدولة التي فرضت التعامل بها فهل يتحقق الربا في صورة بيعها بأكثر؟ كأن يبيعه عشرة أوراق باثنتي عشرة ورقة الظاهر عدم تحقق ذلك فلا تكون المعاملة ربوية، لأن شرط جريان الربا في المعاملة هو وحدة جنس الثمن و المثمن أولاً، و كونه من المكيل و الموزون ثانياً، و ليست الدنانير من أيّ من هذين، و هما المكيل أو الموزون، و إن كانت وحدة الجنس متحقّقة فيها إلا أنّ الشرط الآخر، و هو الكيل أو الوزن لم يتحقق فيها فلا يجري في بيعه بأزيد منه حكم الربا. هذا إذا كانت المعاملة بيعية صرفة لا أجل فيها بل حصل التسليم.

و أما لو حصلت الزيادة مع أجل كأن دفع له عشرة دنانير بإزاء أحد عشر ديناراً يسلمه إياها بعد شهرين فهل يكون ذلك من صغريات المعاملة الربوية أولا؟

و الإجابة على هذا السؤال:

هو أنا نتصور لهذه المعاملة وجهين: تكون صحيحة بالنظر لوجه و باطلة على الوجه الثاني.

فإنّا لو اعتبرنا هذه المعاملة من قبيل البيع إلى أجل كانت المعاملة صحيحة، بخلاف ما لو اعتبرناها من قبيل القرض إلى أجل فإنها حينئذ تكون من ربا القرض، و يتم فيها البطلان.

بيان ذلك مفصلاً:

إن الشخص مرة يبيع هذه العشرة دنانير بأحد عشر ديناراً لمدة شهرين فيقبل الآخر ذلك البيع، و تتم المعاملة و لا بأس فيها لأنها معاملة بيعية غاية ما في البين أن أحد العوضين فيها مؤجل إلى شهرين، و هذا نظير ما لو باعه داره على أن يدفع ثمنها بعد شهرين و لا مانع في ذلك. هذا لو كانت المعاملة بيعية.

و مرة ثانية تكون المعاملة قرضية، كأن يقرضه فعلاً عشرة دنانير ليدفع له عند الأداء بعد شهرين أحد عشر ديناراً، و لا شبهة في ربوية هذه المعاملة القرضية لاشتمالها على القرض مع الزيادة فتجري عليها أحكام الربا، و إن لم يكن في البين مكيل أو موزون.

إذاً في مقام الإنشاء لابدّ من الالتفات إلى الفرق بين هاتين المعاملتين: البيع إلى أجل، و القرض إلى أجل حيث يتحقق الربا في الثاني دون الأول.» ((بحوث فقهية، تقريرات للعلّامة الشيخ حسين الحلي(قدس سره)، ص84 و 85.))

اين مطلب را به اشتراك بگذارید

اشتراک گذاری در telegram
اشتراک گذاری در whatsapp
اشتراک گذاری در twitter

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *